الأربعاء، 27 يناير، 2010

صبحي عبد الحميد 1924-2010 والتوجه الناصري في العراق




صبحي عبد الحميد (1924-2010 ) والتوجه الناصري في العراق


أ.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل


تناقلت وكالات الأنباء يوم 14 كانون الثاني-يناير 2010، خبر رحيل الأستاذ صبحي عبد الحميد ،والذي لايختلف اثنان من العراقيين والعرب، على انه من الشخصيات البارزة التي كان لها دورها الفاعل على الساحة السياسية العراقية المعاصرة، خاصة بعد نجاح ثورة 14 تموز-يوليو 1958 وسقوط النظام الملكي، وانهيار حلف بغداد،والشروع بالتغييرات العظيمة في البنية التحتية والبنية الفوقية للمجتمع العراقي .
وليس من السهولة الحديث عن هذا الرجل، الذي تحتاج الكتابة عن سيرته إلى مجلدات ومجلدات ،ويمكن أن يتصدي في أحد الأيام بعض طلبة الدراسات التاريخية العليا لانجاز أطروحة دكتوراه عنه .
لقد كان صبحي عبد الحميد يمثل التيار القومي العربي الناصري ولسنين طويلة امتدت منذ انضمامه إلى تنظيم الضباط الأحرار في الخمسينات من القرن الماضي وحتى وفاته رحمه الله .كما كان من المؤمنين بوجود القومية الكردية وحقها في التمتع بحقوقها القومية والإدارية والثقافية ضمن العراق الموحد ،ولم يكن يفرق بين أبناء العراق على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية ويدعو إلى إفساح المجال للجميع لخدمة العراق والتفاني من اجله .وبالرغم من انقسام الحركة العربية الاشتراكية وظهور جناح يقوده صبحي عبد الحميد بأسم : "حزب الوحدة الاشتراكي " ،ألا أن كل أطراف الحركة أكدت ضرورة ايجاد تحالف بين الحركة التقدمية العربية والحركة التقدمية الكردية تضمن إقامة جمهورية عراقية ديمقراطية وكان رأي حزب الوحدة الاشتراكي الناصري تنفيذ أمرين مهمين أولهما تطبيق اللامركزية وتطبيق بيان 29 حزيران-يونيو الذي أعلنه رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز لحل القضية الكردية وكان الأستاذ صبحي عبد الحميد وراء هذه الأفكار التي تنهي الأوضاع الاستثنائية في شمال الوطن وبما يتيح سحب الجيش وحل الفرسان، وإنهاء حالة الحصار الاقتصادي، وإقامة مجلس تنفيذي ينبثق من مجلس تشريعي منتخب تكون له ميزانية خاصة وتشمل اختصاصاته الشؤون المحلية كالاعمار والتعليم والعدل والشؤون الاجتماعية والأمن الداخلي .
وقبل وفاته بفترة وجيزة، لم يكن الرجل جالسا في بيته، وإنما كان يقود حركة سياسية مهمة هي حركة التيار القومي العربي..كان هو أمينها العام، وكانت تصدر عنها جريدة راية العرب وهو رئيس مجلس إدارتها ..إذن هو لم يتوقف عن النضال بل واشتد نشاطه ضد الاحتلال الأميركي اثر إسقاط النظام السابق في 9 نيسان 2003 ..ومن هنا جاء القول بان ما من شخصية عسكرية عراقية حظيت بالاحترام والاهتمام، مثلما حظيت بها شخصية صبحي عبد الحميد .فالرجل له سمعة طيبة، وسجل ناصع ، وسيرة حسنة، وإيمان راسخ بالمبادئ ..نال محبة وتقدير أبناء جيله ومن بعدهم ..كان من المع، وأبرز ضباط الجيش العراقي ،والكل يعرف انه اختط لنفسه طريقا نضاليا صعبا فهو من المؤمنين بقدرة العراق والأمة العربية على النهوض والتقدم والتحرر ..وهو من يدعو إلى الحرية بكل أنواعها.. وهو من يرفض الاحتلال والتخلف.. وهو من يؤكد على حق الإنسان العربي في أن يرفع رأسه، ويفخر بتاريخه ،وارثه، ودوره الحضاري .وبعد احتلال العراق اخذ يؤكد هوية العراق العربية ويدعو الى الحفاظ على سيادة العراق ووحدة شعبه وبدون التفريق بين أبناء البلد الواحد مهما كانت الأسباب .ويقينا أن التاريخ سيحفظ لصبحي عبد الحميد انه أدى أدوارا بارزة في مسيرة العمل الوطني العراقي والقومي العربي والإنساني .ومن هنا فلقد كانت له صلات مع كل الإطراف السياسية العراقية والعربية.
ولد الأستاذ صبحي عبد الحميد سنة 1924 ببغداد، وأكمل دراسته فيها ودخل الكلية العسكرية وتخرج فيها سنة 1948 ،وكان والده ضابطا في الجيش، وساعده هذا فضلا عن الظروف التي أحاطت بضياع فلسطين في أن يدخل غمار السياسة الوطنية- شانه في ذلك -شان مجا يليه من العسكريين والمدنيين العراقيين .
دخل كلية الأركان العراقية ،وتخرج بتميز في حزيران-يونيو 1955. كما رشح لكلية الأركان البريطانية في كامبرلي، وتخرج فيها في تشرين الأول-أكتوبر 1957 .وبعد عودته إلى الوطن عين أستاذا في كلية الأركان في كانون الأول –ديسمبر 1957 .
انتمى إلى تنظيم الضباط الأحرار بعد أربع سنوات من تخرجه ضابطا ولم يكن أكثر من ملازم أول، وقد شغل في حينه منصب نائب مساعد في فوج الحرس الملكي الأول، وقد اختير ليكون عضوا فيما سمي بالحلقة البديلة في تنظيم الضباط الأحرار السري. وعندما نجحت الثورة التحق كضابط ركن في مقر الزعيم (العميد ) الركن عبد الكريم قاسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية .كان صبحي عبد الحميد يرى أن الثورة على النظام الملكي ضرورة حتمية ومطلبا شعبيا للتخلص من النفوذ البريطاني المتمثل بنشاطات السفارة البريطانية التي عادت بعد فشل ثورة مايس-مايو 1941 الموجه الحقيقي للحكام في العراق وقد حارب الانكليز الروح الوطنية والشعور القومي بشراسة كما أفسح المجال لملاكي الأرض للعبث بمقدرات الاقتصاد الوطني وكان الشعب يعاني من الجوع والفقر والمرض والجهل وكان الضباط الشباب يراقبون ذلك بمرارة ويتألمون لتخلف العراق عن ركب الدول المتقدمة وقد بلغ السخط مداه عندما ضيع الحكام العرب فلسطين قي سنة 1948 وأقيمت إسرائيل في اعز بقعة عربية هي فلسطين وكان العقيد رفعت الحاج سري أول من فكر في تنظيم الضباط الأحرار، وانضم الزعيم(العميد ) الركن عبد الكريم قاسم والضباط الآخرين إلى التنظيم ومنهم صبحي عبد الحميد وقامت الثورة لتقضي على كل سيئات الحكم الملكي ولتبني عراقا قويا مستقلا متحررا ينعم فيه أهله بالاستقرار والرخاء..عراقا يسعى من اجل تحقيق الوحدة العربية التي هي امل العرب ومطمح رجائهم ورمز كرامتهم ..الوحدة التي تمكنهم من فرض وجودهم وبناء قوتهم وتحدي الطامعين في أرضهم وثرواتهم .
واثر انفراد عبد الكريم قاسم بالثورة والحكم ،وقيام حركة الموصل بقيادة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف آمر اللواء الخامس وموقع الموصل ضد عبد الكريم قاسم اعتقل صبحي عبد الحميد وبعد أشهر قليلة أطلق سراحه وأعيد تعيينه أستاذا في كلية الأركان، وقد حز ذلك بنفسه خاصة بعد أن رأى أن الوضع في العراق بدأ يتجه اتجاها مغايرا لما استهدفته ثورة 14 تموز –يوليو 1958 فأقدم على إعادة التنظيم ،وتعاون معه عدد من الضباط القوميين والناصريين وكان أن سقط حكم عبد الكريم قاسم في الثامن من شباط –فبراير 1963 وقد عين صبحي عبد الحميد عندئذ مديرا للحركات العسكرية .
تطورت الأمور بعد 8 شباط 1963 ،واشتدت الصراعات السياسية بين من تولى السلطة .ويقول الأستاذ صبحي عبد الحميد أن اللواء احمد حسن البكر وكان رئيسا للوزراء، كلف الفريق طاهر يحيى رئيس أركان الجيش بوضع خطة لقلب نظام الحكم، وان طاهر يحيى كلف صبحي عبد الحميد مدير الحركات العسكرية في وزارة الدفاع بذلك فوضعت الخطة ونفذت وكان هذا بالاتفاق مع رئيس الجمهورية المشير الركن عبد السلام محمد عارف، لكن البكر انسحب قبل تنفيذ الخطة -كما قال الأستاذ صبحي عبد الحميد في إحدى المقابلات الصحفية - وحدثت حركة 18 تشرين الثاني –نوفمبر 1963 وانفرد عبد السلام عارف بقيادة الحركة وبعدها تسلم صبحي عبد الحميد وزارة الخارجية وفي وزارة الفريق طاهر يحيى الثالثة في 14 تشرين الثاني 1964 أصبح وزيرا للداخلية لكنه استقال من الوزارة في 30 حزيران-يونيو 1965 وذلك تضامنا مع عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والإرشاد الذي استقال احتجاجا على تدخل رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف في شؤون الإذاعة والإعلام ومما قاله الأستاذ صبحي عبد الحميد في كتاب استقالته : "لقد تردت أوضاع البلد في الفترة الأخيرة بشكل أصبح حتى اقرب الناس إلى الحكم وهم القوميون على اختلاف فئاتهم وأشخاصهم يتذمرون منتقدين تصرفات السلطة وضعف الحكم ...واخذ الحكم يجنح إلى الفردية ...وقد استهين بالوزراء ...ولقد فكرت مليا بالأمر فوجدت أن البلد يحترق ...وأصبح في اعتقادي أن الطريق إلى الوحدة بعيد المنال ...وأصبح وجودنا كوزراء وحدويين غير وارد ... وبناء على ماتقدم أرجو التوسط بقبول استقالتي من منصب وزير الداخلية ومن عضوية المجلس الوطني لقيادة الثورة . كما أرجو إحالتي على التقاعد من الجيش ... " . كما أشار في استقالته إلى أن هناك تكتلات في الجيش، وانعدام الثقة ،واعتماد على العناصر الانتهازية ،وتدخل في شؤون الوزارات .وتضامن مع الأستاذ عبد الكريم فرحان والأستاذ صبحي عبد الحميد وزراء آخرين قدموا استقالاتهم وهم أديب الجادر وزير الصناعة ،وعبد الستار علي الحسين وزير العدل ،وفؤاد ألركابي وزير الشؤون البلدية، وعزيز الحافظ وزير الاقتصاد .
اعتمد المشير الركن عبد السلام عارف رئيس الجمهورية على صبحي عبد الحميد في تشكيل تنظيم الاتحاد الاشتراكي في 14 تموز –يوليو 1964 كحزب وحيد في البلاد يعمل من اجل تحقيق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة وتحقيق تغيير في المجتمع العراقي باتجاه إقامة مجتمع اشتراكي يعتمد مبدأ العدل وتكافؤ الفرص بين المواطنين . وقد حلت أربعة تنظيمات سياسية نفسها وانضمت إلى الاتحاد وهي حركة القوميين العرب والحزب العربي الاشتراكي وحركة الوحدويين الاشتراكيين والوحدويون الاشتراكيون الديمقراطيون .وقد صار الأستاذ صبحي عبد الحميد عضوا في اللجنة التنفيذية للاتحاد وسرعان ما اكتشف عقم المحاولة، فابتعد عن الاتحاد الاشتراكي الذي انهار وأسس مع عدد من إخوانه(( الحركة العربية الاشتراكية)) وانتخب أمينا عاما لها.
شارك صبحي عبد الحميد في مباحثات الوحدة بين الجمهورية العربية المتحدة والعراق وسوريا، وكان له دور في انتخاب عبد الرحمن محمد عارف رئيسا للجمهورية بعد مقتل شقيقه عبد السلام في حادث طائرة يوم 13 نيسان –ابريل سنة1966 ،وهو من الذين شهدوا سقوط عبد الرحمن محمد عارف يوم 17 تموز 1968. وقد غادر العراق إلى القاهرة وظل هناك حتى سنة 1975 اذ عاد الى العراق ،وانشغل بالتأليف والكتابة وأنجز مذكراته التي صدرت بعنوان: ( مذكرات صبحي عبد الحميد :العراق في سنوات الستينات 1960-1968 )والتي نشرتها الدار العربية للموسوعات .كما نشر كتابه :(أسرار ثورة 14 تموز1958 في العراق :البداية –التنظيم-التنفيذ-الانحراف ).وله كذلك كتاب( معارك العرب الحاسمة) وكتاب( نظرات في الحرب الحديثة) وكتاب (معركتنا مع الصهيونية) ، وكتاب( تنظيمات الجيش العربي )الذي ألفه مع آخرين .هذا فضلا عن العشرات من الدراسات والمقالات والبحوث المنشورة في المجلات وأهمها ما هو منشور في المجلة العسكرية، ومجلة الركن .
بعد الاحتلال الأميركي للعراق في 9 نيسان-ابريل 2003 ،استحضر الأستاذ صبحي عبد الحميد كل معاني الشرف، والنخوة، والرجولة العراقية فأقدم على تشكيل( التيار القومي العربي) بهدف مقارعة الاحتلال، والتأكيد على هوية العراق العربية واستقلاله ووحدة شعبه وأراضيه، ولم يهدا لهذا الرجل بال ووضع بلده بهذا الحال. وقد أكد الكثيرون ممن أحبوه انه رفض مغادرة العراق حتى للعلاج وظل متشبثا بأرضه، متمسكا بثوابت العمل الوطني والقومي ،حتى فاضت روحه ،وشيع من منزله بحي اليرموك محاطا بأتباعه ومحبيه وبعدد من الرموز والشخصيات العراقية الذين يعرفون فضله ..رجلا أحب بلده العراق وأحب شعبه وأحب أمته واخلص لمبادئه في التحرر والوحدة والحرية والتقدم والاستقلال والرفاهية .رحمك الله يااستاذ صبحي عبد الحميد وجزاك خيرا على ماقدمت .

هناك تعليق واحد:

  1. ان الشموع تذوب وتنتهي ..مع الاسف تذوي هذه هي حالها عنما تنير دروب النضال دروب الكرامه ..و العقول المظلمه..عندما تعلم الناس كيف تكون مواقف الرجوله ولكنها وان ازف زمانها ورحلت يبقى عبق شذاها في ضمير الانسانيه ابدا, في القلوب لها غصه عند كل ذكرى وهل تنسى جبال العراق واهرام مصر؟! ..لن تنسى معجزات الزمن الذي كان احد اهم رموزه جمال عبد الناصر وصبحي عبد الحميد ...انهم لم يرحلوا ما دامت هناك قلوب تنبض بالحياة لهم فيها متسع ..تحياتي
    علي النقاش

    ردحذف