الأحد، 31 أكتوبر 2010

وضعية الدراسات العثمانية في العراق خلال الثلاثين سنة الماضية

غلاف كتاب تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني للدكتور ابراهيم خليل العلاف مطبوع سنة 1983
وضعية الدراسات العثمانية في العراق خلال الثلاثين سنة الماضية
أ.د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث – جامعة الموصل

         شهدت السنوات الثلاثين الماضية، اهتماما ملحوظا بالدراسات العثمانية ليس في العراق حسب، بل في إرجاء الوطن العربي كله، وذلك لما يمثله العصر العثماني الممتد من النصف الأول من القرن السادس عشر حتى مطلع القرن العشرين، من أهمية كبيرة في فهم التكوين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي للمجتمع العربي المعاصر.
لقد تجسد الاهتمام بالعصر العثماني في ظهور بحوث ودراسات عديدة تناولت تاريخ العرب الحديث منذ بدء التوسع العثماني في سنة 1516، حتى أواخر الحرب العالمية الأولى سنة 1918. كما عقدت ندوات ومؤتمرات علمية على صعيدي الوطن العربي والعالم، لمعالجة جوانب مختلفة من هذا التاريخ. وقد صدرت مجلات ودوريات تهتم بالدراسات العثمانية، وتأسست مراكز اضطلعت بمهمة تشجيع البحث في العصر العثماني بعهوده  الثلاثة . وبرز اهتمام كبير بالوثائق العثمانية والمحلية المنتشرة في أماكن عديدة، وهي كما هو معروف، مهمة للمؤرخ الذي يروم ألقاء الضوء على بعض القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتصلة بحياة الإنسان أبان ارتباط الوطن العربي بالدولة العثمانية. وأخيرا فان العصر العثماني، وخاصة مايتعلق بتاريخ الوطن العربي أبان هذا العصر ، كان موضوعا لكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تقدم بها طلبة عراقيون وعرب وأجانب . والمهم في كل هذا أن وعيا بأهمية العصر العثماني قد نما ورغبة كبيرة لدى الباحثين والدارسين قد اتسعت ، لتناول هذه الحقبة الدقيقة من التاريخ الإنساني ومن شأن هذه الحركة أن تسهم في تعميق فهمنا لتاريخنا المعاصر.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالعراق، تستطيع تلمس أثار نظرتين مختلفتين إلى الدولة العثمانية في الكتابات المتوفرة عن العصر العثماني. فالنظرة الأولى ترى أن العثمانيين مسؤولون عما لحق بالعرب من فقر وتخلف وظلم وجمود وعزلة. أما النظرة الثانية، فتقوم على أساس أن تاريخ العثمانيين تعرض لأسباب مختلفة، منها سياسة ومنها أيدلوجية، إلى كثير من حملات التشهير من مصادر متعددة ، ولا بد من أعادة النظر في هذا التاريخ وأنصافه أو دراسته   بموضوعية ودقة والتمييز بين عهديه الأول والثاني ، والفترة الأخيرة من العهد الثالث، أي فترة حكم الاتحاديين الممتدة من 1908 إلى 1918 والتي تميزت بسيادة نظرتهم المتعصبة ضد العرب وغيرهم من العناصر غير التركية.
يمكن تصنيف الكتابات العراقية عن العصر العثماني إلى صنفين رئيسيين، هما: كتابان الرواد من غير المتخصصين بعلم التاريخ ودراسات المؤرخين الاكاديمين. ففيما يتصل بالصنف الأول يأتي الأب انستاس الكر ملي في مقدمة من ألف كتابا عن التاريخ العراقي العام وفيه هاجم العصر العثماني وعدة من العصور المظلمة في تاريخ العراق. ويبدو أن قيام الكرملي سنة 1919 بتأليف كتاب: خلاصة تاريخ العراق منذ نشوته إلى يومنا هذا  كان بإيعاز من السلطات البريطانية المحتلة للعراق، والهدف هو أظهار العثمانيين بمظهر المسؤول عن تخلف وفقر العراق، والإيحاء بان الانكليز هم الذين سيقومون بتخليص العراق من الظلم والتخلف وفي سنة 1923 كرس المطران، سليمان صائغ الموصلي جانبا من كتابه "تاريخ الموصل" وهو بثلاثة أجزاء طبعها في القاهرة، لنتناول أحداث الموصل في العصر العثماني،مع متابعة للحياة العلمية والفكرية فيها أبان هذا العصر، ولم يختلف تقويم صانع الدولة العثمانية وحكمها في العراق، عن تقويم سلفه الكرملي.
وفي سنة 1926 أصدر درويش المقدادي وهو مفكر وتربوي فلسطيني عاش في العراق ودرس في المدارس العراقية منذ العشرينات، كتابا مدرسيا بعنوان:" تاريخ الأمة العربية" ، قسم فيه عصور الغزاة المظلمة التي عاشها العرب إلى ثلاثة مراحل، ومن هذه المراحل ، المرحلة الثانية التي بدامع السيطرة العثمانية سنة 1516 وتنتهي بغزو فرنسا لمصر سنة 1798، وقد أطلق على هذه المرحلة مصطلح مرحلة الغفلة وهي تقع بين مرحلة النكبة وتبدأ مع سقوط بغداد سنة 1258 إلى سنة 1517، ومرحلة اليقظة التي تبدأ من غزو فرنسا لمصر وإثارتها لمشاعر العرب القومية، حتى سنة 1918 حين استكمل الغرب تقسيم خارطة الوطن العربي وبدأ بتحويله إلى مستعمرات تابعة له.
وكرس محمود شكري الالوسي(ت1924) جهده لترجمة جماعة من أدباء عصره وشعراته ومعظمهم ينتمي إلى الأسر العلمية المعروفة ببغداد آنذاك، كال الالوسي وال السويدي وال الطبقجلي وال الصواف وال الادهمي. وقد طبع القسم الأول من الكتاب بعنوان: "المسك الادغر في تراجم علماء القرنين الثاني عشر والثالث عشر" ، ببغداد 1930.
وخلال السنوات 1938و1940 صدرت مجموعة من الكتب المدرسية التي تتناول تاريخ الشرق الأدنى الحديث وهو المصطلح الذي كان يطلق على تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني .. ومن هذه الكتب: كتاب. خالد الهاشمي" تاريخ الشرق الأدنى الحديث"( بغداد، 1938) وكتاب عبد المطلب الأمين بالعنوان ذاته( بغداد، 1940).
وحين صدر كتاب ستيفن همسلي لونكريك وهو احد الضباط السياسيين الذين رافقوا الحملة البريطانية إلى العراق سنة 1914 في لندن بعنوان:" أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث"، أقدم الأستاذ جعفر خياط سنة 1941 على ترجمة الكتاب بعد أن اظهر أسفه، لان ينبري لكتابة تاريخ العراق رجل أجنبي، وبلغة أجنبية، ومع أن الكتاب يعبر عن وجهة نظر بريطانية في العصر العثماني، ألا انه بحق كتاب عام وشامل لتاريخ العراق الحديث، اعتمد فيه مؤلفه على مجاميع كبيرة من المصادر والمخطوطات العربية والتركية والمغاربية، هذا فضلا عن كتب الرحلات المختلفة ، وليس غريبا القول أن عددا من الباحثين العراقيين، أبرزهم يعقوب سركيس، ساعدوه في تأليف الكتاب وزودوه بالعديد منا لمصادر وسهلوا عليه فهم كثير من غوامض تاريخ العراق وتعقيداته.
ولعوامل عديدة، يتعلق بعضها، بتنامي الوعي القومي العربي، وتطور الحركة الوطنية وظهور الأفكار الديمقراطية وبروز دور المثقفين العراقيين، فقد بدأت ملامح حركة جديدة في كتابه التاريخ في العراق، تأخذ منحى وطنيا يقوم على تسجيل وقائع التاريخ وعرضها بشكل مجرد تنقصه المنهجية التاريخية العلمية لكنه لايخلومن رؤية متميزة ويمكن في هذا الصدد الإشارة بشكل واضح إلى ماكتبه عباس العزاوي، وخاصة كتابه: تاريخ العراق بين احتلا لين، الذي صدريين سنتي 1939و 1956 بثمانية أجزاء ، ومع انه اعتمد طريقه الحوليات، واقتصر على تناول البعد السياسي من العملية التاريخية في أكثر الأحيان ، لكن الرجل سرعان مااقدم على سد بعض الثغرات في كتابه، فاصدر مؤلفات عديدة من عشائر العراق في أربعة أجزاء(1937)-1956) وتاريخ النقود العراقية( بغداد، 1958) وتاريخ الضرائب العراقية ( بغداد 1959). هذا فضلا عن كتب ودراسات أخرى له عن طوائف العراق والأدب في العراق والعلماء والحركة العلمية والتاريخية في العراق (8) وبصورة عامة ، فان مؤلفات الأستاذ الرائد عباس العزاوي تشكل مجموعة قيمة من المعطيات المتعلقة بتاريخ العراق الحديث، آذ أنها هيأت مادة خام للباحثين وطلبة الدراسات العليا ، وتناولوها بالبحث والتحليل.
ومنذ أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات، قام يعقوب سركيس وهو باحث مختص " بكتابة سلسلة من المقالات والدراسات القيمة عن فترات مختلفة من تاريخ العراق العثماني وجغرافيته وخططه وأثاره في مجالات عديدة ثم جمعت في كتاب يحمل عنوان: مباحث عراقية في الجغرافية والتاريخ والآثار وخطط بغداد الخ. وقد صدر الكتاب بثلاثة أجزاء في بغداد بين سنتي 1948و 1981.
أما الباحث احمد الصوفي 1897- 1982، فقد أرخ لجوانب أخرى من تاريخ العراق والموصل في العهد العثماني، فأصدر كتنابه: المماليك في العراق( الموصل، 1952) والمحاكم والنظم الإدارية في الموصل بين سنتي 1524و 1918 وتاريخ بلدية الموصلج1الموصل 1970) وألف الباحث صديق الدملوجي 1880-1958 كتابا عن مدحت باشا ونشره ببغداد سنة 1952 في حين اهتم الأستاذ عبد الرزاق الهلالي بالتعليم فاصدر ببغداد سنة 1959 كتابه تاريخ التعليم في العراق في العهد العثماني وكتب محمد الخال عن الأمارة الافراسيابية في البصرة، ونشر كتابه في بغداد سنة 1961 أما حامد الباري فارج للبصرة في العصر العثماني من خلال كتابه: البصرة في الفترة المظلمة(ج1، بغداد 1970) وفي سنة 1972 نشر في ابر لمحمد رؤؤف طه الشيخلي كتاب بجزئين يحمل عنوان، مراحل الحياة في الفترة المظلمة وما بعدها. واسهم د. محمد بديع شريف في تأليف كتاب دراسات تاريخية في النهضة العربية الحديثة مع احمد عزة عبد الكريم وآخرين وطبع الكتاب بالقاهرة سنة 1978.
واتصلت بحركة التأليف هذه ، حركة أخرى لتحقيق وترجمة ونشر بعض الأصول الخطية التي تتناول تاريخ العراق العثماني. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى قيام خلف شوقي أمين الداوودي سنة 1924 بتحقيق ونشر كتاب فتح الله بن علوان ألكعبي( كوني بعد سنة 1679م) الموسوم: زاد المسافر ولهفه المقيم والحاضر فيما جرى لحسين باشا بن افراسياب حاكم البصرة. وترجم محمد نجيب ارم نازي عن التركية ونشر كتاب سليمان فائق ( توفي 1896) الموسوم. تاريخ المماليك الكولة منذ في بغداد سنة 1961، ولا يمكن تجاهل جهود موسى كاظم نورس في وتحقيق وترجمة ونشر بعض الكتب عن التركية منها كتاب: تاريخ بغداد أو مرآة الزوراء في تاريخ الزوراء لسليمان فائق( بغداد، 1962) وكتاب رسول حاوي الكركوكلي دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء( بيروت، 1963) وكتاب مرتضى بن علي نظمي زاده( توفي سنة 1723 الموسوم كلشن خلفا( النجف، 1971) ونشر علي البصري في بغداد سنة 1962 كتاب ابن الغملاسي: ولاة البصرة ومتسلموها من تأسيس البصرة حتى نهاية الحكم العثماني.
وحقق يوسف عز الدين كتاب احمد نور الأنصاري، النصرة في أخبار البصرة ونشره ببغداد سنة 1969 كذلك قام د. صفاء خلوصي بتحقيق ونشر جزء من كتاب حديقة الزوراء في سيرة الوزراء لعديد الرحمن السويدي(ت 1786) في حين تفرغ الأستاذ محمد بهجت الأثري سنة 1981، لتحقيق ونشر مايتعلق بحملات نادر شاه على العراق في الكتاب المذكور ونشر ذلك ضمن كتابه : ذرائع العصبيات العنصرية في أثار الحروب وحملات نادر شاه على العراق في رواية شاهد عيان ( بغداد، 1981)، لكن الكتاب لا يزال ينتظر من ينشره كاملا.
ولسعيد الديوه جي ( 1912) فضل تحقيق ونشر عدد من الكتب تذكر منها: منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء لياسين العمري ( توفي 1816) ومنهل الأولياء ومشرب الأصفياء من سادات الموصل الحدباء جزءان لمحمد أمين العمري ( توفي 1788) وقد نشر الكتاب الأول في الموصل سنة 1953 في حين نشر الكتاب الثاني في الموصل كذلك سنة 1967.
وقام محمد صديق الجليلي( 1902-1980) بتحقيق كتب أخرى لبعض المؤرخين الموصليين من العصر العثماني. فعلى سبيل المثال حقق كتاب ياسين العمري غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر ونشره في الموصل سنة 1940، وحقق ديوان حسن عبد الباقي الموصلي ونشره مع دراسة تفصيلية عن حصار الموصل سنة 1743. وقد نشر الكتاب في الموصل سنة 1966. وحقق عبد الله الجبوري وجمال الدين الآلوسي مخطوطة علي علاء الدين الآلوسي (ت  1922) الموسومة الدر المنتشر في رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر وقد طبع الكتاب ببغداد سنة 1964. وهنا قد يكون من المناسب التنويه بجهود بعض المؤرخين الاكاديمين الآخرين في تحقيق ونشر كتب مهمة في تاريخ العراق العثماني نذكر كمنهم د. عماد عبد السلام رؤوف  في تحقيقه لكتاب زبده الآثار الجلية في الحوادث الأرضية لياسين العمري تاريخ حوادث بغداد والبصرة 1772- 1778م لعبد الرحمن بن عبد الله السويدي ومطالع السعود بطيب أخبار الوالي داوود لعثمان بن سند كما أقدم د. سيار كوكب الجميل  على تحقيق كتاب الدر المكنون في المآثر الماضية من القرون لياسين العمري وذلك في ثلاثة أجزاء دراسة نقدية حصل فيها على الدكتوراه من جامعة سانت اندروز سنة 1983 وما يزال الكتاب مع الدراسة النقدية مخطوطة .
وثمة حركة أخرى لابد من الإشارة اليها، وهي تتعلق بترجمة بعض كتب الرحلات إلى اللغة العربية . ومن كتب الرحلات التي ترجمت وتعد مصدرا من مصادر تاريخ العراق خلال العصر العثماني رحلة الرحالة الهولندي ليونهارت راوولف ببغداد سنة 1573  ورحلة تكسيرا إلى العراق سنة 1604 ورحلة ديلاقال الذي مر بالعراق مرتين الأولى  سنة 1616 و الثانية 1625 ورحلة باتيست تافرنيية : العراق في القرن السابع عشر وكتاب جاكسون مشاهدات بريطاني عن العراق سنة 1767 وكتاب دومنيكو لانزا الموصل  في الجيل الثامن عشر وكتاب كرستن نيبور رحلة نيبور إلى العراق ورحلة ربح في العراق عام 1820 ورحلة جيمس ببلي فريزر إلى العراق سنة 1834.
كما أقدم بعض الباحثين العراقيين على ترجمة ما توفر من كتب ألفها قناصل ودبلوماسيين أجانب عملوا في العراق أبان العصر العثماني . نذكر منها على سبيل المثال كتاب بير دي فوصيل الحياة في العراق منذ قرن 1814- 1914 وترجمة عن الفرنسية د. أكرم فاضل ونشر ببغداد سنة 1968 . وكتاب الكسندر اداموف: ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها وترجمه عن الروسية بجزئين د. هاشم صالح التكريتي وطبع الجزء الأول في البصرة سنة 1982 في حين طبع الجزء الثاني في البصرة كذلك سنة 1989.
ولبعض الباحثين العراقيين أيضا جهود ملحوظة في ترجمة كتب أخرى متعلقة بالعصر العثماني نذكر منها بهذا الصدد ترجمة علي حيدر ألركابي لكتاب يقظة العرب لجورج انطونيوس عن الانكليزية ( دمشق 1946) وقيام د. صالح احمد العلي بترجمة كتاب ارنست رامزور الموسوم تركيا الفتاة وثورة 1908 ( بيروت1960) وقيام د. هاشم صالح التكريتي بترجمة كتاب ياخيمو فتش عن الروسية الموسوم الحرب التركية الايطالية 1911- 1912، ( بنغازي 1970) وقيام د. عبد الجبار ناجي بترجمة كتاب صالح أوزيران عن الانكليزية الموسوم الأتراك العثمانيون والبرتغاليون في الخليج العربي ( البصرة، 1979) وقيام د. خليل علي مراد بترجمة كتاب إسماعيل حقي أوزون جار شلي عن التركية أمراء مكة في العهد العثماني ( البصرة، 1989) وأخيرا قيام د. خليل علي مراد ود. علي شاكر علي بترجمة كتاب منطقة الموصل كركوك في الأرشيف العثماني 1525- 1919 الذي صدر عن أرشيف الدولة التابع لرئاسة الوزراء في تركيا وطبع في أنقرة سنة 1993.
وخلال السنوات الواقعة بين 1964- 1967 عمل في قسم التاريخ بكلية التربية- جامعة بغداد أستاذ ومؤرخ مصري متخصص بتاريخ العراق الحديث هو د. عبد العزيز سليمان نوار وقد أسهم هذا الرجل في دفع حركة الدراسات التاريخية العثمانية سواء من خلال تدريسه لمادة تاريخ الشرق الأدنى الحديث أو تشجيعه الطلبة للاهتمام بتاريخ العراق الحديث، أو في إصداره مجموعة من الكتب والدراسات منها داوود باشا والي بغداد وتاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داوود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا والمصالح البريطانية في إنهاء العراق 1600- 1914 والعلاقات العراقية الإيرانية: دراسة في دبلوماسية المؤتمرات، مؤتمر ارضروم 1843- 1844. وأهمية كتابات نوار ترجع إلى استخدامها لمنهج العلمي الأكاديمي في تناوله لتاريخ العراق الحديث، وفي عدم اقتصار كتاباته على الجانب السياسي ، وإنما تجاوزه ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي إبراز الصراعات الدولية والقوى السياسية التي كان لها دور بارز في تاريخ العراق أبان تلك الفترة المهمة وقد تم ذلك كله دون التفريط في دعم التوجه القومي العربي بالدراسة التاريخية الرصينة وهي مسألة ميزت الدراسات التاريخية في الوطن العربي أبان الستينات.
أن الإضافات المتميزة لحركة التاريخ العثماني في العراق والتي شهدتها مرحلة الستينات وما قبلها لم تأت من فراغ ، وإنما كانت لها بينتها الصالحة التي نمت فيها. فكتابات المؤرخين العراقيين الذين سبق لهم أن تلقوا تدريبا مبرمجا على المنهج التاريخي في الجامعات الأجنبية وعادوا إلى وطنهم، قد عكست جدية ورصانة المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة. ويتضح هذا من الوقوف على ما أسهم به المؤرخون الأكاديميون العراقيون من دراسات وكتب تناولت جوانب
مختلفة في تاريخ العراق والوطن العربي الحديث. ومما يلحظ أن الباحثين العراقيين، لأسباب علمية ووطنية، اهتموا منذ وقت مبكر بتاريخ التغلغل الاستعماري والصراع الدولي الذي شهده العراق والخليج العربي، أكثر مما اهتموا بالجوانب الأخرى (23)، فعلى سبيل المثال يأتي د. زكي صالح في مقدمة الباحثين الرواد الذين قدموا دراسات تاريخية مهمة ، فقد حصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1941 عن رسالته الموسومة: منشأ النفوذ البريطاني في بلاد مابين النهرين وقد طبعت بلغتها الانكليزية في بغداد سنة 1957 بعنوان: بلاد مابين النهرين: العراق1600- 1914 دراسة في الشؤون الخارجية البريطانية. ثم أعيد نشر الكتاب بالعربية ببغداد سنة 1968 بعنوان : بريطاني والعراق حتى سنة 1914: دراسة في التاريخ الدولي التوسع الاستعماري ثم اصدر في القاهرة سنة 1966 المجمل في تاريخ العراق الدولي في العهد العثماني.
ثم تبعه في هذا التوجه تلميذه د. محمود علي الداود الذي حصل على الدكتوراه من جامعة لندن سنة 1957 عن رسالته: العلاقات البريطانية مع الخليج العربي المدة في 1890-1902 ونشرها في القاهرة بعد ترجمتها إلى العربية سنة 1961 بعنوان : تاريخ العلاقات الدولية في الخليج العربي 1890-1914.
وفي سنة 1963 أنجز د. عبد الأمير محمد أمين رسالته للدكتوراه في جامعة ميريلاند بالولايات المتحدة والموسومة المصالح البريطانية في الخليج العربي 1747- 1778 وقد ترجمها إلى العربية هاشم كاظم لازم وتولي مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة نشرها سنة 1977.
ثم توالت الدراسات الأكاديمية بعد ذلك في خارج العراق " فانجزز د. طارق نافع الحمداني رسالته للدكتوراه في جامعة مانجستر ببريطاني سنة 1980 عن الإدارة السياسية و التاريخ الاقتصادي لولاية البصرة 1534 _1638 (24)وفي سنة 1985 وقدم د.محمد العزاوي رسالته للدكتوراه في جامعة ( اكس اون بروفانس) بفرنسا عن التنافس الفرنسي البريطاني حول الخليج العربي 1793-1862(25).
كما نال التاريخ الاجتماعي والفكري كذلك اهتماما من لدن بعض العراقيين الذين درسوا في لجامعات الأوربية والأمريكية. نذكر من هذه الرسائل على سبيل المثال ثلاثة. الأولى لعبد القادر احمد اليوسف وقدمت إلى جامعة (ايوا) بالولايات المتحدة سنة 1954 بعنوان : دراسة في الحركة اللبرالية( التحرر) في العراق 1908-1924 (26) والثانية لعبد الوهاب عباس القيسي التي قدمها لجامعة ( مشيفان) في الولايات المتحدة كذلك سنة1958 بعنوان  تأثير التحديث على المجتمع العراقي خلال العصر العثماني: دراسة للتطور الفكري في العراق 1869- 1917(26) والثالثة لعبد اللطيف ناصر الحميدان التي قدمها لجامعة ( مانجستر) في بريطانيا سنة 1975 بعنوان: التاريخ السياسي والاجتماعي لإقليم بغداد والبصرة 1688-1749 (28) ومن المؤسف أن هذه الرسائل لا تزال حتى ألان بعيدة عن متناول أيدي القراء العرب ، لعدم ترجمتها.
وفي الجامعات المصرية قدمت رسائل عديدة في مجال التاريخ العثماني من باحثين عراقيين فعلى سبيل المثال قدم د. مصطفى عبد القادر النجار رسالتين للماجستير والدكتوراه إلى جامعة عين شمس ، الأولى سنة 1969 ونشرت في القاهرة سنة 1971 بعنوان: التاريخ السياسي لإمارة عربستان 1897- 1925، والثانية سنة 1973 بعنوان العلاقات السياسية للعراق مع القوى المجاورة في شط العرب والخليج العربي 1913-1939 وقد نشرت في البصرة سنة 1975 بعنوان: التاريخ السياسي لعلاقات العراق الدولية بالخليج العربي.
وفي سنة 1973 انجردد. عماد عبد السلام رؤوف رسالته للماجستير إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة عن ولاية الموصل في عهد إل ألجليلي 1726- 1834، ثم طبعت في النجف الاشرف سنة 1975 بعنوان الموصل في العهد العثماني: فترة الحكم المحلي 1726- 1834. وقدم إلى الجامعة ذاتها سنة 6/19 رسالته للدكتوراه بعنوان: الحياة الاجتماعية في العراق أبان عهد المماليك 1749- 1831 وفي سنة 1975 نشر فيصل الارحيم في الموصل رسالته للماجستير التي سبق له أن قدمها لجامعة عين شمس سنة 1969 بعنوان تطور العراق تحت حكم الاتحاديين 1908- 1914. كما قدم د. عبد ربه سكران الوائلي رسالة للماجستير في كلية الآداب، جامعة القاهرة سنة 1979 عن تاريخ الأمارة الابانية الكردية 1784- 1751 في السليمانية بالعراق ، أما رسالته للدكتوراه فقد قدمت جمعة ذاتها سنة 1987 بعنوان: أكراد العراق( 1885- 1914).
ولم يتفرغ سوى عدد قليل من الطلبة العراقيين للدراسة في تركيا، ومن الذين استفادوا من الوثائق العثمانية استفادة مباشرة، د. مهدي جواد حبيب البستاني الذي حصل على الدكتوراه من جامعة استانبول سنة 1979 عن رسالته الموسومة: حكم المماليك في بغداد مع ولاية على رضا باشا. ولاتزال هذه الرسالة بلغتها التركية (29) وقد أسهم البستاني في تأصيل الدراسات العثمانية وقدم سلسلة من البحوث الرصينة التي اعتمدت الوثائق العثمانية المحفوظة في أرشيف رئاسة الوزراء باستانبول. ومن بحوثه الصراع العثماني الفارسي وأثره في العراق حتى أواخر القرن التاسع عشر والوعي القومي العربي في العراق خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر .
ثم جاء تأسيس الدراسات العليا في جامعة بغداد سنة 1961 ، ليشكل حدثا مهما في تطور الدراسات التاريخية في العراق. وقد نتج عن ذلك تخريج عدد كبير من الباحثين، كانت وما تزال لهم، مساهمة في المسيرة الجامعية العربية. وكان للرسائل التي قدموها لنيل الماجستير والدكتوراه، اثر في تنشيط المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة وإعطائها ملامحها وقسماتها البارزة، وخاصة في مجال التشديد على المنهج التاريخي والعودة إلى الأصول سواء كانت عراقية أو عربية أو أجنبية ، ومن ثم عرض المادة العلمية ونقدها وتحليلها بما يساعد على وضع الحدث التاريخي في مكانه المناسب . وبالرغم من الجهود التي بذلت لتشجيع الدراسات التاريخية، كانت بعض المشكلات من القوة، بحيث اضطرت المسؤولين عن قسم التاريخ بكلية الآداب- جامعة بغداد  إلى وقف دراسة الدكتوراه في التاريخ الحديث ، بعد فترة وجيزة من فتحها ، على الرغم من توفر الملاك التدريسي المتخصص، ولعل في مقدمة المشكلات: قلة المصادر ، وارتباك أسس القبول، وعدم توفر بعض الظروف المناسبة للباحثين. لكن جهودا محمودة بذلت كان لها أثرها الطيب في أعادة فتح الدراسات العليا في التاريخ الحديث في أوائل السبعينات، فكان أن بدأ جيل من الباحثين يقدمون رسائلهم للماجستير والدكتوراه، ويتبوأ معظمهم اليوم المسؤولية العلمية والإدارية في قيادة حركة كتابة التاريخ في العراق . وفي مقدمة الذين كتبوا عن العصر العثماني: نياز محمد شكريج في رسالته للماجستير سنة1971 بعنوان: الفتح العثماني وانتشار الإسلام ونشأة المؤسسات الإسلامية في البوسنة والهرسك بيوغسلافيا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. وحسين محمد القهواني الاذي أنجز رسالته للماجستير سنة 1975 بعنوان : العراق بين الاحتلالين العثمانيين الأول والثاني 1534- 1638. وإبراهيم خليل احمد الذي قدم رسالته للماجستير سنة 1975 عن : ولاية الموصل: دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922، وعلي شاكر على الذي كتب رسالته للماجستير بعنوان: تاريخ العراق في العهد العثماني 1638- 1750. وخليل علي مراد الذي كتب رسالته للماجستير عن تاريخ العراق الإداري والاقتصادي في العهد في العهد العثماني الثاني 1638-1750-1975 وجاسم محمد حسن العدول الذي كتب رسالته للماجستير 1976 بعنوان: العراق في العهد الحميدي 1876-1909 وصالح محمد العابد الذي كتب رسالته للماجستير عن دور: القواسم في الخليج العربي في 1747-1820 ونشرت ببغداد سنة 1976 ورسالته للدكتوراه حول موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي 1798 1900 ونشرت ببغداد سنة 1979 واهتم محمد احمد محمود بتاريخ العشائر ليكتب رسالته للماجستير سنة 1980 بعنوان: أحوال العشائر العراقية العربية وعلاقتها بالحكومة العثمانية 1871 -1918. وقدم عبد المجيد العاني رسالته للماجستير سنة 1984 حول السياسة البريطانية تجاه الكويت 1896- 1915 في حين قدم جاسم محمد هادي رسالته للماجستير سنة 1985 عن : أحوال العراق الاقتصادية والاجتماعية  1831-1869. وكتب جبار يحيى عبيد رسالته عن : التاريخ السياسي لأمارة حائل 1825-1921، سنة 1989. وقدم محمد سليمان رسالته للماجستير سنة 1989 بعنوان: العراق في عهد مدحت باشا 1869-1872 . وقدم صباح مهدي رميض الأموي رسالته للماجستير عن : أمارة عسير ( 1876-1932) سنة 1979.
وأنجز إبراهيم خليل احمد أول رسالة للدكتوراه عن التعليم في العراق، ونشرت في كتاب بعنوان: تطور التعليم الوطني في العراق 1869- 1932 سنة 1982. وكتب شكري محمود نديم رسالته للدكتوراه عن : أحوال العراق في عهد المشروطية الثانية 1908- 1918 سنة 1988.
وسرعان ما اتسعت الدراسات العليا في التاريخ الحديث للعراق والوطن العربي في العهد العثماني لتشمل جامعات عراقية أخرى. ففي الجامعة المستنصرية قدمت مثلا إلى معهد الدراسات القومية والاشتراكية رسائل عديدة منها مثلا رسالة نمير طه للماجستير عن : بدايات التحديث في العراق 1869- 1914 سنة 1984. ورسالة احمد حسن العلي للماجستير عن مفهوم الاستقلال في فكر الأحزاب والجمعيات العربية 1908-1919 سنة 1988.
وفي قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة الموصل قدمت رسائل عديدة عن العصر العثماني منها رسالة عصمت برهان الدين للماجستير وبعنوان: دور النواب العرب في مجلس المبعوثان 1908-1914، سنة 1988 ورسالة غانم محمد علي للماجستير كذلك عن النظام المالي العثماني 1839- 1914 سنة 1989 ورسالة ذنون يونس الطائي للماجستير بعنوان : الحركة الإصلاحية في الموصل من أواخر العهد العثماني حتى 1921سنة 1990. ورسالة علي شاكر علي للدكتوراه الموصل في القرن السادس عشر: دراسة في أوضاعها السياسية والاقتصادية سنة 1993. ورسالة نمير طه ياسين للدكتوراه عن الأصناف والتنظيمات المهنية في الموصل منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى 1958 سنة 1993 ورسالة ياسين شهاب للماجستير عن : ولاية بغداد ودراسة في أوضاعها السياسية والاقتصادية ( 1994).
وفي قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة البصرة قدمت رسائل للماجستير عن التاريخ الحديث وخاصة في عهوده العثمانية. ومن هذه الرسائل: رسالة حسن علي عبيد القطراني عن : الزبير في العهد العثماني 1571-1914 ( 1988) ورسالة وداد خضير الشتيوي عن موقف الدولة العثمانية من ال سعود 1891- 1914(1989) ورسالة مؤيد عاصي سلمان عن : العلاقات القطرية- البريطانية 1868- 1916 ( 1989) ورسالة طاهر يوسف عكاب عن: العلاقات العمانية-الإيرانية 1806- 1868 سنة (1989). ورسالة إبراهيم محمد ساحت الزبيدي عن: طريق الفرات الحراوي: البصرة – حلب في العصر الحديث سنة 1990 ورسالة عبد الحميد كاظم حمادي عن: البحرين 1820 1880 سنة 1990 ورسالة عبد الحميد كاظم حمادي عن  : البحرين 1820-1880 سنة ( 1990) ورسالة علي هادي عباس المسعودي عن : الحلة في العهد العثماني المتأخر 1869-1914 سنة 1990 ورسالة خولة اليوسف عن : البصرة في العهد الحميدي 1876-1908، وكل هذة الرسائل قدمت للحصول على درجة الماجستير. كما قدمت بعض الرسائل إلى مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة منها رسالة الماجستير التي أعدها عبد الحكيم عجيل السعدون سنة 19989 بعنوان البصرة ي النصف الثاني من القرن الثامن عشر 1750-1800.
وجاءت الحرب العراقية- الإيرانية ( 1980-1988) لتسهم في دفع حركة الدراسات العثمانية  في العراق وذلك من خلال إلقائها على المؤرخين العراقيين . مسؤولية دراسة دوافع تلك الحرب وصلتها بظروف ( الصراع الثماني- الإيراني) (33) وقد نتج عن ذلك أن قدمت دراسات وبحوث وكتب عديدة تذكر منها على سبيل المثال كتابي: الصراع العراقي- الفارسي(34) والحدود الشرقية للوطن الربي : دراسة تاريخية .
وكما شهدت السنوات الثلاثون الماضية صدور كتب كثيرة عن العصر العثماني أصدرها مؤرخون عراقيون معروفون ، فأن حركة التأليف هذة تسرعت أبان أخمس شر سنة الأخيرة وبدأنا نرى في المكتبة العراقية أعمالا اتسمت بالجدة والرصانة العلمية . ومن ابرز هذة الأعمال كتاب د. علاء كاظم نورس الأول بعنوان : حكم المماليك في العراق 1750- 1831 بغداد 1975 وكتابه الثاني بعنوان : العرق في العهد العثماني : دراسة في العلاقات السياسية 1700- 1800 ( بغداد 1979) . كما أصدر د. إبراهيم خليل احمد كآبين اولهما عن : تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516- 1916 ( الموصل، 1982) وثانيهما بعنوان : نشأة الصحافة العربية في الموصل 1885- 1926 ( الموصل، 1985)1926 ( الموصل ، 1985) . وصدر عن مركز دراسات الخليج العربي كتاب د. حسين محمد القهواني حول دور البصرة التجاري في الخليج العربي 1869- 1914 ( 1980) وأصدر د. سيار كوكب الجميل كتابين هما : حصار الموصل: الصراع الإقليمي واندحار نادر شاه:  صفحة لامعة في تكوين العراق الحديث ( الموصل 1990) وتكوين العرب الحديث (الموصل، 1991). كما ألف د . عماد عبد السلام رؤؤف كتابه عن : التاريخ والمؤرخون العراقيون في العصر العثماني ونشره ببغداد سنة 1983. ولم يقتصر الأمر على الكتب ، بل نشر الباحثون العراقيون سلسلة واسعة من البحوث العلمية عن العصر العثماني. ففي السنوات الماضية على سبيل المثال نشرت المجلات العراقية والعربية بحوثا تناولت طبيعة الحكم العثماني وأساليب تغلغل الرأسمال الأجنبي في الدولة العثمانية ، وحركة الإصلاح الثمانية .و ظاهرة الكيانات المحلية والجامعة الإسلامية، ومشكلة الأراضي والمحاكم والقضاء في العصر العثماني والصراع الدولي حول العراق والخليج العربي وموقف الدولة العثمانية ، ومن ابرز هؤلاء الأساتذة عبد الأمير محمد أمين، ومحمود علي الداوود ، ومصطفى عبد القادر النجار .وعماد عبد  السلام رؤوف، وعلاء موسى كاظم نورس، وصالح العابد، وعبد الوهاب القيسي، وإبراهيم خليل احمد، وعماد احمد ألجواهري ، وحسين القهواني، ونوري عبد الحميد العاني  وسيار كوكب الجميل، وخليل علي مراد، وجاسم محمد حسن العدول، وعلي شاكر علي ، ومهدي البستاني وطارق نافع الحمداني وصادق ياسين الحلو ونمير طه ياسين.
ويتضح من متابعة ماانجزه الباحثون العراقيون المتهمون بالعهود العثمانية. أن دراساتهم لم تقتصر على الجوانب السياسية بل اتسعت لتشمل جوانب اقتصادية واجتماعية  وثقافية. فثمة بحوث حول مصادر التاريخ العثماني كالسالنامات ودفاتر الطابو والصحف وسجلات المحاكم الشرعية وبحوث أخرى عن العشائر والتعليم وتاريخ المدن وسكك الحديد والبلديات و الملاحة النهرية والنفط والأراضي والصحة.
واسهم عدد من الباحثين المتخصصين بعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع في أنجاز كتب وبحوث تناولت أوضاع العراق الاقتصادية والاجتماعية أبان العصر العثماني. وهنا لابد من الإشادة بجهود كل من د. محمد سلمان حسن ، ود. علي الوردي. فلقد اهتم الأول بتقديم دراسات حول : التطور الاقتصادي للعراق، منذ أواخر العصر العثماني واسهم في تحليله وانعكاساته على بنية السكان الاجتماعية . ومن ابرز كتبه: التطور الاقتصادي في العراق1( بيروت،لا،ت) أما الباحث الثاني فقد كتب موسوعة مهمة بعنوان: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث صدرت بعدة أجزاء فالجزء الأول منها صدر ببغداد سنة 1969، أما الجزء الرابع الذي يتوقف عند سنة 1918 ، فقد صدر سنة 1974.
لقد ظهرت الحاجة في العاق خلال السنوات الماضية إلى الاهتمام بالوثائق العثمانية والمحلية لذلك تأسست بضعة مراكز للتوثيق في بغداد وبض مراكز المحافظات مهمتها العناية بجمع الوثائق المتعلقة بتاريخ العراق وتسهيل وضعها بين أيدي الباحثين. ومن أهم هذة المراكز: دار الكتب والوثائق التابع لوزارة الثقافة والأعلام ( المركز الوطني احفظ الوثائق سابقا) ، ومركز وثائق الموصل( جامعة الموصل) ومركز وثائق الكوفة( جامعة الكوفة) ، كما تأسس سنة 1985 مركز للدراسات في جامعة الموصل ومن مهامه الاهتمام بالوثائق وتقديم دراسات وبحوث وإصدار كتب وعقد ندوات ومؤتمرات تعني بالعلاقات مع تركيا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
ويقتضي الواجب العلمي هنا أن نشير إلى العمل العلمي الذي أنجزه نخبة من المؤرخين العراقيين ، وذلك بتكليف دعم من جامعة الموصل، والمتمثل بإصدار موسوعة الموصل الحضارية سنة 1992 بخمسة أجزاء، كرس الجزء الرابع منها لتناول تاريخ الموصل الحديث بين سنتي 1516و 1918.
ومن بحوث هذا الجزء " الموصل بين السيطرة العثمانية وقيام الحكم ألجليلي" علاقة الموصل بالولايات العثمانية الأخرى" و" الموصل خلال الحكم ألجليلي" " الموصل وولادة بغداد من المماليك " الموصل في العهد ألحميدي" " الموصل في العهد الاتحادي " الموصل والحركة العربية القومية في مطلع القرن العشرين" كما ضم حوثا أخرى تناولت نظم الإدارة والجيش والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . فثمة بحوث عن " التشكيلات العسكرية والمحاكم والقضاء والحياة الفكرية في الموصل أبان العهد والنشر والصحافة في الموصل وتجارة الموصل في العصر العثماني.
أن الدراسات العراقية عن العصر العثماني، تتميز بجديتها وحرصها على الالتزام بالمنهج العلمي" كما أنها لا تقتصر على تناول التاريخ السياسي، بل تهتم بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهي –فوق هذا وذاك -  دراسات حديثة وفنية بالقياس إلى الدراسات الأخرى التي تناولت فترات سابقة عن العهد العثماني" لذلك فأنها   أسهمت في رفد المكتبة التاريخية العربية بأعمال عديدة وألقت أضوء كاشفة على هذا العصر المهم وساعدت في تخليصه من تهمة الظلام " والركود التي روجت عنه ردحا من الزمن . والأمل كبير في أن يواصل مثلوا المدرسة التاريخية في العراق جهودهم في مجال سد الثغرات والنواقص التي تعتري بعض جوانب حركة التاريخ العثماني ، وتقديم أفضل الدراسات التاريخية عنها ، وكذلك في تخطي بعض العقبات من قبيل تبعثر الوثائق وتناثرها وقلة المتخصصين باللغة التركية، وأخيرا السعي لجمع المخطوطات المتعلقة بالعصر العثماني والعمل على نشرها والعمل على نشرها ووضعه في متناول الباحثين والقراء عموما.

عبد الأمير الحصيري 1942-1978 ..شاعر من العراق

               عبد الأمير الحصيري 1942-1978 ..شاعر من العراق

عبد الأمير الحصيري شاعر عراقي  معاصر ..ولد سنة 1942 وتتجلى في شعره ثلاثة ركائز ،كما يقول الأستاذ  جمال مصطفى مردان ،في كتابه : " شعراء من العراق " هي البلاغة العربية ،والمطولات الشعرية ،والصور الشعرية .وقد نظم في جميع البحور  الشعرية ..له تسعة دواوين .ومع أن هناك الكثير من الدراسات والأطروحات التي كتبت عنه في مختلف اللغات إلا انه كان  - وكما كنا نراه في شوارع بغداد في أواسط الستينات من القرن الماضي- يعد من بقايا شعراء الصعاليك ..كان بوهيميا ويلحظ ذلك في ملابسه وسلوكه وتصرفاته ..توفي في أحد فنادق بغداد المتواضعة  سنة 1978 بعجز في القلب .
   ولد عبد الأمير الحصيري في النجف الاشرف  وفي بيئة مولعة بالأدب والشعر واللغة .لذلك مال إلى الشعر منذ صغره وقد جاء بغداد ليكمل دراسته إلا انه لم يفعل ذلك .وقد عرفه البغداديون بملابسه المتهدلة العتيقة وبلحيته  الكثة وكثيرا ما كان يثير لدى البعض وخاصة من الذين كانوا لايعرفونه السخرية لكنه بالمقابل كان يثير في دواخل الشعراء والأدباء عقدة عندما يعمد إلى كشف أخطائهم النحوية واللغوية والعروضية .
   ساعده بعض أصدقائه ممن تولى المسؤولية الثقافية الرسمية بأن عينوه محررا في جريدة المواطن لكنه اثر حياة التشرد بإرادته راضيا بالنوم على الأرصفة والشوارع قانعا بشخصيته وسلوكه ..وعندما كان يواجه بالسؤال عن ما يفعله يقول انه يعجز عن تفسير ما يختلج في أعماقه .
اصدر ديوانه الأول  أواخر الخمسينات من القرن الماضي وكان بعنوان : " أزهار الدماء " .وفي سنة 1962 اصدر ديوانه الثاني : " معلقة بغداد " وفيه مطولة شعرية زادت أبياتها على أل 281 بيتا .
    يقال انه كان على دراية كبيرة بتاريخ بغداد وحضارتها الزاهرة .وكثيرا ما تعرض لحالات من الإحباط والخيبة المستمرة في حياته والطريف انه ظل عازبا وكان لايعرف المرأة  جيدا ،وعلى الأغلب كان في قرارة نفسه خجولا .
   عين في سنة 1973 محررا في القسم الثقافي في مجلة وعي العمال وبتأثير الأستاذ عزيز السيد جاسم وكان يعطف عليه ويعرف قدراته الشعرية والأدبية إلا أن الحصيري لم يستطع الالتزام بمسؤولية العمل في المجلة وانتقل إلى العمل في الإذاعة والتلفزيون كمصحح لغوي .
   من دواوينه فضلا عن ديوانيه الأول والثاني :
*ديوان بعنوان "بيارق الآتين " 1969
*ديوان بعنوان "سباب النار " 1970
*ديوان بعنوان " أنا الشريد 1969
*ديوان بعنوان " مذكرات عروة بن الورد " 1973 .
*ديوان بعنوان "تشرين يقرع الأجراس " 1974 .
*ديوان بعنوان " أشرعة الجحيم " 1974 .
*ديوان بعنوان "تموز يبتكر الشمس " 1976 .
  كما ان له ديوانا بعنوان : " أحلام بابل " اختفت نسخته المخطوطة بعد وفاته مباشرة .
   رثي من قبل العديد من أصدقائه ومما قاله احدهم :
لقد رحل بعبع الشعراء
وارتاح البعض منه
بكاه الكثير من محبي الأدب والشعر
وكانت النهاية
لقد رحل عبد الأمير الحصيري
مات
ومات
وانتهت رحلة التشرد
*كتابة الدكتور إبراهيم خليل العلاف

كتابات الموصل وخطوطها الباقية في المساجد الجامعة خلال العصر العثماني

لوح تذكاري على جامع الزيواني 1193 هجرية -1779 ميلادية
   كتابات الموصل وخطوطها الباقية في المساجد الجامعة خلال العصر العثماني

   نوقشت على قاعة ابن الأثير بكلية الآداب –جامعة الموصل رسالة الماجستير الموسومة : "كتابات الموصل وخطوطها الباقية في المساجد الجامعة خلال العصر العثماني حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري التاسع عشر الميلادي " ،والتي قدمتها السيدة ميادة يوسف فرحان ألجميلي إلى مجلس كلية الآداب بأشراف الأستاذ الدكتور احمد قاسم الجمعة .وقد تألفت لجنة المناقشة من الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف مدير مركز الدراسات الإقليمية رئيسا وعضوية كل من الدكتور محمود عبد محمد والدكتور عبد الجبار حامد فضلا عن المشرف .وقد تألفت الرسالة من خمسة فصول ومقدمة وخاتمة تابعت فيها الباحثة الكتابات  على جامع جمشيد وجامع الشيخ محمد وجامع عمر الأسود وجامع الشيخ عبدال وجامع النبي جرجيس والجامع ألمجاهدي وجامع الباشا وجامع النبي جرجيس وجامع الزيواني .
    ومما يجدر ذكره أن الباحثة قامت عن طريق الدراسة الميدانية بحصر (28 ) نصا كتابيا تضمن آيات من القران الكريم وألواحا تذكارية وكتابات ذات أهمية حضارية كبيرة في مجال الفنون الإسلامية منها نص تذكاري مهم تم التعرف عليه من قبل الباحثة وهو اللوح الواقع في جامع الزيواني والذي يرجع إلى سنة 1193 هجرية الموافق 1779 ميلادية ويمكن للقارئ الاطلاع عليه إلى جانب هذه السطور .
                                 كتابة الدكتور إبراهيم خليل العلاف

السبت، 30 أكتوبر 2010

احمد سامي ألجلبي ووحدة الخدمات الاجتماعية في الموصل

الاستاذ احمد سامي الجلبي عندما كان مديرا لوحدة الخدمات الاجتماعية في الموصل بين سنتي 1968-1983
الاستاذ احمد سامي الجلبي في الوسط ومن اليمين الاستاذ نزار المختار ومن اليسار الدكتور ابراهيم خليل العلاف 
 احمد سامي ألجلبي ووحدة الخدمات الاجتماعية في الموصل

ا.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

     شهدت الموصل في سنوات الستينات من القرن الماضي  وما بعدها ،اهتماما  كبيرا بمؤسسات الخدمة الاجتماعية .وكان إلى جانب مكتب العمل لمحافظة نينوى مديرية قائمة بذاتها اسمها  : "مديرية وحدة الخدمات الاجتماعية في نينوى " وكانت هذه المديرية تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية وقد تأسست الوحدة في 26 كانون الأول سنة 1968 .وكان على رأس هذه الوحدة  عند تأسيسها،الأستاذ احمد سامي ألجلبي ،والذي كان له دور كبير في تطويرها .
    ولد احمد سامي ألجلبي  في الموصل سنة 1932 وأكمل دراسته فيها ثم التحق بكلية التجارة سنة 1950  ،لكنه ترك الكلية بعد أن خير بين الكلية والتعيين موظفا في مديرية الحسابات العسكرية بوزارة الدفاع، وقد عمل في شعبة التدقيق وظل حتى سنة 1956 حين نقلت خدماته إلى مديرية الأوقاف العامة بالموصل .وفي سنة 1964 انتقل إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وتدرج في الوظائف حتى أصبح مديرا لوحدة الخدمات الاجتماعية في الموصل سنة 1968 . وفي سنة 1983 طلب احالته على التقاعد ،وكان خلال عمله في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قد كلف بمهمة مراسل وكالة الانباء العراقية في الموصل بين سنتي 1965 -1969 .
   كان الأستاذ ألجلبي -  رحمه الله  -يرى بأن دائرته ابتعدت عن المفهوم السابق للخدمات الاجتماعية ،والذي كان يذهب باتجاه مفهوم الصدقة والعطف إلى مفهوم التعرف على الاحتياجات الإنسانية للإفراد، واعتبار الخدمة الاجتماعية عملية وقائية إنشائية .
    لقد تشكلت مديرية وحدة الخدمات الاجتماعية في نينوى ،وهي إحدى المديريات التابعة لمديرية الخدمات الاجتماعية العامة ،لتتولى تنفيذ برنامج وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في إيصال الخدمة الاجتماعية إلى اكبر عدد ممكن من المواطنين ،وتأمين الرعاية الكاملة لهم عن طريق المؤسسات الاجتماعية العديدة التي تضمها هذه المديرية والتي تم فتحها في سنة 1968 .
   كان يعمل في مديرية وحدة الخدمات الاجتماعية ،عدد من المتخصصين في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع وتربية الأطفال والتدبير المنزلي والتدريب المهني والخدمة الاجتماعية ،ذلك أن الخدمات التي تقدمها الوحدة عن طريق مؤسساتها عديدة ومتنوعة، منها تأمين الحياة الكريمة للمحرومين منها كاليتامى والمسنين والمقعدين، ومنها إصلاحية وتوجيهيه وتربوية. فضلا عن تدريب المرأة في المناطق الفقيرة .
   ارتبطت "بمديرية وحدة الخدمات الاجتماعية" المؤسسات التالية :
1.معهد رعاية البنات ،وهو مؤسسة اجتماعية تتولى تأمين الرعاية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للتلميذات اليتيمات، وصرف مخصصات يومية لهن وتعليمهن أنواع المهارات والحرف وإلحاقهن بالمدرسة لمختلف المراحل .
2. دار رعاية المسنين والمقعدين، وتتولى تأمين الرعاية للمسنين والمقعدين ومن ليس له وسيلة كريمة للعيش من الذكور والإناث .
3.دار الملاحظة وفيها يتم توقيف الأحداث  الذين تقرر السلطات المختصة توقيفهم ريثما تتم عملية تقديمهم للمحاكم وخلال تواجدهم تجرى لهم الفحوصات الصحية والاجتماعية وتوجيههم إلى العمل وتقويمهم
4.المركز الاجتماعي ويهدف إلى رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي والصحي والثقافي عن طريق تنمية القابليات وتدريب النساء على الحرف والمهارات كالخياطة والتطريز والحياكة والضرب على الآلة الطابعة وأعمال المطبخ والهدف من هذا كله تنمية دخل الأسرة واستغلال أوقات الفراغ بما هو مفيد من الأعمال والهوايات .
5.دار رعاية الأحداث وتؤمن رعاية اليتامى وتقديم الرعاية الشاملة لهم وإعدادهم للحياة .
6.دار الحضانة وتتولى احتضان الأطفال، وتهيئة الظروف المناسبة لتنشأ تهم وبما يكفل نموهم وتقويم اتجاهات سلوكهم ومن خلال برامج اجتماعية وتربوية محددة .
7.مديرية سجن نينوى  :كان في الموصل سجن قديم يقع في مكان قريب من مركز الشرطة العام  وباب السراي وقد هدم وانشأ ت مكانه بناية مصرف الرافدين .أما بناية السجن الجديد فقد بنيت سنة  1934 في محلة قريبة من الباب الجديد وأصبحت تسمى بمحلة السجن . وقد هدمت البناية هذه كذلك وتأسس  اليوم سجن جديد في بادوش .وكانت مديرية السجن منذ الانتقال إلى البناية الجديدة في محلة السجن ، تتولى تدريب السجناء على المهن .وقد ذكر الدكتور ذنون الطائي في كتابه : "الأوضاع الإدارية في الموصل خلال العهد الملكي 1921- 1958 " أن مديرية السجون العامة قررت سنة 1933 زيادة فروع الصناعات في سجن الموصل وشراء مطبعة صغيرة لتدريب السجناء على العمل فيها حتى أن إيرادات المصنوعات في السجن ازدادت كثيرا .وفي عهد إدارة الأستاذ ألجلبي كانت مديرية سجن نينوى  تتولى  السعي لتأهيل السجناء وإصلاحهم وتهذيبهم وتعليمهم من خلال برنامج محو الأمية وتدريبهم على المهارات كالخياطة والحياكة والنسيج والنجارة وتصليح المكائن وغير ذلك من المهن المفيدة وبما يؤهلهم على مواصلة الحياة بعد خروجهم من السجن وانتهاء مدة حبسهم .وقد دأبت المديرية على إنشاء مكتبة لهم وإمدادها بالكتب والصحف وتطبيق برنامج لمحو الأمية بينهم وقد نسقت المديرية مع مديرية التربية لتنسيب معلمين متخصصين لهذه الأغراض .
    لقد قدمت المديرية في عهد مديرها الأستاذ احمد سامي ألجلبي، كثيرا من الخدمات أبرزها السعي باتجاه تطبيق الضمان الصحي وضمان التقاعد ، وضمان إصابات العمل وبحيث تتم العناية الصحية بالعامل المريض ،وصرف الإعانة للمرضى في حالة انقطاع أجورهم وبنسبة محددة وصرف الرواتب التقاعدية للعمال المحالين على التقاعد وشمولهم بالرعاية الصحية خلال إصابتهم أثناء العمل وصرف أجور العمال كاملة خلال فترة الإصابة والمعالجة .
ومن المناسب الإشارة إلى أنني سمعت الأستاذ احمد سامي ألجلبي يقول بأنه كان  من مهام وحدته إدارة شؤون الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الموصل وخاصة في مجال إسكانهم وإدارة شؤونهم المختلفة وصرف مخصصات مالية لهم تساعدهم على تمشية أمورهم . وقد أشار الأستاذ الحاج عبد الجبار الجرجيس في كتابه : دليل الموصل العام "  المطبوع سنة 1975 إلى أن عدد العوائل الفلسطينية المسجلة في  تلك الوحدة بلغ آنذاك 55 عائلة مجموع أفرادها 334 فردا في حين بلغت المخصصات الشهرية التي كانت تصرف لهم 283500 دينارا وكانوا موزعين على أربعة ملاجئ مؤجرة من قبل وحدة الخدمات الاجتماعية .وقد بلغت القيمة المالية للإيجارات 1550 دينار سنويا .
   وكثيرا ما كانت مديرية وحدة الخدمات تقوم بعقد ندوات تثقيفية ،وسفرات وحفلات ترفيهية وكذلك إقامة أسواق خيرية خلال السنة .ويضيف الأستاذ الجرجيس أن الوحدة كانت سنة 1975 تضم إضافة إلى مقر الوحدة المركز الاجتماعي، ومعهد رعاية البنات ،ودار رعاية المسنين ،وإدارة شؤون الفلسطينيين .وان من أهدافها التي أضيفت لها تخليص المجتمع من ظاهرة التسول عن طريق القيام بحملات لجمع المتسولين من الشوارع وإيواءهم ورعايتهم، وان ثمة باحثات اجتماعيات يعملن في المركز الاجتماعي  كن يقمن بزيارات ميدانية لدور المواطنين والإسهام بحل المشاكل الاجتماعية والعائلية ولبث التوعية الصحية والثقافية والاجتماعية .
    وكثيرا ما حدثني الأستاذ احمد سامي ألجلبي عن نشاطاته في تلك المديرية وإسهاماته في حضور الندوات والمؤتمرات داخل العراق وخارجه حتى انه كان يمثل الوزارة في بعض الندوات والمؤتمرات ،ويلقي بحوثا كانت تنال اهتماما جادا من لدن منظمي تلك النشاطات .ومن المؤكد أن  في ميراث ألجلبي الفكري والأدبي والصحفي يحوي نسخا من تلك البحوث وأعرف أن ملخصات بعضها وجدت لها طريقا إلى صفحات جريدة فتى العراق التي كان يرأس هيئة تحريرها .
   خلال السنة 1979 قام الأستاذ عباس خضير عباس ،وهو من الكتاب المولعين بتسجيل نشاطات وانجازات وتاريخ المحافظات، بزيارة وحدة الخدمات الاجتماعية في الموصل واتصل بمدير الوحدة الذي تحدث له عن دائرته وأودع المؤلف ما حصل من معلومات في كتابه الموسوم : " نينوى بين الأمس واليوم " طبع ببغداد سنة 1979 .كما تضمن التحقيق صورة فوتوغرافية لمدير الوحدة الأستاذ احمد سامي ألجلبي ، مع صورة لنخبة من تلميذات معهد رعاية البنات في نينوى. وقد عدت تلك المعلومات قاعدة أساس للكتابة عن تلك الوحدة ومجهودات الأستاذ ألجلبي فيها . ومما ينبغي ذكره أن الأستاذ ألجلبي ترك مؤلفات مطبوعة ومخطوطة ومن المؤلفات المخطوطة كتابين اولهما  بعنوان : "الخدمات الاجتماعية العمالية في الموصل " سجل فيه تجربته في مجال الخدمة والرعاية الاجتماعية  .وثانيهما كتاب بعنوان : "تطور الخدمات الاجتماعية في العراق " .كما ان له كتاب بعنوان : "محطات على الطريق "  .ومن مؤلفاته المنشورة كتابه : " صفحات مطوية من تاريخ الصحافة الموصلية " .

الجمعة، 29 أكتوبر 2010

مجلة الثقافة ..مجلة المجموعة الثقافية في الموصل 1958

الصفحة الاولى من مجلة الثقافة
صورة لطلبة من ثانوية الصناعة في المعمل
الصفحة الاولى من مجلة الثقافة
غلاف العدد الاول من مجلة الثقافة
رسالة من الاستاذ نزار محمد المختار الى كاتب هذه السطور
 مجلة الثقافة ..مجلة المجموعة الثقافية في الموصل 1958

   ا.د.إبراهيم خليل العلاف
 أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

     في رسالته المؤرخة 1 كانون الثاني سنة 2010 والتي أرسلها الي  قال الأستاذ نزار محمد المختار التربوي الموصلي الكبير انه عثر بين أوراقه الشخصية على العدد الثاني من مجلة "الثقافة " التي أصدرتها المجموعة الثقافية بالموصل ،وهو يحمل تاريخ نيسان 1958 وكان يشرف عليها الأستاذ شاذل طاقة مدرس اللغة العربية في الدار آنذاك والشاعر المجدد الموصلي المعروف والذي تسنم وزارة الخارجية في السبعينات من القرن الماضي .وأضاف الأستاذ نزار المختار إلى ذلك قوله انه كان يحتفظ بالعدد المشار اليه من مجلة الثقافة، ولايدري ما حل بالعدد الأول منها .وطلب مني أن تكون المجلة من ضمن اهتماماتي وأنا اؤرخ لحركة الثقافة العراقية المعاصرة وللتراث الثقافي والأدبي لمدارس الموصل خلال القرن الماضي .
   ولحسن الحظ عدت إلى أوراقي الشخصية فوجدت العدد الأول  من مجلة الثقافة والذي يحمل تاريخ آذار 1958 .وها أنا أكرس هذه المقالة لمتابعة تلك المجلة التي تعد – بنظري – نقلة نوعية في تاريخ الصحافة المدرسية ليس في الموصل وحسب بل وفي العراق كله.
 وبشكل سريع أعود إلى العدد الأول (آذار 1958 ) من مجلة الثقافة لأجد في ترويستها عبارة أن" مجلة الثقافة مجلة مدرسية تصدرها المجموعة الثقافية بالموصل" ، وكانت المجموعة الثقافية تضم دار المعلمين الابتدائية وثانوية الصناعة ومتوسطة الزراعة وتشغل مكانها اليوم بنايات جامعة الموصل .أما العدد الثاني (نيسان 1958 ) فقد ورد في الترويسة ما يشير إلى أن "مجلة الثقافة تصدرها المجموعة الثقافية بالموصل ..دار المعلمين الابتدائية ،ثانوية الصناعة ،متوسطة الزراعة " هذا في وسط الصفحة من الجهة العليا .أما الجهة اليسرى ، فترد عبارة "يشرف على تحريرها شاذل طاقة مدرس اللغة العربية في دار المعلمين الابتدائية" .وفي الجهة اليمنى عبارة " العدد الثاني وتحتها عبارة السنة الأولى ثم نيسان 1958 وعبارة طبعت في مطبعة الحصان –موصل " .
  العددان بصورة جيدة جدا وحجم المجلة 28 x19 سم وبورق جرائد اسمر رخيص ولكن بحروف جميلة وطبع أنيق .وقد ضم العدد الأول 32 صفحة .أما العدد الثاني فأحتوى على 28 صفحة . ومن الطريف أن صورة غلاف العدد الأول كانت قد رسمت من قبل الفنان التشكيلي الموصلي الأستاذ نجيب يونس مدرس الرسم في دار المعلمين الابتدائية وهي تمثل مدارس المجموعة الثقافية الثلاث ترفع كلمة الثقافة على رؤوسها .أما الصورة العليا في الغلاف فهي كاريكاتير يمثل احتياجات المجموعة ونواقصها .وفي  غلاف العدد الثاني تتمثل صورة  الثور المجنح الذي عثرت عليه مديرية الآثار العامة آنذاك قريبا من موقع المجموعة الثقافية وقد قام برسم التمثال الأستاذ ضرار القدو مدرس الأعمال الفنية في الدار .
   قدم الأستاذ محمود الجومرد مدير المجموعة الثقافية للعدد الأول بكلمة عنوانها : "أعزائي طلاب المجموعة الثقافية " قال فيها مخاطبا الطلاب :"انتم تعيشون في عصر ،أخذ المفكرون يسمونه عصر الفضاء ...ولامفر لنا من أن نساير ركب العلم والحضارة ... وتستطيعون أن تكونوا مع الصاعدين إلى الأقمار و...تستطيعون أن تكونوا مع المفكرين الخالدين إذا ما حاسبتم أنفسكم وعرفتم قدرها لتفتح لكم بابا من أبواب المعرفة ..." .  أما العدد الثاني فكانت كلمة الأستاذ الجومرد بعنوان : " الأخلاق والذكاء صفتان متلازمتان " أكد فيها أن "كل خلوق ذكي ،وكل ذكي خلوق ...لان الذكي يتكيف للظروف ويعرف النافع من الضار ... " .
    ضم العدد الأول مقالات منها : " كل شيئ عن المجموعة " وجاء فيه ان المجموعة تأسست سنة 1956 01957 الدراسية وينتمي إليها 479 طالبا وملاكها يتألف فضلا عن المدير ومعاونيه الثلاثة من 30 مدرسا موزعين على دار المعلمين الابتدائية ومتوسطة الزراعة وثانوية الصناعة .ومن المقالات مقال عن "الطيور أثناء طيرانها " بقلم إبراهيم رسام ملاحظ متحف التاريخ الطبيعي في المجموعة،ومقال "الكيمياء والتربة " لعبد الجبار السماك مدرس الكيمياء في المجموعة،ومقال "أهمية الحليب كمادة غذائية " لحيدر عمر المدرس في متوسطة الزراعة ومقال "وجه الحياة " للطالب نديم احمد الياسين ومقال "تكريت في الماضي التليد " للطالب داؤود ماهر التكريتي ومقال " فن التجليد عند العرب " للطالب محمد نوري احمد ومقال "المرأة والحضارة الأوربية " لمصطفى محمد بلال الطالب في دار المعلمين الابتدائية ومقال " الكيمياء والسلم والحرب " لصابر عزيز عقراوي الطالب في الدار و"الخس " للطالب خالد داؤود الراوي الطالب في متوسطة الزراعة، ومقال " التبغ في منطقة كرسي " للطالب بركات خلف ومقال "الآفات الزراعية في العراق " للطالب خالد محمد نجيب ومقال " مشكلات الريف العراقي " للطالب يعقوب عيسى تبو ومقال " التعليم في القرية والمدينة " للطالب أكرم شيت احمد ومقال "الغاية من التربية " للطالب جميل مجيد حراق ومقال " عزيزي الطالب " للطالب دنخا إيليا البلاني ومقال "الخلق الرياضي " للأستاذ حازم الطالب مدرس الرياضة في الدار .وهناك مقالات قصيرة كتبها عدد من الطلاب منهم حازم محمد حسن "درس غريب " وجمال محمد صالح "وطغى الماء !!" وعبد شاكر مصطفى " مدارسنا في العصر الحديث " وطارق طاقة " كم مثله تحت الدجى " وزكي حميد " حجر في الطريق " ومحمد نوري محمد "الصداقة والصديق " .وهناك بابا للشعر حيث وجدنا قصائد منها قصيدة لسالم حسين واغلب الظن انه الشاعر سالم الخباز وكان طالبا في الدار والقصيدة بعنوان : " الأعمى يتحدث " كما أن في العدد باب بعنوان : تنبؤات العدد الأول " و"صور من حياة الطلبة " وهو ريبورتاج كتبه سالم حسين ومحمد ذاكر حسين وطارق طاقة وفيه صور فوتوغرافية لطلبة المجموعة وهم في المرسم والنادي والمختبر ومعمل النجارة .كما أجرت المجلة استفتاء بعنوان : لماذا فضلت الدراسة في دار المعلمين الابتدائية ؟ " وجهته إلى الطلبة واسهم في الإجابة عدد من الطلبة منهم غانم عبد الرحمن وعبد الإله يحيى الحمداني ويوسف محمد نجم وعبد الوهاب شاهين وجميل مجيد حراق وحكمت الطعان وزهير حموشي الرومي .
   في العدد الثاني من مجلة الثقافة نقرأ برقيات من وزير المعارف (التربية )عبد الحميد كاظم ومن مدير المعارف العام ومن مدير معارف لواء الموصل مؤرخة في آذار 1958 يعربون فيها عن تسلمهم العدد الاول من المجلة ويهنئون مدير المجموعة على إصدارها .كما نقرأ حوارا مع مدير المجموعة الأستاذ الجومرد ومقالات عديدة منها : " الهواء بنسلين طبيعي " لعبد الجبار السماك مدرس الطبيعيات في ثانوية الصناعة و "فروع قسم المعادن ..هل تنسجم ؟ " لماهر سعيد رئيس قسم المعادن في ثانوية الصناعة و"مستقبل طلاب المدارس الصناعية " لفاضل امين المدرس بقسم البرادة في ثانوية الصناعة و"ماذا تعرف عن السنة الجيوفيزيائية ؟ " لفخري علي الخفاف مدرس الفيزياء في الدار و " من تاريخ الموصل " لداؤود ماهر التكريتي وكامل التكريتي و"إمكانيات العراق الزراعية " ليحيى شريف الطائي  الطالب في متوسطة الزراعة و" التطور الصناعي في العراق " للطالب حازم يحيى و" قم للمعلم " للطالب عبد المجيد محمود جمعة و" التعليم المنشود " للطالب حازم احمد فتحي و" الرياضة في مدرستي الزراعة والصناعة " لزكي إبراهيم حسن مدرس الرياضة في مدرستي الزراعة والصناعة .وفي العدد أعمدة منها عمود بعنوان : "كيف تقرأ ؟ " و"اغسل قلبك " و" هل تعلم ؟ " و"شذرات علمية " جمعها صديق محمد عبد الله الطالب في الدار .وهناك صورا من فعاليات الطلبة : ساعة مع فرقة التمثيل "بقلم ن .أ . أ. الطالب في الدار وريبورتاج  لعشاق الطبيعة والحياة في سفرة دار المعلمين الابتدائية إلى النوران كتبه نديم احمد الياسين وقصائد لبشير يحيى الجرجيس وسالم حسين واداب الرياضة لعبد المالك سليمان الطالب في الدار وعمود بعنوان : " يعجبني ولا يعجبني " .وفي العدد صور فوتوغرافية لطلبة النحت أمام فرن الفخار وصور لطلبة في معمل ثانوية الصناعة وما يتأثر به الطلاب عن استفتاء أجراه معهد أميركي لمعرفة اهم المؤثرات في عقول الشباب .وثمة مقالات مترجمة منها مقالة بعنوان : " الحب الخالد " للشاعرة الانكليزية اليزابيث براوننك ترجمة إدريس رزوقي النقاش مدرس الانكليزية في ثانوية الصناعة .
    حقا ، لقد عكس العددان الأول والثاني من مجلة الثقافة نشاطات وفعاليات وقابليات أساتذة المجموعة الثقافية ،وعدد من طلبتها .ومما يؤكد ذلك التنوع في المقالات والتغطية الشاملة لدور المجموعة الثقافية في تنشيط الحركة التربوية والاجتماعية والثقافية في مدينة الموصل في وقت لم يكن هناك فيها جامعة تقوم بهذا الدور .تحية لمجلة الثقافة (الموصلية ) في ذكرى إصدارها ال 52 والتوفيق لمن أسهم فيها وهو اليوم على قيد الحياة ،والرحمة لمن توفي منهم ..فقد كانوا طلبة متميزين ومن المؤكد أن معظمهم كان له بصمة واضحة في جدران حركة الحياة في موصلنا العزيزة وعراقنا العظيم .

"وحي الشباب " نشرة لجنة الخطابة العربية في ثانوية الموصل 1937-1939

غلاف نشرة الثمرات الاولى 1938 تحررها نخبة من اعضاء لجنة الخطابة العربية لطلاب ثانوية الموصل طبعت في المطبعة الجديدة
غلاف نشرة وحي الشباب العدد الصادر في مارت (اذار )1939
رسالة الاستاذ نزار المختار الى كاتب هذه السطور مؤرخة في 1-1-2010
                                 "وحي الشباب "
 نشرة لجنة الخطابة العربية في ثانوية الموصل 1937-1939

 ا.د. إبراهيم خليل العلاف
 أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل

     في الأول من كانون الثاني 2010 ، أرسل لي الأستاذ الصديق نزار المختار رسالة، وبرفقتها أربعة أعداد  من نشرة "وحي الشباب " ،التي كانت لجنة الخطابة العربية في المدرسة الثانوية في الموصل  قد أصدرتها .ومما اخبرني به أن هذه ألأعداد  كان يحتفظ بها شقيقه الأستاذ برهان  المختار - رحمه الله - عندما كان طالبا في تلك المدرسة .وقال  لي الأستاذ نزار المختار أن  نشرة وحي الشباب  أو بالأحرى "مجلة وحي الشباب" لأنها صدرت بهيئة مجلة تضم عددا من الصفحات وصلت إلى 64 صفحة ،سبقتها نشرة بأسم "الثمرات الأولى " ،وأنك في دراستك عن "إعدادية الموصل "التي نشرت في تشرين الأول 2005 تطرقت  إلى النشرة أو المجلة المذكورة ولكنك أسميتها  " الشباب" واغلب الظن أنك قصدت  "وحي الشباب " .وأضاف الأستاذ نزار المختار" إلى أن النشرات التي أرسلها  لي  قد أصابها التلف وفقدت بعض صفحاتها ولكن لازالت في الصفحات الباقية آثار لأولئك الشباب من أبناء الثانوية ومدرسيهم الأفاضل رحمهم الله جميعا ،آثار تحكي نشاطاتهم وتقتفي غبار عبقهم وما يميز نكهة  سنوات الثلاثينات من القرن الماضي الطيبة الصادقة المعطاء ".وهكذا وجدت واقع تلك النشرات عندما شرعت بتقليب صفحاتها  ومعايشتها وجدانيا وبما يتطلبه عملي كمؤرخ .
     المهم ها أنا أقدم ما أرسله لي أستاذنا نزار المختار للقراء الكرام وخاصة من أبناءنا الطلبة والتمس منهم أن يضعوا تجارب من سبقهم أمام أنظارهم ويقتدوا بما فعل أولئك،وفي ظروف لم تكن أكثر ملائمة من ظروفنا الحالية .
   وحي الشباب كما جاء في ترويستها : " نشرة أدبية اجتماعية يحررها فريق من طلاب المدرسة الثانوية ،وتقوم بترتيبها وإعدادها للطبع هيئة من أعضاء لجنة الخطابة العربية " . هيئة التحرير :محمد عزة العبيدي ،ذنون يونس الشهاب ، فخري نوري ، محمد توفيق حسين ، محمد الحاج خليل . والى جانب الترويسة آية قرآنية : " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وهي من جهة  يسار الترويسة .وتحت الترويسة ذكر تاريخ النشرة  بالسنة الميلادية ،وعبارة "ثانوية الموصل " في الوسط ، ثم التاريخ بالسنين الهجرية .
     ليس أمامي سوى أن أعرض  ما توفر لي من النشرة- وهي كما قلت -  أربعة أعداد وكما يلي :
1.العدد الأول الذي بأيدينا مؤرخ في السنة الدراسية 1937-1938 .ويغطي  أحداث حفلة مباراة خطابية عامة جرت في صفر 1357 هجرية الموافق لسنة 1938 . وصفحاته تبدأ من الصفحة 3 وتنتهي بالصفحة 28 .
2.العدد الثاني الذي بأيدينا مؤرخ سنة 1938 ويبدأ من الصفحة 21 أي أن الصفحات من 1-20 ممزقة وينتهي عند الصفحة 52 وثمة صفحات اخرى غير موجودة .
3.العدد الثالث الذي بأيدينا مؤرخ في سنة 1938 ويغطي الاحتفال بذكرى مولد الرسول الأعظم في 12 ربيع الأول 1357 هجرية الموافق 1938 . وصفحاته تبدأ من الصفحة 9 وتنتهي بالصفحة 46 .
4.العدد الرابع الذي بأيدينا مؤرخ  في مارت (آذار ) سنة 1939 الموافق ل"صفر سنة 1358 هجرية " . وتبدأ صفحاته من 1 وتنتهي بالصفحة 64 وهذا هو العدد المتكامل نوعا ما ولكن هناك نقص في نهاية صفحات النشرة .وعلى الأكثر فليس ثمة نقص كبير في الصفحات واعتقد أن النقص طال قائمة محتويات العدد .
     من محاسن الصدف أن مدير ثانوية الموصل آنذاك "الأستاذ بهجة فيض الله النقيب " ،كتب مقدمة للعدد الذي صدر - كما قلت -  في مارت 1939 قال فيها : " انه ابتداء من السنة الدراسية قبل الماضية أي السنة الدراسية 1937-1938 رأينا من الضروري جدا تشكيل لجنة خطابة عربية من تلاميذ مدرستنا لتعويدهم على الجرأة الأدبية وغرس ملكة الخطابة فيهم ولتعليمهم أصول إدارة الجمعيات والبرلمانات وأنظمتها ولإعطائهم حرية الكلام عما يجول في أفكارهم وفي معتقداتهم .فتشكلت أول لجنة بأكثر من خمسين عضوا من مختلف صفوف المدرسة بأشرافنا وإرشاد حضرة المدرس السيد سليم عبد الله عرنوق .وكان من جملة أعمال هذه اللجنة إقامة حفلة خطابية في يوم ولادة سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم في 12 ربيع الأول  1356  هجرية ،وكذلك إقامة حفلة مباراة خطابية عامة دعي إليها أدباء البلدة وكبار موظفيها وأولياء أمور التلاميذ في شهر صفر 1357 .وكذلك إقامة حفلة خطابية ثانية في يوم ولادة الرسول الأعظم في 12 ربيع الأول 1357 " .
   ثم أدرج المدير ما قامت به لجنة الخطابة وأعمالها البارزة ومنها إصدار ثلاث نشرات تحتوي على جميع الخطب والقصائد التي ألقيت في حفلة المباراة السابقة الذكر  ،والنشرة الثانية تحتوي على جميع الخطب والقصائد التي ألقيت والتي لم يتسع الوقت لإلقائها في حفلة المولد النبوي الشريف للسنة الهجرية المنصرمة  . أما النشرة الثالثة وسميت ب"الثمرات الأولى " فتحتوي على عدة مقالات وقصائد للتلاميذ من مختلف الصفوف .وقال المدير إن الشيء المهم الذي يلفت النظر في جميع الخطب والقصائد والمقالات في تلك النشرات الثلاث أنها "تحمس التلاميذ الشديد للعروبة وإخلاصهم لرمز القومية العربية صاحب العرش المفدى غازي الأول المعظم  (ملك العراق 1933- 1939 )،وشهامتهم ونخوتهم نحو أبناء الشقيقة المعذبة فلسطين .ولقد وجب علينا أن نسمي هؤلاء التلاميذ بحق (وهذا شعورهم وهذه عقيدتهم ) بالتلاميذ الانجاب (النجباء ) .ورأت هذه اللجنة أن من واجبها أن تصدر نشرة رابعة في وسط هذه السنة الدراسية 1938-1939 وتسميها ب "وحي الشباب " .ولقد انتخب أعضاء هذه اللجنة هيئة خاصة مشكلة من خمسة أعضاء لجمع المقالات من التلاميذ وترتيبها والقيام بطبعها .ومعنى هذا أن الأعداد الثلاثة من النشرات التي  عرضت  لها قد تكون قد صدرت بأسم  "الثمرات الأولى " .أما العدد الرابع فهو الذي صدر بأسم : " وحي الشباب " .ومما يقوي هذا الاعتقاد أن الأعداد الثلاثة التي بأيدينا من النشرة تفتقد الصفحات الأولى بما فيها عنوان النشرة وترويستها والمقدمة .أما النشرة الرابعة فهي الوحيدة التي تجعلنا نؤكد بأنها صدرت بأسم : " وحي الشباب " اعتمادا على وجود الصفحات الأولى سالمة وإشارة المدير إلى أن النشرات الأولى والثانية والثالثة صدرت بأسم الثمرات الأولى. أما الرابعة فسميت " وحي الشباب " .المهم أن الأعداد الثلاثة الأولى كانت بحجم 18x25 سم .أما العدد الرابع فصدر بحجم 26 x 20 سم .
   أسهم في تحرير الأعداد الأربع عدد من الطلبة وكتبوا موضوعات طريفة ومهمة منها ماكتبه كل من الطالب فخري نوري حول "تأثير العرب على الغرب "، وماكتبه الطالب  عز الدين ألعبيدي " لنعتز بالجيش " والطالب صبري أيوب "شرف المرء زينة دنياه " والطالب إسماعيل بهاء الدين " الغرور والطالب سليمان ناظم العمري "تعب كلها الحياة " والطالب عبد الغني الملاح "القمار ..القمار أو اسر بادت " والطالب فيصل فتاح " اثر المرأة في معترك الحياة " والطالب مؤيد عاصم عبد الحافظ " الأخلاق دعامة القوة والتقدم " والطالب محمد بن صالح زكريا "فوائد الطيران وتأثيره السلمي والحربي " والطالب إبراهيم إسماعيل "على شاطئ دجلة " والطالب هاشم إبراهيم " الحق للقوة " والطالب عبد الكريم محمد "حالة المرأة العراقية " والطالب محمد شيت الحاج عبد الله .والموضوعات هذه كلها ضمها العدد الصادر سنة 1938 والذي ضم كذلك قصائد لعدد من الطلبة منهم الطالب جرجيس فتح الله بعنوان :"السفور والحجاب " ومطلع القصيدة :
قالوا التمدن بالسفور فقلت ما
ضر التمدن غادة بحجاب
إن الحجاب إذا تهذب أمره
كان الكمال وزينة الآداب
يكسوا الفتاة جلالة ومهابة
ويصونها من وصمة المرتاب
أما الطالب ذنون يونس الشهاب فكانت له قصيدة بعنوان : " الوطن العزيز " قال فيها :
خض في غمار الهول لتخش العدا
إن الذي ابتعث النشاط مؤيدا
لا ترض بالجزء اليسير وانما
حاول لكي تحبي الجليل وتسعدا
واستبق شيمة يعرب لاتمحها
في فعلك الباغي تمد له يدا
ان الذي رفع الزمان جدوده
يأبى إباء الحر أن يستعبدا
وكان للطالب إبراهيم فيصل الأنصاري قصيدة بعنوان : " سنعيد المجد للوادي السعيد " وللطالب يوسف أمين قصير قصيدة بعنوان : " العرب وفلسطين " .كما كتب الطالب محسن إبراهيم مقالة أدبية قصيرة بعنوان : " الزهرة " .
  في العدد الثاني (1938 ) الذي كتب مقدمته مدير المدرسة الأستاذ بهجت النقيب وقال فيها إن المدرسة ليست املاءا  لأدمغة التلاميذ بما تشتمل عليه الكتب الدراسية من مواد كثيرة وإنما المدرسة لغاية أسمى من ذلك ألا وهي لتكوين روح طيبة وشعور حي في التلاميذ نحو أمتهم ووطنهم العزيزين ، نقرأ الكثير من المقالات منا ما كتبه الطالب هشام عبد الله الدباغ بعنوان : " سبل الوحدة العربية " وماكتبه الطالب عبد الله طاهر السردار "السبل إلى الوحدة العربية " والطالب جرجيس فتح الله "الشباب وأثره في حياة الأمم " والطالب هاشم إبراهيم " الإيمان بالمبدأ سبيل التقدم " والطالب إسماعيل بهاء الدين ألعبيدي : "الواجب "وثمة قصائد للطالب إبراهيم فيصل الأنصاري والطالب ذنون يونس الشهاب .
   وفي العدد الثالث موضوعات حول ذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كتبها ذنون يونس الشهاب، وعبد القادر ألعبيدي وعبد الله طاهر السردار، وكوكب علي الجميل،وعبد النافع محمود وهشام عبد الله الدباغ وعباس بلال وفخري نوري سليم وعبد الجبار خليل شنشل وهاشم إبراهيم الزبيدي ومحمد شيت الحاج عبد الله الإمام .
    وفي العدد الذي صدر من نشرة "وحي الشباب " في اذار 1939 نجد كلمة لمدير ثانوية الموصل الأستاذ بهجت فيض الله النقيب تحدث فيها عن مهام لجنة الخطابة وأهدافها وأعمالها البارزة وقدم الشكر لأعضائها لمساهمتهم في خدمة لغة الضاد .وكتب "مدرس الأدب العربي في الصفوف العليا بثانوية الموصل الأستاذ السيد رشيد الخطيب " مقالة بعنوان : " جمل يستعان بها في تحليل الكلام الأدبي من شعر أو نثر فني " قال فيها إن الكلام الأدبي هو الكلام الجيد الذي يعجبك إذا قرأته أو سمعته وتمتلئ شغفا به إذا تدبرته وحللت معانيه وأخيلته وما اشتمل عليه من التشبيهات البديعة والاستعارات الجميلة " .أما السيد أمين طليع مدرس الاقتصاد في ثانوية الموصل فكتب عن "الأزمات الاقتصادية :أسبابها –علاماتها –أنواعها –معالجتها " .ووقف السيد فرنسيس بدرية مدرس الفسلجة والصحة  عند " خطر التدخين وطريقة تجنبه " .وكتب الطالب في الصف الخامس الأدبي ذنون يونس الشهاب مقالة أدبية بعنوان " النفس الإنسانية الرهيبة " .وثمة مقالات كتبها عدد من الطلبة منهم محمد الحاج خليل "ماهي السعادة ؟ ومن هو الرجل السعيد ؟ " وهشام عبد الله الدباغ "عوامل النهوض الأدبي في البلاد العربية " وإسماعيل بهاء الدين ألعبيدي "الواجبات الإنسانية " وعبد الجليل قسطو "عبقرية عمر بن  الخطاب "، وصبري أيوب  "اثر التربية الأخلاقية " واحمد توفيق جليميران " شهيرات النساء في ميدان البطولة " وحكمة عارف " الفجر " وكوكب علي الجميل " آفة الفراغ يجب مكافحتها " ومحمد شيت الحاج عبد الله "القوة والاتحاد " ومجيد رشيد البرواري "المصايف العراقية " ومحمد صالح زكريا "المدنية والزواج " وعبد الباقي ناظم العمري "الإخاء ضروري للبشر " وقاسم محمد قلندر "الشباب روح الأمة وعنوان نهضتها " وعاصم ناظم العمري "الثبات " وفيصل فتاح " الانتحار جبن " وتوفيق يحيى الطائي "العرب بين الماضي والحاضر " وغالب فؤاد خلوصي "سميري " ، ومصلح بهاء الدين النقشبندي "تربية المرأة " وعبد الحليم احمد القطان " الدفاع عن الوطن من الإيمان " وعلي عبد الله الحمداني "السعي والعمل " وعزالدين ألعبيدي "المرأة " وجوزيف نعوم ددي "نحن ومدنية أوربا " .وفي العدد قصة بعنوان "دمعة " كتبها الطالب في الصف الثالث إبراهيم إسماعيل ومقالة مترجمة عن الانكليزية لمحمد عزة العبيدي بعنوان " فلتتمجد الإنسانية وليتمجد السلام .كما أن هناك قصائد لجرجيس فتح الله "آمال وأحلام بين فصلي الشتاء والربيع " ولمحمد توفيق حسين "الشهيد المجهول في فلسطين المجاهدة " ولذنون يونس الشهاب "نشيد المجاهد البطل " .ويسعدني ان اقتبس شيئا من قصيدة الشهاب ومطلعها :
نفوس أبت الظلما
ولاترضى بتنكيد
سعت في الارض لاتلوي
تصيح :الحق معبودي
وقد قدمت القصيدة بعبارة : "على هامش حوادث فلسطين الدامية " ويقصد الثورة الفلسطينية الكبرى وما بعدها .
  يلحظ أن من كتب في وحي الشباب والثمرات الأولى من الطلبة ،قد تبوأ - فيما بعد-  مكانة متميزة في مؤسسات الدولة والمجتمع في العراق ومن ذلك أن بعضهم قد تولى مناصب عسكرية كرئاسة أركان الجيش أو هناك من أصبح وزيرا ومربيا ومؤرخا وأستاذا جامعيا ، وقاضيا، وعالما ،وفقيها وكاتبا وشاعرا ودبلوماسيا وهذا أن دل على شيء، فإنما يدل على أن تلك النشرات والكتابة فيها أتت أكلها ،وحققت الأهداف المرجوة منها وأبرزها خلق جيل قادر على البناء  محبا لعمله مخلصا لوطنه مما يستدعي الفخر والاعتزاز .رحم الله من توفي وأطال عمر من بقي على قيد الحياة .