الخميس، 17 أغسطس، 2017

اهمية الموصل الاقتصادية في الستراتيجية البريطانية

اهمية الموصل الاقتصادية في الستراتيجية البريطانية
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -  جامعة الموصل
     أخذت بريطانيا تبدي اهتماماً متزايداً بعراق الدولة العثمانية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر حمايةً للهند وتأميناً لطرق مواصلاتها وما كان يهددها . وظهر ذلك بشكل بعثـات كشفية أولاً ، ومشاريع اقتصادية ثانياً ، واشتراك في لجان تحكيمية ثالثاً . تمثلت الأولى في بعثة جسني 1830 ـ 1837، وتوضح الثانية في شركة لنج 1861 ومعارضتها لمد الألمان الجزء الجنوبي من سـكة حديد بغداد إلى سواحل الخليج والإصرار على الاستئثار به . أما النقطة الثالثة فقد عبّرت عنها لجان التحكيم الدولية التي كانت مهمتها تثبيت الحدود العثمانية ـ الفارسية وخاصةً في الجهات العراقية من الشمال إلى الجنوب .

    هذا وقد أتخذت ولاية الموصل أهمية دولية خاصةً في السياسة البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من تسويات . وتتلخص تلك الأهمية في كل من القضايا الستراتيجية أولاً والأقتصادية ثانياً . وسنقف الان عند القضايا الاقتصادية .

           تحتل الموصل موقعاً جغرافياً مهماً أدى إلى أن تكون من مراكز التجارة المهمة فقي الشرق الأدنى آنـذاك . وذلك لأنّ طريق الموصل يعتبر أوفر اقتصاداً وأقصر مسافةً من طريق البحر الأحمر بالنسبة لسفن بريطانيا الذاهبة إلى الهند أو القادمة منها . لهذا فقد احتلت ولاية الموصل أهمية كبيرة في نظر بريطانيا خاصةً وأنّ بعض الإحصائيات قد قدّرت المسافة بين الموصل وبريطانيا عن طريق الخليج العربي بنحو ( 12066) كيلو متراً ، بينما تبلغ عن طريق سوريا نصف هذه المسافة ([i]) . وقد أولت بريطانيا هذه الناحيـة اهتماماً كبيراً فسعت لدراسـة الإمكانات الاقتصادية والتجارية لهذه البلاد منذ أمـد بعيد . وتعتبر بعثة الضابط الانكليزي فرنسيس رودن جسني سنة 1830 وما أنجزته من مسح عالم في جهات الفرات ودجلة في السنوات التالية من أولى البعثات التي أوفدها الانكليز لهذا الغرض، وقد أوضح جسني في كتابه المعنون " حملة مسح ودراسة نهري دجلة والفرات " أهمية ولاية الموصل للتجارة البريطانية في غرب آسيا . واقترح جسني إنشاء مؤسسات مالية بريطانيـة في الموصل وديار بكـر ، وذكر بأن الموصـل والمناطق المجاورة لها تعتبر من المركز المستهلكة للبضائع البريطانية على الرغم من عدم وجود مؤسسـات بريطانية مالية هناك . وقال في مذكـرة مرفقة بكتابه بعنوان " المشاريع التجارية في غرب آسيا "  أنّ البضائع البريطانية تحمل إلى الموصل من حلب ودمشق وبغداد بواسـطة التجار المحليين وتباع لذلك بأسعار عالية نتيجة لمرورها بأيدي عدد كبير من الوسطاء ، وأكّد ضرورة قيـام مؤسسات تجارية بريطانية تتولى عملية التجارة مع الموصل مباشرةً ، واعتقد أنّ ذلك سـيؤدي إلى خفض أثمان البضائع البريطانية إلى النصف ، وبالتالي يزداد الإقبـال على البضائع البريطانيـة . ورأى جنسي أنّ موارد الموصل ومن أهمها : الصوف والجلـود والعفص وعرق السوس وشعر الماعز ، سلع مربحة للتصدير . وكانت هذه المواد  تباع في أسواق الموصل بأسعار بخسة ، فالقنطار من العفص الجيّد على سبيل المثال كان يُباع هناك بمبلغ (950) قرشاً ويكون سـعره بعد نقله إلى الأسـكندرية نحو (1300) قرشاً أو (52) شـلناً لكل قنطار ، وأشـار جنسي إلى التجارة الروسية التي تأخذ بالازديـاد في أسـواق ما بين النهرين وكردسـتان مما يهدد التجارة البريطانية وأكّد بأنّ قـدرة التجارة الروسية على معرفـة أذواق السكان من عوامل نجاحها ، وهذا مما لا يتوفر للتجارة البريطانية لعدم وجود مؤسسات تجارية بريطانية واقترح تنظيم سوق البضائع البريطانية من الاسكندرية إلى ديار بكـر ، ومن ثم إلى الموصـل عبر دجلة أو عن طريق القوافل البرية مباشرةً إلى الموصل وقال أنّ ذلك سيمكن التجارة البريطانية من التوسع في بلاد كردستان وما بين النهرين ([ii]) .

   ازداد اهتمام بريطانيا باقتصاديات ولاية الموصل بشكل ملحوظ منذ أواخر القرن التاسع عشر . ويعود ذلك إلى اتساع التجارة الموصليـة وخاصةً في القطـاع الزراعي ، إذ أنّ الملاكين الجـدد أخذوا يلحون على زيادة الانتاج بالرغم من عدم تبدل وسائله . وبذلك ازداد الإقبال على توسـيع المساحات المزروعـة مثلاًً جنوبي جبل سـنجار والأقسـام الغربية مـن كردسـتان
الجنوبية ([iii]) . وقد بدأت العوامل الجديدة بالظهور من أجل إيجاد روابط قوية بالسوق الخارجية وساعدت على ذلك عوامل عديدة داخلية وخارجية ([iv]) . فبعد افتتاح قناة السويس سـنة 1869 برزت ظاهرة نشـوء واتساع تجارة التصدير إلى أوربا . فقد ازدادت قيمة صادرات الموصل في الفترة من سنة 1884 ـ 1885 على ( 250 ) ألف دينار صدر ثلثاها أو ما قيمته (175.704) دينـاراً إلى بريطانيـا وأوربا ([v]) . أما الباقـي فصـدر إلى
الهند وسوريا وإيـران . وتتضمن صـادرات الموصل : الحبوب والصوف والعفص ([vi]) والجلود والماشية وغير ذلك ، ولم تقف تجـارة التصدير عند هذا الحد إذ ما لبثت في الزيادة ويممت صـادرات الموصل وجهها شطر الأسواق الأوربية إلى درجة أصبحت معها هذه الأسواق قبل نشوب الحرب العالمية الأولى تشتري أكثر من ثلثي صادرات هذه الولاية . فقـد أظهرت التقارير القنصلية البريطانية في ولاية الموصل للسنوات من 1909ـ 1912 أنّ هناك زيادة في صادرات ولاية الموصل إلى بريطانيا . ففي الوقت الذي بلغت فيه قيمة الصادرات السنوية في المتوسـط تقريباً ( 437.000 ) جنيه استرليني صـدر منها ما قيمته ( 195.000 ) جنيه استرليني إلى بريطانيا وحدها ([vii]) . وقد بلغت النسبة المئوية لصادرات الموصل إلى بريطانيـا في سنة 1910 ( 28./. ) وفي سنة 1911(47./. ) وفي سنة 1912 (38./.) من مجموع الصادرات ([viii]) .

    حاولت الأسـواق الألمانية ثم الأميركية ، بعد أن رصـدت أتجاه تجارة الموصل نحو الأسواق البريطانية ، السيطرة على صـادرات ولاية الموصل من المصارين وعرق السـوس . فأنشأ الأمريكان على سـبيل المثال شركة تتعاطى استخراج وكبس عرق السوس في الموصل وتصديره سنة 1911 . إلاّ أنّ الأسواق الألمانية والأميركيـة لم تستوعب قبل الحرب إلاّ نسبية قليلة من صادرات الموصل ([ix]) .

   تدفقت رؤوس الأموال الأوربية على العراق عامة والموصل خاصة نتيجةً لنمو الصادرات واستثمار رؤوس الأموال الأجنبية عن طريق البنوك . ومن هذه البنوك ، البنك الأمبراطوري العثماني([x]). وهو مؤلف من رؤوس أموال انكليزية وفرنسية.وقد تأسس سنة 1863وفتح له فرعاً في مدينة الموصل ([xi]) والذي ظـلّ مسـتمراً في عملياته المصرفية حتى أغلقـه البريطانيون عند احتلالهم الموصل سنة 1918 لفترة قصيرة ثم أعـادوا فتحه بعد ذلك ([xii]) ، وهناك أيضاً البنك الشرقي المسمى ( ايسترن بنك Eastern Bank ) ورأسماله مؤلف من أسهم أنكليزية . أما إدارته المركزيـة فهي في لندن وله فرع في الموصل ([xiii]) .

     هذا وكان لتجار الموصل فعاليات مهمة في مجالات الاستيراد ، إذ تشير التقارير القنصلية البريطانية للسنوات من 1909 ـ 1912 أنّ هناك تزايداً في استيراد البضائع الأوربية خاصةً البريطانية منها.إذ بلغت قيمة مستوردات ولاية الموصل لهذه السـنوات حوالي ( 150.000 ) جنيـه استرليني منها ما قيمته ( 120.000 ) جنيـه استرليني جاءت من بريطانيا والهند والدول الأوربية الأخرى والبقية أتت من بغداد وحلب وديار بكر ([xiv]) . وقد بلغت النسبة المئوية لاستيرادات ولاية الموصل من بريطانيا سنة 1910 (26./.) وفي سـنة 1911 (20./.) وفي سـنة 1912 (28./.) من مجمـوع الواردات ([xv]) . وأهم البضائع المستوردة : الأقمشة القطنية والأجواخ والسكر والآنية النحاسية والزجاجية وتأتي هذه من أوربا . أما الوارد إليها من الهند عن طريق بغداد فهو الشـاي والأقمشة وأنواع الحلويـات ومن بلاد فارس البُسُط بأنواعها والأقمشة الحريرية والطنافس ([xvi]) .

    وعليه فإنّ الأهميـة الاقتصادية لولاية الموصل كانت سـبباً من أسباب اهتمام بريطانيا بها . وتعاظم هذا الاهتمام قبيل قيام الحـرب العالمية الأولى وأثناءها خاصةً بعد أن تبين أنّ الموصل زاخرة بالنفظ . لهذا فلا غرابة أن تستهدف كلٌ من روسـيا وبريطانيا في عملياتهـا العسكرية منطقـة العراق الشمالية .
* من رسالة الماجستير التي قدمها الدكتور ابراهيم خليل احمد العلاف والموسومة :"ولاية الموصل 1908-1922 دراسة في تطوراتها السياسية " وهي غير منشورة وقد حذفت الهوامش لقضايا تتعلق بالامن العلمي 

الموصل في الستراتيجية البريطانية أثناء الحرب العالمية الاولى وما أعقبها من تسويات

الموصل في الستراتيجية البريطانية أثناء الحرب العالمية الاولى وما أعقبها من تسويات
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس -  جامعة الموصل     
أخذت بريطانيا تبدي اهتماماً متزايداً بعراق الدولة العثمانية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر حمايةً للهند وتأميناً لطرق مواصلاتها وما كان يهددها . وظهر ذلك بشكل بعثـات كشفية أولاً ، ومشاريع اقتصادية ثانياً ، واشتراك في لجان تحكيمية ثالثاً . تمثلت الأولى في بعثة جسني 1830 ـ 1837، وتوضح الثانية في شركة لنج 1861 ومعارضتها لمد الألمان الجزء الجنوبي من سـكة حديد بغداد إلى سواحل الخليج والإصرار على الاستئثار به . أما النقطة الثالثة فقد عبّرت عنها لجان التحكيم الدولية التي كانت مهمتها تثبيت الحدود العثمانية ـ الفارسية وخاصةً في الجهات العراقية من الشمال إلى الجنوب ، كما سبق أن قدّمنا .

    هذا وقد أتخذت ولاية الموصل أهمية دولية خاصةً في السياسة البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من تسويات . وتتلخص تلك الأهمية في كل من القضايا الستراتيجية أولاً والأقتصادية ثانياً .وسنتوقف الان عند القضايا الاستراتيجية فقط .حيث ترتبط هذه ارتباطاً وثيقاً بالستراتنيجية البريطانية المتعلقة بحماية الهند وتأمين جميع طـرق المواصلات المؤديـة لها ، وتتناول هذه القضايا الستراتيجية طبيعة الموقع الجغرافي وأهميته السوقية العسكرية 
            لقد انصبّ اهتمام بريطانيا  على ثلاث طرق تؤدي إلى ممتلكاتها الشاسعة في الشرق كشـبه جزيرة الملايو وشمال بورنيـو والبحرين وعدن والهند قلب الأمبراطورية النابـض على أنّ الذي كانت تهتم به أكثر من هذا هو أن تضمن لنفسها أيضاً السيطرة على الطريق البرية إلى الهند ([i]) . وهذه الطريق هي التي تنتقل فوقها المصنوعات الشرقية بحراً إلى الخليج العربي فالبصرة فبغداد ، ومن هنا تتشعب إلى فرعين ، الأول : يحاذي دجلة صاعداً إلى الموصل فحلب فالبحر المتوسط حيث تنقل البضائع إلى الموانئ الأوربية والفرع الثاني : يسـير محاذياً الفرات حتى المـوانئ السورية وتشمل بهذه الطريق من جهة الموصل طريق أخرى إلى الجزيرة فالأناضول فالأستانة . ومن هنا تشير حتى تنتهي في لندن ([ii]). ونظراً لأهمية هذه الطريق فقد أصبح الاسـتيلاء على العراق أو الحصول على حـق الإشراف على هـذه البلاد " ضرورة حيوية للأمبراطـورية البريطانية " . إضافةً إلى ذلك فإنّ العراق يسيطر على الطرق البرية المؤديـة إلى القفقاس عن طريق بحيرتي أورمة ووان وبهذا الوجه في مقـدور العراق أن يلعب دوراً مهماً فـي حالة نشوب حرب بين بريطانيا وروسيا ([iii]) . وهناك ما يدل على أنّ السلطات العسكرية البريطانية في الهنـد كانت تنوي احتلال بلاد ما بين النهريـن قبل الحرب العالمية الأولـى بثلاث سنوات وربما قيل ذلك بكثير ([iv]) . كما أقترح المقيم البريطاني في بغـداد في شـباط 1913 مشروعاً يقضي بجعل بلاد ما بين النهرين بأسرها منطقة نفوذ بريطاني . ومن بين مقترحاته ما يلي :

1 ـ  إدخال ولاية الموصل في منطقة النفوذ البريطاني .
2 ـ  تقديم مساعدات مالية إلى جمعية الكنيسة الرسولية التبشيرية التي كانت
       تعمل في الموصل .
3 ـ  توطيـد العلاقات مع جمعية الاسـكان اليهودية لتمويل المدارس التي
       تدرس اللغة الأنكليزية .
 4 ـ  استمالة الأقلية الآثورية في شمال الموصل([v]) .

     وجدت بريطانيـا في نشـوب الحرب العالميـة الأولى وانضمام الدولة العثمانية إلى جانب الدول المركزية فرصة سانحة لاحتلال النقطة الأولى من الطريق البريـة التي تخترق العراق من أدنـاه إلى أقصاه ، وقـد تظاهرت بريطانيا أنها تكتفي لبسط نفوذها على جنوبي العراق ، غير أنها سرعان ما تقدمت صعوداً إلى الشمال غير قانعـة بجزئه الجنوبي فاحتلته إلى ما وراء الموصل ([vi]) .

    لقد أثارت تلك القضية تساؤل المؤرخين فيما إذا كان في نية الانكليز عند ابتداء حملتهم أن يتوغلوا في داخلية العراق . وبغض النظر عن المجادلات التي نشبت حول هذه النقطة، فإنّ ما ذكرناه أعلاه وما حدث بعد ذلك يدحض كل الأقاويل التي أدعت أنّ رغبة بريطانيا اقتصرت على احتلال البصرة .

   تقدمت القوات البريطانية نحو بغداد فاحتلتها في 31 آذار سنة 1917 ولم يقف الأمر عند احتلال بغداد، لأنّ بغداد لم تكن حصينة نظراً للطرق المؤدية إليهـا ، كما كان من الممكن حصـارها في موسم الفيضـان بكسر السدود المحيطة بها . فمن الناحية العسـكرية الصرفة بالإضافـة إلى الاعتبارات السياسية كان على الجيش البريطانية أن يتقدم في الجهات الأخرى وعلى هذا اندفع الجيش البريطاني شمالاً في اتجاه الموصل ، علماً بأن جزءاً من ولاية الموصل كان بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو من نصيب فرنسا ([vii]) ، فما هي العوامل التي كانت وراء ذلك ؟ وما سـر الاندفاع العسكري البريطاني نحو الموصل ؟
 
     لقد كان لنشوب ثورة اكتوبر الاشتراكية فـي روسيا سنة 1917 الأثر الكبير في إحراج موقف الانكليز في الشرق الأمر الذي جعلهم يعيدون النظر في خططهم العامة لإحكـام جبهة الدفاع ضد ( النفوذ السوفيتي ) خاصةً بعد أن أذاعت الثـورة الاشتراكية نصوص الاتفاقـات السرية وأخذت تحرض السكان في آسيا على الثورة ضد المحتلين ([viii]) ، وكان ذلك أحد الأسباب الجوهرية في ازدياد أهمية الموصل العسكرية والستراتيجية . ويؤكد ذلك ما كتبه السر آرنولد ولسن وكيل الحاكم الملكي في العراق بين 1918ـ 1920 حيـث قال : لم يذهب البريطانيون إلى الموصل من أجل النفـط ... وإنّما للحيلولة دون تغلغل النظام السوفيتي جنوباً ([ix]) .
    حاولـت بريطانيا التملص من اتفاقية سايكس ـ بيكو وطالبت بتعديلها ، ففي 20 حزيران 1918 صرّح بلفور وزير خارجية بريطانيا في مجلس العموم بأنّ الاتفاقات السرية التي عقـدت خلال الحرب ـ بموجب أوضاع معينة ـ تعتبر عقبة في طريق السلام،ولابد للحلفاء من أن يعالجوا ذلك([x]) . وكان التخلي عن الاتفاقية معناه صـد السيطرة البريطانية نحو الشمال لتضم ولاية الموصل . وبعد خروج روسـيا من الحرب أوضح مارك سايكس في أوائل تشرين الأول 1917 وجهة نظره بهذا الخصوص ، وهي أنّ الموصل يجب أن تدخل تحت السيطرة البريطانية ، كما أنّ لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني كان توّاقاً أيضاً إلى ضم الموصل بسبب ثروتها النفطية ([xi]) . وعليه تمَّ للانكليز ما أرادوا ووضعوا فرنسا أمنام الأمر الواقع ، كما سنرى .

    إنّ نظرة بسيطة إلى خارطة ولاية الموصل تظهر بوضوح أهميتها من الناحيتين العسكرية والجغرافية ، خاصةً في حفظ وتأمين الطريق البرية نحو الهنـد . فأراضي ولاية الموصل تأخـذ بالارتفاع كلّما تقدمنـا نحو الشمال والشرق ، وتكاد تكون محاطة بخمسة ( قدمات ) جبلية متوالية تبدأ بارتفاع يزيد على (200) متر وهو ارتفاع ولاية بغداد وتنتهي بارتفاع (2000) متر وهي الحدود التي تفصل ولاية الموصل عن ولاية وان والتي تمتد من الشرق إلى الغرب وتكون الجبهة المنيعة في المنطقة الشمالية من العراق ([xii]) وتقع بين هاتين ( القدمتين ) ثلاثة ( قدمات ) أخرى هي ( القدمة ) التي يبلغ معدل ارتفاعها(500) متر، وتبدأ من الحدود الفارسية في جنوب خانقين وتمتد نحو الشمال الغربي وتتصل بجبال سنجار التي يتراوح ارتفاعها بين (1000) و (1500) متر، وتشمل هذه ( القدمة ) جبل حمرين الذي يبدأ من حدود فارس ويمتد نحو الشمال الغربي وينتهي في ضفة دجلة اليسرى بالقرب من" الفتحة" وهي المحـل الذي يخترق فيه نهر دجلة جبلـي حمرين ومكحول . ثم يأتي جبل مكحول الذي يبدأ من غربي دجلة ويمتد نحو الشمال الغربي . أما
( القدمة ) الثانية فيبلغ ارتفاعها (1000) متر وتمتـد بموازاة القدمة الأولى من حدود بلاد فـارس إلى شرقي مدينة الموصل وتتصل بهـا جبال سنجار التي تبتدئ من ضفة دجلة اليمنى في جنوب الموصل وانتهي في شمالي نهر الخابور . أما ( القدمة ) الثالثة فيبلغ ارتفاعها (1500) متر وتبدأ من حدود بلاد فـارس جنوب مدينة السـليمانية وتمتد على موازاة ( القدمات ) الأولى وتنتهي بالقرب من قرية فيشخابور غربي زاخو،وتكاد ولاية الموصل تسيطر بموقعهـا الجغرافي المنقطع النظير على هـذه الجبال مما يجعل لهـا أهمية عسكرية خطيرة
([xiii]) .

    هذا ويمكن تمييز ثلاثة مناطق في ولاية الموصل تمثل المراكز الدفاعية عن الأجـزاء الأخرى من العراق كـلٌّ من مناطق ما بين الزابين أولاً ، والعمادية ـ زاخو ثانياً ، والسليمانية ثالثاً .

    تشـتمل المنطقة الأولى على مدن راونـدوز واربيل وكويسنجق ورانية وآلتون كوبري ونواحيها والتي يطلق بعض العسكريين أسـم منطقة ما بين الزابيـن لكونها محصورة بين الـزاب الكبير والـزاب الصغير من جهة ، والحدود التي تفصل ولاية الموصل عن ولاية وان من جهة أخرى . وتعتبر من أهم المناطق الجبلية الوعـرة حيث تقطعها بضعة سلاسـل جبلية أمثال جبال راوندوز وجبل سيفين وجبل شقلاوة وجبل قنديل ، وتغطي الثلوج قسم منن هذه الجبال معظم أيام السنة فتصبح سدّاً منيعاً أمام أي هجوم ([xiv]) .
    أما المنطقة الثانية فهي الواقعة بين العمادية وزاخو ، وتعتبـر من أعظم المناطق الستراتيجية وذلك لإمكان قيام أي جيش ينوي الهجـوم على ولاية الموصل بالتقـدم فوق الخطـوط التي تقع بين هاتين المنطقتين . وإذا ما تمَّ للمهاجم الاستيلاء على مواقع عقرة ودهـوك ومضيق زاخو فإنه يصبح بعد ذلك على مشـارف اربيل والموصل وبالتالي يهـدد الأجزاء الأخـرى من العراق. وعليه فإنّ هذه المنطقة التي تفصل بين ولايتي وان والموصل تكون حدوداً طبيعية تبعد عن بغداد (500) كيلو متراً ([xv]) . إنّ المنطقة الثالثة هي منطقة السليمانية الواقعة بين الـزاب الصغير وديالـى والتي يسميها بعض العسكريين بـ ( منطقة السليمانية )، وتضم لواءي كركوك والسليمانية وتقابل مقاطعة اردلان الفارسية التي تحتوي على مدن: سنه ، بانه ، ساقز ، وأهمية هذه المنطقة تكمن في أنها منطقة دفاعية يمتد وراءها لواء كركوك الذي هو بمثابة عقدة الاتصال بين لواءي الموصل وديالى وبين بغداد ، فإذا ما حاول أي مهاجـم دخول منطقة السليمانية فإنه يهـدد كركوك ، وبالتالي يستطيع اختراق العراق من وسـطه فيفصل عند ذلك اربيل والموصـل عن الأجزاء الوسطى والجنوبية من العراق . ولعلّ السـبب في ذلك يرجـع إلى ارتباط مدينة السليمانية ببلاد فارس بعدة طرق منها: الطريق التي تربط بين كركوك وساقز وتمر عبر جمجمال وجوارته . وطريق قره تبـه ـ سنه والتي تمر آلتون كفري ـ ابراهيم خانجي وبنجويـن . وطريق كركوك ـ قره هنجير ـ طاسلوجه ـ السليمانية . ومعظم هذه الطرق يصعب اجتيازها ([xvi]) .

      حقّاً لقد تمتعت ولاية الموصل بموقع ستراتيجي فذ ، إذ أنّ التقاء طرق المواصلات فيها من جهات فارس شرقاً ومن حرير والاسكندرونة غرباً ومن سيواس وارضروم وبتليس شمالاً جعلها من أهـم المواقع خطورةً للمحافظة على طريق الهند البري الذي يجتاز منطقة التقاء هذه الطرق . بالإضافة إلى كونها سـدّاً منيعاً أمام الخطر الروسي في الشرق الأدنى الذي كان يهدد نفوذ بريطانيا في المنطقة ([xvii]) . وهذا وقد أجمل كاتب في ملحق لمجلة " لازي فرانسيز " أهمية الموصل الستراتيجية بقوله : " إنّ طريق الهند هو أيضاً طريق ينابيع نفط آسيا " ([xviii]) . كما وضّح تقرير رسـمي بريطاني نُشِرَ سنة 1948 النوايا البريطانية تلك بقوله : " إنّ المبدأ الأول الذي ضحّت بريطانيا من أجله أرواحاً كثيرة خلال حرب 1914 ـ 1918 هـو عدم فسح المجال لأية قـوة معادية تهدد مواصلاتها الأمبراطورية . هذا بالإضافة إلى أنّ لها مصالح اقتصادية أهمها : حقول النفط في كركوك ([xix]) .

      إنّ أهمية الموصل العسكرية والجغرافية تتوضح لنا بصورة خاصة بعد الوقوف على ما كتبتـه الصحف البريطانية والفرنسـية أثناء مطالبة تركيا بالموصل ، حيث كتبت جريدة يوركشاير بوست تقول :

(( إنه قد حدثـت تغييرات كثيرة ومهمة بسـبب الحرب العالمية الأولى في منطقة الشرق الأوسط والتي لها أهمية خاصة في نظر بريطانيا العظمى . فقبل الحرب كان الدفـاع العسكري عن الهند مسألة بسيطة يتفق عليها أكثر الخبراء العسكريين ، لأنّ الطبيعة أمدت الهند بأقوى حـدود طبيعية في العالم يمكـن أن تدافع عنها القوات العسكرية المجهزة بجميع الأسلحة الحديثة بسهولة تامة ، ولكن الحرب العالمية الأولى غيّرت وضعيتنا العسكرية في الشرق ووسـعت احتلالنا العسـكري ومسؤولياتنا في الأراضي القديمة التي تنتهي إلى الموصل )) .

ثم واصلت الجريدة قولها :

(( إنّ قطعة الأرض الطويلة والضيّقة المحصورة بين دجلة والفرات معرّضة للهجوم من ثلاثة جوانب وخصوصاً من جهة الشمال الذي يحتمل الهجوم منها غالباً وهنا تقع الموصل التي هي تشـابه من الوجهة الجغرافية والطبيعية جبـال هملايا في الهند . والعراقيل الناتجة من شمالي الهند ليست عظيمة كما هي في ولاية الموصل وخاصةً فيما إذا استعملت كمركز للهجوم على الأودية الكائنـة بين الرافديـن ... وبالتـالي فإنّ ذلك يُعرض امبراطوريتنا في الهند إلى الأخطار ... )) ([xx]) .

     وقد أدرك هذه الضرورة غدد منن الساسة البريطانيين الذين عملوا في وزارة المستر سويث منذ سـنة 1915 إذ نبّهوا الأذهان إلى وجوب الزحف على الموصـل ([xxi]) . أما مجلة " ذي أنكلش رفيو "  فقد كتبت تقول انّ البريطانيين لا يستطيعون الاحتفـاظ بمصالحهم الخطيرة فـي رأس الخليج العربي بـدون الموصل ([xxii]) . وكتب كنت وليامـز مقالاً في إحدى المجلات البريطانية قال فيه أنّ أهمية الموصل في جوهرها استعمارية ، وأما الأمور الأخرى فثانوية . وأضاف : أنّ الموصل مرحلـة من مراحل تكوين دول الحدود على طريق الهند ، لأنها مفتاح سياسـة بريطانيا في الشرق الأوسط جميعها ([xxiii]) . وقد اقتبست جريدة الموصل من مجلة " لازي فرانسيز " مقالة أوضحت أهمية الموصل فيما يلبي فقرات منها :

كانت ولاية الموصل خلال الحرب العالمية الأولى مطمح أنظار القادة العسكريون من الانكليز والروس والأتراك على السواء ، وذلك لأنّ الخطر العسكري الذي يمكن أن يهدد القسم الجنوبي من العراق لابد وأن يأتي من جبالها التي تمتد على شكل نصف دائرة من شمال وشرق سهول ولاية الموصل . كما أنّ انفصال الولاية عن الشعوب القفقاسية والطورانية بسلاسل جبلية واتصالها مع إيران وكردستان بممرين جبليين مهمين هما مضيق كولور في طريق وان ـ تبريز ، وممر زاكروس على طريق همدان ـ بغداد أعطى لها تلك القيمة الستراتيجية ، لا سيّما وأنّ الطرق الباقية في هذه الجبال المرتفعة وعرة جداً ومن الصعوبة اجتيازها وأنّ ذلك لا يمكن أن يحدث بدون استخدام ممر راوندوز ـ اوشنو )) ([xxiv]) .

     ومهما يكن من أمر ، فإنّ الأهمية الستراتيجية هي مـن جملة العوامل المهمة التي جعلت الزحف البريطاني نحو الموصل أمراً ضرورياً . وإذا كان الرأي القائل بأنّ احتلال الانكليز للموصل لم يكن من أجل النفـط وإنما كان لأهميتهـا الستراتيجية ([xxv]) . عرضةً للمناقشـة فإنّ ( هانزكون ) كان أكثر اقتراباً من الحقيقة في تفسيره احتلال الانكليز لولاية الموصل إذ كتب يقول :

(( أنه لدى الانكليـز اعتقاد استمر قائمـاً بعض الوقت في أنّ احتلال القسم الجنوبي من العراق كافٍ لتحقيق أغراضهم،إلاّ أنهم عندما عندما تبينوا أهمية مصادر النفط في القسم الشمالي منه ، وكذلك الأهميـة الستراتيجية التي للجبال هناك في الدفاع عن القسم الجنوبي تولد في نفوسهم الإغراء باحتلاله أيضاً )) ([xxvi]) .

      وبوجه الإجمال فقـد اهتمت بريطانيا بولاية الموصل ، على حد تعبير أحد الكتّاب لأمرين اثنين هما النفط والأمبراطورية ([xxvii]) .




* من :ابراهيم خلي العلاف ، ولاية الموصل 1908-1922 دراسة في تطزراتها السياسية ، رسالة ماجستير غير منشورة قدمت الى كلية الاداب ،جامعة بغداد 1975 وقد حذفنا الهوامش لمقتضبات الامن البحثي 

حقائق جغرافية في موقع الموصل وأهميته



حقائق جغرافية في موقع الموصل وأهميته
قلة من الناس من يعرف اهمية موقع الموصل من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية ، فمدينة الموصل تقع في الجزء الشمالي من العراق وضمن المنطقة الانتقالية بين المنطقتين الجبلية في الشمال والرسوبية في الجنوب . وهذه المنطقة تتمتع بميزات طبيعية قلما نجدها في اماكن اخرى .
ومن الحقائق الجغرافية عن الموصل 1.انها مدينة نهرية تقع على نهر دجلة وبعبارة اخرى على ضفتي دجلة اليمنى واليسرى .2. انها مدينة مطرية تقع بين خطي مطر 200-600 ملم 3. انها لاجل ذلك مدينة زراعية ومدينة تجارية ومدينة صناعية تصدر وتستورد 4.انها قريبة من الحدود العراقية-التركية والعراقية -السورية 5.انها مرتبطة بالدول المجاورة وبمدن العراق بطرق مواصلات وخط للسكك الحديد وخط جوي 6.انها تقع في خطوط العرض المعتدلة في العالم وتتأثر بمناخ البحر الابيض المتوسط .7.انها تعد من افضل جهات العالم ملائمة للاستقرار البشري لهذه العوامل ولغيرها كثيرا ما استهدفت الموصل عبر التاريخ بعصوره القديمة والوسيطة والحديثة ................ابراهيم العلاف
* ا.د. هاشم خضير الجنابي ،التركيب الداخلي لمدينة الموصل القديمة :دراسة في جغرافية المدن ، دار ابن الاثير للطباعة والنشر ، جامعة الموصل 1982

مشروع (حلم الموصل 2027)


مشروع (حلم الموصل 2027)
يتصل بي طلبة دراسات عليا في حقل العمارة والتخطيط العمراني شبابا وشابات يدرسون داخل العراق وخارجه اطروحاتهم تدور حول (الموصل ) وحصرا مدينة الموصل والموصل القديمة ويسألونني عن الصورة التي ينبغي ان تكون عليها مدينة الموصل بعد عشر سنوات او اقل او اكثر بعدما لحق بها من دمار واذكرهم دوما بدراسة الفريق الفرنسي قبل سنوات عن تطوير المدينة القديمة والدراسة موجودة وامس سألتني طالبة تدرس في اميركا وبطلب من مشرفتها عن وجهة نظري في رأيين حول اعادة المدن القديمة رأي كاميلو سيتي Camillo Sitte الذي يدعو الى الحفاظ قدر الامكان على النسيج القديم ومحاولة انقاذ ما يمكن انقاذه من عمارتها خاصة اذا كانت ذا قيمة تاريخية وحضارية مميزة. ورأي لي كوربوزيه Le Corbusier )الذي يدعو الى ازالة النسيج القديم ككل واعادة تصميم المنطقة من جديد. واجبت ان وجهة نظري هي مع لي كوربوزيه الذي يذهب الى ازالة النسيج القديم مع الحفاظ ببعض النماذج كزقاق قديم او بناية قديمة وازالة الباقي وتخطيط المدينة من جديد وهذا علاج جذري اراه مناسبا لانسيابية التنقل وما شاكل مع التأكيد على ان هناك مناطق مهمة في الموصل هي الموصل الاصلية وهي منطقة اقليعات فهذه المنطقة مرتفعة جدا ويصعب فتح شوارع فيها او ما شاكل ستبقي هي تمثل الموصل القديمة .
احد الاخوان وهو الاستاذ عمر الدباغ طلب مني تبني ما اسماه مشروع (حلم الموصل ) وحدد هو فترة اضفت انا اليها سنوات لتمتد الى عشر سنوات .نعم ايها المهندسون وخاصة المعماريون وايها الاثاريون ما هي رؤيتكم للموصل بعد عشر سنوات مثلا واي مشروع يبدأ برؤية وينتهي بحقيقة .الامر لايقتصر على المعماريين والاثاريين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والاقتصاد بل لابد ان يشارك الجميع فقط انا ادعوكم الى ان تقدموا ما لديكم لنضع ما نقدمه اما اصحاب القرار .الدعوة مفتوحة ................ا.د. ابراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل 17-8-2017
*الخارطة من كتاب :التركيب الداخلي لمدينة الموصل القديمة ..دراسة في جغرافية المدن ، للدكتور هاشم خضير الجناب ، جامعة الموصل ،1982.

الأربعاء، 16 أغسطس، 2017

سكة حديد بغداد –برلين واثرها في احتلال الموصل * ا.د. ابراهيم خليل العلاف

سكة حديد بغداد –برلين واثرها في احتلال الموصل *
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل

          هذا وقد يقـود ازدياد اهتمام الانكليز بالأهمية الستراتيجية لولاية الموصل خاصةً والعراق عامـةً إلى مشروع سـكة حديد بغداد الذي منحه السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1899 للألمان كجزء من خطة التعاون بين البلدين .

    لقد أثار التعاون بين عبد الحميد الثاني ووليم الثاني حفيظة كلٌ من روسيا وفرنسا وانكلترا معتبرةً إياهُ حدثاً دولياً خطيراً .

    حقّاً لم يكن التعاون بين السلطان عبد الحميد والقيصر وليم الثاني تعاوناً اعتباطياً عاطفياً كما يصوره أعداؤهما ، بل إنه نتيجةً لظروف وتطورات كلٌ من البلدين. ولزيارة القيصر الألماني للأستانة مرتين الأولى في سنة 1889، والثانية في سنة 1898 أثر كبير في تدعيم سياسة " الاندفاع نحـو الشرق " أو كما يعبر عنه " بالتغلغل السلمي في الدولة العثمانية " . وقـد أصبح وليم الثاني رمـزاً للصداقة الألمانية ـ العثمانية . ولعبت عوامل عديـدة في هذا التقـارب الألماني ـ العثماني منها أنّ السـلطان رأى في الأمبراطورية الألمانيـة الوحيدة من بين الـدول الكبرى التي ليست لها أطماع توسعية في بلاده ، هـذا بالإضافة إلى خطته الرامية إلى إنهـاض شعوب أمبراطوريته أقتصادياً وعسـكرياً للوقوف أمام التحديـات الاستعمارية لكـل من روسيا وانكلترا وفرنسا والنمسا والمحافظة على ما تبقى من وحـدة الأمبراطورية العثمانيـة . وقد رأى عبد الحميـد أنّ خير من يسـنده في أهدافه الداخلية ودبلوماسـيته الخارجية هـو وليم الثاني المنافـس الأكبر للدول التقليدية الاستعمارية على حساب الممتلكات البلقانية العثمانية. هذا مع العلم بأنّ المانيا قـد أصبحت منذ سـنة 1871 أمبراطورية عُظمى ترهـب أوربا عسكرياً وتخيفها اقتصادياً لما لثورتها الصناعية من قوة وفاعلية ، وأنها أخذت تتطلع إلى مجالات عالمية لاسـتثمار رؤوس أموالها وإيجـاد ألأسواق جديدة . فى عجب أن التقت مصالح كلٌ من عبد الحميد ووليم الثاني في ضرورة التعاون خاصةً في المضمارين الاقتصادي والعسكري . ذلك التعاون الذي نعته أعداء الألمان بالاستعمار المبطـن وصبوا من أجله جام غضبهم على عبد الحميد فراحوا يشوهون سمعته بمختلف الطرق ويدسون له الدسائس .

    لقد كان من التعاون الألماني ـ العثماني في المجـالات الاقتصادية بناء السكك الحديد ، ولعلّ من أخطرها شأناً سكة حديد بغداد الذي جاء ثمرة من ثمرات زيارة وليم الثانية 1899 للسـلطان ، إذ أعلنت الحكومة العثمانية في 27 تشرين الثاني سنة 1899 رسـمياً امتياز السـكة من قونية حتى خليج البصرة . وتمَّ الاتفاق ([i]) على تفصيلات المشروع في 5 آذار سنة 1903 والتي لا نرى حاجة للتطرق إليها خشية الابتعاد عن جوهر البحث .

       أثار امتياز سكة حديد بغداد اهتمام بريطانيا وروسيا بصورة خاصة ، ونظرت إليه كلٌ منهما على أنه تهديد لمصالحها في الدولة العثمانية .

    أما بالنسبة لروسـيا فقد بدأت معارضتها مبكرة أي منذ سنة 1899 ، إذ شجبت صحف موسكو وبتروكراد بعنف المشروع معلنة بأنه يهدد المصالح الاقتصادية الحيوية لروسيا ([ii]) . وقد أتخذت المعارضة الروسـية وجهين ، أحدهما اقتصادي والآخر ستراتيجي . فبالنسبة للأول رأت روسيا في السكة وخاصةً القسـم الذي يمر عبـر بلاد ما بين النهرين خطـراً على التجارة الروسية في أسواق فارس وأفغانستان فيما بعد، إذ أنّ ذلك سوف يفتح أسواق هذه المناطق للمنافسة الألمانية . كما أنّ مدّ السكة سـوف يعمل على تغلغل الرأسمال الألماني في تطوير إمكانات بلاد ما بين النهرين الزراعية والنفطية  ولا يخفى ما في ذلك من خطر على منتوج روسيا من الحبوب والنفط . أما بالنسـبة إلى الناحية الثانية ، فقد وجدت روسـيا في السكة تهديـداً مباشراً لطموحاتها في الشـرق الأدنى ورأت أنّ إكمال الخط سـوف يُمَكِّنْ الحكومة العثمانية من تحريك جيوشها بسرعة على طول جبهة أرمينيا . لهذا فقد أخبر زينوفيبف الوزير المفوض الروسي في الأسـتانة الباب العالـي بأنّ اقتراح مدّ السكة من أنقرة إلى الموصل وبغداد عن طريق أرمينيا يشكّل خطراً ستراتيجياً على حدودها في القفقاس وفي مثل هذه الحالة سوف لا تسمح الحكومة الروسية بذلك . وإزاء تهديد روسيا اضطرت الحكومة العثمانية إلى اختيار قونية . ومهما يكن من أمر فقد كانت الحكومة الروسية والصحافة الروسية مدركة تماماًَ لتهديد سكة حديد بغداد للمصالح الأمبريالية الروسية في الشرق الأدنى ([iii]) .
     أما بالنسبة لبريطانيا فقد اعتبرته تهديداً ستراتيجياً لمصالحها الشرقية ، إذ عبّر عن ذلك اللورد فتز موريس سنة 1903 في مجلس العموم بقوله :

(( إنّ جعل المجلس يبدي اهتماماً ملحوظاً بالقضية هو الشعور بأنّ مستقبل للسكة قد يكون مرتبطاً بمستقبل السيطرة السياسية على مناطق واسعة من آسيا الصغرى وعلى بلاد ما بين النهرين والخليج )) ([iv]) .


      لهذا أتخذت بريطانيا التدابير التي تساعدها على ضمان هـذه المصالح فسارعت إلى بسـط سيطرتها على الكويت فعقـدت اتفاقية مع الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت سنة1899بقصد رفع يد العثمانيين عنها وإيقاف التغلغل الألماني في المنطقة ([v]) . وقد قابـل الألمان ذلك بتعزيز صداقتهم مع الدولة العثمانية والسير قُدُماً في مشروع إنشاء السكة الحديد ([vi]) .

     لقد شهدت الفترة ما بين سنتي 1900 و 1914 صرعاً عنيفاً بين المصالح البريطانية والألمانية . وقد أصبح العراق مسرحاً لذلك الصراع فمن جهة الألمان ليحلوا محل الـروس كقوة تهديد للنفـوذ البريطاني ومن جهة أخرى أخذ الأتراك ينظرون إلى النوايا البريطانية في الأمبراطورية العثمانية نظرة ملؤها الشك والريبة ([vii]) .

     لقد عمل الألمان على تطوير مصالحهم في العراق ، ففي 1894 قاموا بتعيين قنصل لهم في بغداد ، كما تأسست قنصلية ألمانية في الموصل سنة 1905 وفي بغداد سنة 1908 . وزارت العراق منذ 1887 بعثـات أثريـة المانية ([viii]) ، وفي 1912 وصلـت بعثة أثرية ألمانيـة منطقة الشرقاط في الموصل ([ix]) . وقد توغل الألمان في شمالي العراق وتجـول كثير منهم في المناطق الكردية واتصلوا بعدد من رؤساء العشـائر الكردية ، وكان الألمان يرمون من وراء ذلك ليس فقط إقامة الصلات السـياسية بل وإيجاد أسواق اقتصادية أيضاً . وقد توسـع اهتمام الألمان بولاية الموصـل خلال الحرب العالمية الأولى وذلك لأنّ حدودها الشمالية كانت إحـدى جبهات القتال ضد روسيا . وأتخذ الأتراك والألمـان من هذه المنطقة كذلك مركزاً لنشر دعوة الجهاد في كردستان الإيرانية لإبعاد المسلمين فيها عن التعاطف مع روسيا ، وقد أثمرت بعض مساعيهم بهذا الشأن إذ اسـتطاعوا حشد عدد من العشائر الكردية لقطع الارتباط بين الجيشين الروسي والبريطاني في العراق ([x]) .

   بدأ الألمان تنفيذ مشروع سكة حديد بغداد . وفي 1909 أعلن رئيس البنك الدولي الألماني فون كوثمر عن إنجاز (946) كيلو متراً من أصل (2893) كيلـوا متراً وهي المسافة بين الأسـتانة والبصرة ، وإنّ (840) كيلو متراً والتي تمر عبر جبال طوروس وأمانوس على وشك الإنجاز وأنه لم يبقَ غير (1100) كيلو متراً . عندئذٍ شـعرت بريطانيا أنّ مصالحها في بلاد ما بين النهرين باتت مهددة خاصةً بعد أن شَرَع الألمـان في إنجاز القسم الممتد من بغداد إلى سامراء ([xi]) .

      اضطرّ الألمان نظـراً لضخامة المشروع ولصعوبـات مالية وفنية ولاعتبارات سياسـية والاقتصادية إلى الدخـول في مفاوضات مع الانكليز للتفاهـم حول المشروع . ومع هـذا فإنّ المفاوضات أظهرت عزم بريطانيا
( أولاً ) على أن تحتفظ لنفسها بالأرجحية في بلاد ما بين النهرين، و( ثانياً ) على إيقاف امتداد السكة عند مدينة البصرة . وعلى هذا تمَّ الاتفاق مبدئياً بين الطرفين في 15حزيران1914 فكان ذلك دليلاً على ما تتمتع به بريطانيا من نفـوذ ([xii]) فقد اعترف الألمان بمبدأ السـيادة البريطانية على الخليج والقسم الجنوبي من العراق ، ومن جهة أخرى لاعترف الانكليز بالمصالح الألمانية الخاصة في هضبة الأناضول وفي الأقسام الشمالية من سوريا والعراق . ولم يكن هذا الاعتراف عن قناعة وزهد في هذه المناطق ، وإنما يرجع ذلك إلى أنّ بريطانيا كانت تدرك ـ على حد قول أحد الباحثين ـ بأنّ لفرنسا أطماعاً في سـوريا وفي الجـزء الشمالي من العراق . كما أنّ لروسـيا أطماع في الأناضول ولابـد أن يصطدم النفوذ الألماني بهـذه الأطماع عندئـذٍ يتدخل الانكليز لتصفية المصالح الألمانية التي تضمنتها الاتفاقية المشار إليها ([xiii]) .

    لم تُنفـذ الاتفاقية المذكورة بسـبب نشوب الحرب العالميـة الأولى حين سارعت بريطانيا ـ كما هو معروف ـ لإرسال حملة عسكرية كانت تعدها منذ بضع سنوات لاحتلال الفـاو . ولا غـرو في أن يكون من أهداف تلك الحملة إحباط مشروع سكة حديد بغداد الذي كان الألمـان يسرعون بإنشائه تسهيلاً للتعبئة العامة في هذه الجبهة ([xiv]) . ويبدو من هذه الفكـرة كانت في مخيلة الانكليز عند احتلالهم ولاية الموصل وإلى شيء من هذا القبيل أشارت ـ فيما بعد ـ جريدة يوركشاير بوست سنة 1924 قائلة :

(( وهناك مسألة أخرى وهي سكة الحديد ، فإنّ هذا المشروع العظيم كان في النية أن ... يصل أوربا بالشرق الأقصى ، وإنّ النتائج الناجمة من هذا المشروع واضحة وترافقها نتائج سياسية وعسكرية... فإنّ سكة الحديد من البوسفور إلى نصيبين التي هي على بعد قليل من الموصل تمر من أراضي تركية وتكون واسطة كبرى لحشد القوات العسكرية )) ([xv]) .


      ويؤكد ذلك ما جاء في تعليمـات رئاسة هيئـة الأركان البريطانية إلى الجنرال مارشـال قفي 22 تشرين الثاني 1917 نمتن أنّ " أهم ما سيقوم به ( العدو ) في سنة 1918 هو تمديد السكة الحديد إلى الموصل . ومن المهم جداً أن تبذلـوا جهدكم للحصـول على جميع المعلومـات التي تتعلـق بهذا الموضوع ([xvi]) .

    وهكذا شاءت الأوضاع الناجمة عن الحرب أن يقـوم الانكليز بإكمال مد سكة حديد بغداد ، فقاموا بين سنتي 1916 و 1919 بوصل بغداد بتكريت ، ثم أتجهوةا بالخط نحو الشمال إلى بيجي ، ثم إلى الشـرقاط التي لا تبعد عن مدينة الموصل بأكثر من (130) كيلوا متراً ([xvii]) .
* ابراهيم خليل العلاف ، ولاية الموصل 1908-1922 دراسة في تطوراتها السياسية ، رسالة ماجستير غير منشورة قدمت الى مجلس كلية الاداب –جامعة بغداد 1975 .ص ص  231-237*\
**حذفت عناوين المصادر للضرورة الامنية العلمية