الأحد، 29 أغسطس، 2010

قيام الدولة العربية الإسلامية وسقوطها


قيام الدولة العربية الإسلامية وسقوطها

الأمة العربية لم تعدم وجود مفكرين ومصلحين أخذوا على عاتقهم تنوير الأمة والسعي لرفع الغمة عنها.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
First Published 2010-08-29

لو كنت مؤلف كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس" للدكتور ماجد عرسان الكيلاني، والذي نشرته دار القلم بدبي، وطبع أكثر من مرة آخرها سنة 2009 لأسميته "قيام الدولة العربية الإسلامية وسقوطها". فالكتاب مهم، ومفيد، وخطير لأن مؤلفه يضع يده على أسباب صعود الدولة العربية الإسلامية، وعوامل انهيارها، فهو – بشكل أو بآخر كتاب (تعبوي) يستهدف رسم ملامح صحوة الأمة، وسبل تحقيق ذلك.

ولعل من أبرز ما يؤكده الكتاب أن الأمة بحاجة إلى النهوض لكي تستطيع مواجهة تحديات اليوم. ومن أجل الوصول إلى الأسباب التي تعين الأمة في هذا المجال، لا بد من العودة إلى التاريخ، وخاصة في صفحاته الناصعة حيث القوة والعدل، والعزم، والهمة، والإخلاص.

في الكتاب أبواب ستة تتناول ظروف التكوين الفكري والثقافي للمجتمع العربي والإسلامي وآثار الاضطراب الذي اعتور هذا التكوين وعناصر التجديد والإصلاح في الأمة، ودور الأسرة والمرأة والمدرسة والعلماء والمؤسسات العسكرية في تكامل ما أسماه المؤلف "حلقات السلوك القويم وفاعلية الإصلاح والتجديد".

ولكي يقف عند العوامل التي أعاقت نهوض الأمة قبل مجيئ صلاح الدين الأيوبي ومواجهته للتحدي الصليبي وتحريره القدس، درس المؤلف حالات الانقسام التي شهدها التاريخ الإسلامي في جوانبه الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، والتي كان من أبرز نتائجها الانقسام السياسي، والصراع السني - الشيعي وما تبعه من ضعف العالم الإسلامي أمام الهجمات الصليبية.


ولكن هل كان هناك من يسعى لإقالة الأمة من عثراتها؟

يقينا إن الأمة العربية لم تعدم وجود مفكرين ومصلحين أخذوا على عاتقهم تنوير الأمة والسعي لرفع الغمة عنها، ومن هؤلاء الإمام أبي حامد الغزالي والشيخ عبدالقادر الكيلاني والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ ماجد الكردي والشيخ علي بن الهيتي والشيخ بقا بن بطو. وكان لهولاء وغيرهم مدارس فكرية اعتمدت مبادئ التوحيد، وإعمال العقل في نقد الحياة العامة، والتنسيق بين مدارس الإصلاح وتوحيد مشيخاتها. ولم ينس المؤلف دور المرأة في هذه الحركة.


وجاءت الأسرة الزنكية في الموصل وحلب متمثلة برمزيها عماد الدين، ونور الدين، وفي أحضانهما تربى صلاح الدين الأيوبي. وفي عهود الأسرة الزنكية تم إعداد الشعب إعدادا إسلاميا، وتكاملت الجهود التربوية، وصبغت الإدارة بالصبغة الإسلامية، وأعد القادة إعدادا سليما. وحدث تعاون بين مدارس الإصلاح والدولة الزنكية – الأيوبية. وكان من نتائج النهضة ازدهار الحياة الاقتصادية، وإقامة المنشآت والمرافق العامة وبناء القوة العسكرية والإدارية.


وحتى تتكامل صورة النهضة ومعرفة كيفية إخراج أمة المهجر (الإمارة الزنكية) لكي تتحمل مسؤوليتها كان لا بد من المؤلف أن يتناول بالتحليل مجموعة من القوانين التاريخية وتطبيقاتها ومنها على سبيل المثال: "أثر الفكر في صحة المجتمعات ومرضها"، و"أثر الأذكياء في فقه العلم"، و"عناصر قوة المجتمعات والفاعلية الإصلاحية"، و"تزاوج الإخلاص والصواب"، و"دور مؤسسات التربية السياسية"، و"إستراتيجية الإصلاح وقوانين الأمن الجغرافي".


الكتاب موجه للمؤرخين ورجال الإعلام ليستلهموا سبل تزكية المجتمعات من التلوث الفكري، ويتبينوا مصائر المجتمعات التي تشيع فيها عوامل الضعف والخور والفساد. وهو موجه للرؤساء والحكام ليتبنوا سبل العدل والقسط وهو موجه للعلماء لكي يعرفوا أهمية الزهد في المناصب والغنائم وفائدة العفة ونظافة الكف. وهو موجه لقادة الأحزاب والجماعات ليدركوا ضرورة العمل الصالح والإخلاص في خدمة الوطن والأمة. وهو موجه للاقتصاديين والتجار لكي يفرقوا بين اقتصاد الماعون واقتصاد السحت، وهو موجه للجميع لكي يقفوا على أهمية المبادئ الأخلاقية وقراءة أحداث العصر بالعودة إلى الموروث.


كلمة أخيرة أقولها في نهاية هذه المراجعة للكتاب، وهي إن إحدى القنوات الفضائية الإسرائيلية، ناقشت الكتاب لمدة ساعة كاملة. كما أن أحد الأساتذة في جامعة كارديف البريطانية وهو الدكتور أنتوني باكر، وجه طالبه لاختيار الكتاب موضوعا للدكتوراه مسبوقا باستبيان يقول إن الدكتور ماجد الكيلاني أكد "بأن المدرسة التي ظهرت وانتشرت في القرنين الخامس والسادس الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر)، قامت بدور مهم وحاسم في توحيد المسلمين، ودعم موقفهم ضد الصليبيين القادمين من الغرب، وضد المغول القادمين من الشرق".


وهكذا فان أهمية الكتاب تنبع من أن مؤلفه يريد أن يقول لنا اليوم ونحن نواجه التحديات بكل أشكالها إن الأمة استطاعت بالأمس أن تقاوم وتتحدى، وأنها بحاجة دائمة إلى قادة يستلهمون الروح التي بثها القائد الكبير صلاح الدين الأيوبي في الأمة، فعمل وأتقن عمله ونجح، واستحق أن تذكره الأمة وتخلده، وهذا ما يحصل اليوم عندما نتوقف إجلالا وتكريما أمام ضريحه الملاصق للجامع الأموي بدمشق الشام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق