الأحد، 28 فبراير 2010

عبد الباسط يونس (1928-2000 ) والنهضة الصحفية المعاصرة في الموصل


عبد الباسط يونس (1928-2000 ) والنهضة الصحفية المعاصرة في الموصل


أ.د ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل




شهدت الموصل خلال الخمسينات من القرن الماضي ، نهضة صحفية واسعة النطاق ، تجاوزت حدود المدينة ، إلى مدن عراقية أخرى بما فيها العاصمة بغداد . فقد صدرت في الموصل ، على سبيل المثال ، في الفترة ما بين 1950 إلى 1959 ، قرابة (30) جريدة والذي كان له دور كبير في هذه النهضة الصحفية من خلال إصداره أكثر من خمسين صحف ،هذا فضلاً عن إشرافه أو إسهامه في الصحف الأخرى . وكانت الصحف التي أصدرها أقرب إلى الندوات الفكرية المفتوحة التي ضمّت عدداً كبيراً من كتّاب وأدباء الموصل آنذاك،ومن خلالها برزت أقلام العديد من الشعراء والأدباء والكتّاب الذين قاموا ، فيما بعد ، بدور مهم في تاريخ الحركة الثقافية في الموصل .


ولد عبد الباسط يونس رجب في محلة باب لكش بمدينة الموصل سنة 1928 . وقد تلقى دراسته الأولى في كُتّاب شعبي يديره ( الملا علي ) والذي عُرف بشدته وصلاحه وتقواه حتى أنه ترك في نفوس تلاميذه أثراً لا يُنسى .ثم انتقل إلى المدرسة العراقية الابتدائية وخلال دراسته في المدرسة الابتدائية تفتح ذهنه على الأحداث السياسية التي كان يمر بها العراق والأمة العربية آنذاك وخاصةً أحداث ثورة 1936 في فلسطين وانقلاب بكر صدقي في العراق ومقتل الملك غازي سنة 1939 . وكان والده ، الضابط الموصلي الذي عاد مع رفاقه الضباط العرب الملتحقين بالثورة العربية في العراق ،أثر كبير في تنمية وعيه .


وفي سنة 1941 أنهى دراسته الابتدائية في بغداد بعد أن انتقل إليها مع والده ، وفي متوسطة الأعظمية، كان يتابع أحداث ثورة مايس 1941 وأخبار الحرب العالمية الثانية . وفي تلك المرحلة ، والتي تلتها برزت مجلتا الرسالة والثقافة الأسبوعيتان،وكانت مجلة الهلال المصرية تصل إلى العراق بانتظام، وهي تحمل على صفحاتها ما كان يكتبه رواد الثقافة العربية الأوائل من مقالات تاريخية وفلسفية وفكرية وسياسية .. وقد تركت تلك المجلات أثرها لدى عبد الباسط ، حتى أنه أرسل مقالة إلى مجلة الرسالة المصرية لصاحبها أحمد حسن الزيات ، وذلك عندما كان طالباً في الصف الثاني المتوسط ، وكانت دهشته كبيرة حين وجد مقالته وقد نشرت في المجلة المذكورة .
عاد إلى الموصل ، سنة 1945 حين أحيل على التقاعد ، وأكمل دراسته في المتوسطة الشرقية ، ثم انتقل إلى الإعدادية المركزية ، وكانت الإعدادية الوحيدة في الموصل آنذاك ، وتشغل بناية المدرسة الخضرية ( الإعدادية الشرقية حالياً ) ، وفي هذه المدرسة أسهم في إصدار نشرة " الإلهام " ، كما أخذ يكتب مقالات في الصحف الموصلية بأسماء مستعارة منها : ( صفوت ) و ( أبي الدرداء ) و ( الشعبي ) و ( عبد المتعال البدراني ) . كما نشرت له صحافة بغداد بعض المقالات باسمه تارة ، وأسماء مستعارة تارة أخرى . ومن الصحف التي نشر فيها جريدة السجل ( البغدادية ) وجريدة الجامعة الموصلية ومجلة الجزيرة الموصلية .


وخلال هذه الحقبة من حياته ، اتجه إلى تركيز قراءاته في أمهات الكتب والمصادر ودواوين الشعر حتى أنه بات يمتلك مكتبة تعد من اضخم المكتبات الخاصة في الموصل.


وعندما انفجرت وثبة كانون الثاني 1948 ضد معاهدة بورتسموث ، واندلعت التظاهرات الشعبية ضدها في المدن العراقية،ومنها الموصل ، أسهم عبد الباسط يونس فيها .. وكمان معروفاً بقدرته الخطابية . وكان من نتائج ذلك أن عُوقب بالاخراج الموقت من المدرسية . وجاءت أحداث فلسطين سنة 1948 ليقود اعتصاماً طلابياً في الاعدادية النمركزية ، وكان آنذاك طالباُ في الصف الخامس ، الفرع الأدبي ، وقد حَمَلَتْهُ السلطة مسؤولية الإضراب عن الطعام الذي سرعان كا انتشرت أخباره في المدينة ، وفي اليوم الثاني اتسع الاضراب حتى شمل طلاب بقية المدارس . وعبثاً حاول المسؤولون إيقاف الاضراب الذي استمر أربعة أيام ، ثم رفع تلقائياً من قبل الطلاب أثر اعلان الحكومة إرسال الجيش إلى فلسطين . ومع اعلان الأحكام العرفية وانصراف الطلاب إلى دروسهم وامتحاناتهم ، أُستدعي عبد الباسط يونس أمام مجلس المدرسين ، وصدر قرار بفصله من المدرسة وحرمانه من المشاركة في الامتحان النهائي.ثم ابعد إلى بغداد ووضع تحت المراقبة لمدة تتجاوز السنة ، سمح له بعدها بالعودة إلى الموصل .


بدأت فكرة التوجه نحو العمل الصحفي عند عبد الباسط يونس ، سنة 1950 ، وكانت تجربته مع جريدة " الفجر " الأدبية التي صدرت في الموصل في 7 كانون الثاني 1950 ، ومما جاء في ترويستها أنها : جريدة أدبية علمية اسبوعية ، صاحبها سليم نعمان العطار ، ومديرها المسؤول المحامي شاكر العناز. وقد تولى عبد الباسط يونـس مسؤولية الاشراف على تحريرها. وفي عددها (39) كتاب مقالاً بعنوان " أدباء للبيع " أثار في حينه جدلاُ كبيراً في أوساط الأدباء والمثقفين الموصليين . وفي هذا المقال هاجم عبد الباسط يونس " أدعياء الأدب " الذين أفسدوا أذواق قرائهم . وقد امتازت جريدة الفجر بتأكيدها على أهمية " بعث حركة ثقافية تليق بمكانة الموصل " وكان من أبرز من أسهم فيها: أكرم فاضل،وحسين علي ، ومحمد عزة العبيدي ، وعبد الوهاب البياتي ، وشاذل طاقة ، وفاضل الطائي ، وذو النون الشهاب ، وفخري الدباغ ، ومحمود مفتي الشافعية ، وعبد الرزاق
عبد الواحد .


ومع صدور مجلة " المثـال " في 6 حزيـران 1951 بدأت المسيرة الصحفية الحقيقية لعبد الباسط يونس وكانت جريدة يومية سياسية ، مديرها المسؤول شاكر العناز المحامي ( ). وقد عرفت " المثال " بمواقفها القومية، ودعوتها إلى الحريـة والوحدة كما اهتمت بالمـرأة ولم تهمل وضع الفلاح وصدر عنهـا (87) عدداً للفترة ما بين 6 حزيران 1951 ، 8 تموز
1954.


وتعد الافتتاحيات التي كان يكتبها عبد الباسط يونس ، وتحتل (3) أعمدة من الجريدة ، أكثر الافتتاحيات في تاريخ الصحافة العراقية جراةً وصدقاً . ويتضح ذلك من خلال عناوينها، فثمة عناوين كثيرة منها : " شعب يحترق "، " رئيس الوزراء ينتحر سياسياً " ، " بيضة الوزارة متى تضعها " ، " إلى رئيس الوزراء إني اتهمك " ، " وزارة الفشل " و " إلى الوزراء أنتم في وادٍ والشعب في وادٍ " .


وكان من الطبيعي أن تتعرض الجريـدة إلى التعطيل ، عدة مرات . فعلى سبيل المثال وجهـت وزارة الداخلية انذارها إلى جريـدة المثال للمرة الثالثة ، لنشرها مقـالاً افتتاحياً بعنـوان : " بيضة الوزارة .. متى تضعها " وذلك في عددها الصادر في 4 شباط 1954 . وعطلت لمـدة شهر لنشرها مقالاً بعنوان " الأمن ذلك المظلوم " في عددها الصادر في 14 آذار 1954 وكان تعليقاً على محاولة إعتداء تعرض لها عبد الباسط يونس في 22 شباط 1954 من عناصر الشرطة السرية ، وهو في طريقه إلى مكتبه في شارع النجفي ، وعمل عبد الباسط يونس ، بعد تعطيل جريدة " المثال " رئيساً لتحرير جريدة " وحي القلم " في 11 حزيران 1954 والتي صدرت تعويضاً لمشتركي جريدة المثال . وهذا التصميم على مزاولة العمل الصحفي ، برغم التعطيل ، يُعطي صورة واضحة على حيوية الرواد الأوائل للصحافة الموصلية واصرارهم على اثبات وجودهم ونشر رسالتهم في مجال التوعية وتنبيه الأذهان . .


وعندما صدرت في الموصل جريدة " الراية " الأدبية في 11 نيسان 1951 ، وكان صاحبها غانم سيالة، وتولى عبد الباسط يونس الاشراف على تحريرها.وقد أصبحت " الراية " شقيقة " المثال " يحررها قلم واحد بأسلوبين، فالراية أدبية ، والمثال سياسية والقلم واحد يحمله عبد الباسط يونـس يصدر كل اسبوع جريدتين كل واحدة لها يوم معين.ومن عناوين المقالات التي كتبها في الراية " الافلاس الأدبي " ، " الأخلاق المريضة " ، " الصحافة المارقة " .. وقـد اتسعت صفحات الرايـة لتضم مقالات العديـد من كتاب الموصل ومثقفيها آنذاك ، وقد تولت الراية نشر الدراسات الأدبية ، ففي مجال الأدب العربي قدمت الشاعر أبا القاسم الشابي ، وأحمد الصافي النجفي ، ومعروف الرصافي ، وغيرهـم . وفي الأدب العالمـي كتبت عن شكسبيـر وهيجو وشوبنهاور،كما تولى الترجمة فيها عدد من الشباب آنذاك أمثال أكرم فاضل، وعبد الواحد لؤلؤة ، وعبد الرزاق الشماع.وكان من أبرز أبوابها باب " رواد أدب الحياة " ويحرره عدد من مثقفي الموصل امثال : شاذل طاقة ، وغانم الدباغ ، وهاشم الطعان ، ومحمود المحروق.


وفي الأول من حزيران 1953 أصدر عبد الباسط يونس ، جريدة العاصفة ، وكانت جريدة يومية ثقافية عامة ، والغي امتيازها في 17 كانون الأول 1954 . ولم تكن جريدة " العاصفة أقل قوةً واندفاعاً من جريدة المثال ". وفي " العاصفة " بشّر عبد الباسط يونس بالثورة على النظام الملكي ، من خلال الافتتاحيات التي كان يكتبها ، ففي عددها الصادر في 7 أيلول 1953 كتب مقالاً بعنوان " لمن هذه الدماء " جاء فيه : " الثورة قائمة في كل بقعة من المعمورة على الاستعمار … والشعوب التي رضخت للقيود والأغلال قروناً وأعواناً سلكت طريق الثورة . ومع أنها تعرضت للتعطيل ، ونالت ما نالته من قبلها " الفجر " و " المثال " لكنها أسهمت في تأجيج الروح الوطنية وتحريك الرأي العام الموصلي ضد السلطة .


وقبيل ثورة 14 تموز 1958 بقليل ، أسهم في إصدار جريدة " الواقع " التي كانت تطبع في مطبعته الخاصة المعروفة باسم " مطبعة الهدف " . كما أشرف على تحرير جريدة " وحي القلم " وكان يحررها من ألفها إلى يائها ويكتب افتتاحيتها ولم تستمر الجريدة بالصدور ، فبعد ستة أعداد عطلت
كذلك .


وبعد ثورة 14 تموز 1958 ، أعاد إصدار جريدته " المثال " ولكنه اعتقل أثر فشل ثورة الموصل سنة 1959 وأخرج عنه لينصرف إلى إصدار جريدته " الهدف " في 27 أيار 1963 لتبدأ حياته الصحفية ، حقبة جديدة اتسمت بإسهاماته في مجال تطوير الصحافة الموصلية .


لقد اتسمت كتابات عبد الباسط يونس الصحفية بقوة الأسلوب والصدق والجرأة والصراحة . فقلمه كان ناصعاً أبيضاً،لم تلونه دناءة ولم يَمُسه سوء . كما أنه معروف بدأبه وحيويته ، فكان يتولى كتابة الافتتاحيات والتعليقات والأخبار المحلية،ولم يقف الأمر عند ذلك ،بل كان يصحح الأخطاء المطبعية ويقوم بتغليف نسخ المشتركين وكتابة الأسماء والعناوين عليها. ومما ساعده على ذلك امتلاكه مطبعة مكتبة زاخرة بأمهات الكتب والمصادر ولعلاقته الواسعة بالصحفيين والكتّاب العراقيين والعرب .وكان يضيق بالقيود ويحاول باستمرار " إطلاق قلمه ". ومع أنه كان ينتقل في أجواء الأدب والثقافة ، لكنه لم يفارق السياسة . وكان يؤمن بأن " القلم الحر " لا يمكن أن يسقط من يد كاتب تتسم كتاباته بالصدق والجرأة والصراحة والواقعية . ويرى بأن الصحفي يحتاج إلى " نفس جياشة " و " قلب صاخب " . " فالقلم لا عهد له بالسكوت إذا ما دعاه الواجب ".
*الرجاء زيارة مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ورابطها التالي : http://wwwallafblogspotcom.blogspot.com/2010/02/1908-1995.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق