الثلاثاء، 30 نوفمبر، 2010

يوم عقدت جمعية المعلمين في الموصل موسمها الثقافي 1955-1956!!

الاستاذ عبد الرحمن صالح
أحد مؤسسي نادي المعلمين في الموصل
                 يوم عقدت جمعية المعلمين في الموصل موسمها الثقافي 1955-1956!!
                               أ.د.إبراهيم خليل العّلاف
                       استاذ التاريخ الحديث  –جامعة الموصل

      قلة من الناس ، تعرف أن الموصل شهدت في الخامس عشر من كانون الأول سنة 1922 تأسيس أول نادٍ للمعلمين . وكان من الأعضاء المؤسسين لذلك النادي الأساتذة احمد علي الصوفي ، وعبد الله ألنوري ، وسعيد الصفار . وفي تموز سنة 1924، تشكلت الهيئة الإدارية للنادي من الأساتذة جرجيس ( سارة ) أفندي مفتش المعارف ، وعبد الله ألنوري مدير المدرسة الإسرائيلية ( اليهودية ) ، وعبد الرحمن صالح المدرس في المدرسة القحطانية ، ومصطفى صفوت المدرس في المدرسة الإسرائيلية ، وطه الصالح المدرس في المدرسة العدنانية .. وعندما سمع أعضاء النادي بعد سنوات بتأسيس جمعية للمعلمين في بغداد سنة 1943 قرروا حل ناديهم وفتح فرع للجمعية في الموصل وتحقق ذلك في الرابع من كانون الأول سنة 1944 ، وكا  من ابرز أهداف الجمعية العمل (( على رفع شأن المعلمين ، والدفاع عن حقوقهم الأدبية والمادية ، ورفع مستوى مهنة التعليم ، ونشر الثقافة العامة ، وساعدت الأعضاء وعوائلهم عند تحقق احتياجاتهم للمساعدة .. وتشكلت الهيئة الإدارية لجمعية المعلمين في الموصل من الأستاذ عبد العزيز جاسم رئيساً ، ومحمود الجو مرد أمينا للسر ، ويحيى قاف الشيخ عبد الواحد مساعداً لأمين السر ، وإبراهيم ألخوري أمينا للصندوق .     
     وبعد ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق سعى المعلمون إلى تحويل جمعيتهم إلى نقابة ترأسها المرحوم الأستاذ الدكتور فيصل السامر أستاذ التاريخ الإسلامي المعروف في جامعة بغداد .
     
     المهم في هذا كله أنني عثرت في مكتبة الأستاذ   احمد سامي ألجلبي رئيس تحرير جريدة فتى العراق(رحمه الله ) على كراس يحمل عنوان : ( محاضرات الموسم الثقافي لجمعية المعلمين بالموصل ) .. وجاء في مقدمته أن الكراس، المؤلف من (100) صفحة من القطع المتوسط ،يحمل نصوص ( المحاضرات التي ألقاها فريق من أعلام الموصل في الموسم الثقافي لسنة 1955 – 1956 ) . وقد طبع الكراس في مطبعة الهدف ( الموصلية ) لصاحبها الأستاذ الصحفي الرائد عبد الباسط يونس رحمه الله .. وقد كتب مقدمة الكراس الأستاذ ذو النون الشهاب  رئيس اللجنة الثقافية لجمعية المعلمين _ الموصل ) وجاء في المقدمة : (( تهفو النفوس متطلعة ليوم تسود فيه الثقافة الرفيعة ديارنا ، ويعم حب البحث توطيداً لكيان الوطن الذي كانت حضاراته مشرقة تنير أرجاء العالم ، فان كل مأثرة أدبية أو محاولة علمية نقوم بها الآن إرهاص للجاهلين على أن عصور التأخير والاضمحلال التي شانت حضاراتنا أمدا طويلاً لم تفت في عضد هذه الأمة العريقة ازدهاراً ))
    ويضيف الأستاذ ذو النون الشهاب إلى ذلك قوله : (( إن كل كتاب يعاد نشره من تراثنا المجيد ، بل كل كتاب يصدر ، إن قصد به الحق والخير والجمال ، برهان قوي لكل زار بمآثر الثقافة الإسلامية أو الحضارة العربية ، فلا عجب أن هب أنفار من مخلصي الأمة شرقاً وغرباً ينافحون من أمتهم و يناجزون البانين شراً ما وسعت الطاقة وما مكنت بلاغة القول ، فسطوع حجتهم ظاهر وحقهم الأبلج كالشمس المنيرة وسط السماء . وان كان الواجب على كل فرد مخلص ان يعزز الإمكانيات الهائلة لدى الأمة فان واجب المربين أقوى تأثيرا واثبت دعائم ، فالمعلمون الهادين المخلصين للنشئ ، ابرع وسيلة وأقوم قيلاً .. وقد سعت جمعيات المعلمين إلى أمور لها أهميتها في مضمار العرفان ، وها هي جمعية المعلمين بالموصل تعزز تلك القدرة وتعمل على إنجاح ذلك القصد فقد أنشأت معاهدة علمية استفاد منها أرباب العلم وطالبيه ونظمت رحلات ثقافية . كما اهتمت اهتماماً بالغاً بمكتبة ناديها فزودتها بكل مفيد من الكتب والصحف ناهيك بالمواسم الثقافية التي يلقى فيها كل سنة بعض كبار أدباء البلد بحوثهم الدالة على حيوية لا تنضب وعلى علم يفيض ولا يغيض )) .
      في الكراس محاضرة مهمة بعنوان (( استنباط الأحكام )) لفضيلة الأستاذ إبراهيم الأيوبي قاضي الموصل آنذاك كما ضم محاضرة للمطران بولص بهنام عن (( الكيمياء عند علماء المشرق )) .وقدم الدكتور موسيس دير هاكو بيان محاضرة بعنوان :(( أهمية الإحصاء في رفع المستوى الصحي )) أما الدكتور روفائيل بيداويد فكانت محاضرته بعنوان (( وجه الغزالي الصحيح )). وقدم العقيد الركن محمود شيت خطاب محاضرة عن كتابه (( الرسول القائد ) ولاقى الأستاذ عبد الله الملاح محاضرة مهمة بعنوان (( ما ليس في الكتب )) والغريب ان الكراس لم يضم محاضرتين مهمتين الأولى للأستاذ نعمان بكر التكريتي مدير معارف ( تربية ) الموصل والأستاذ سامي نصر مدير حقول النفط في شركة عين زالة بالموصل وللأسف لم نطلع على عنواني المحاضرتين اللتين تأخرتا عن موعد طبع الكراس .
       محاضرات الموسم الثقافي لجمعية المعلمين تذكرنا بالزمن الجميل حيث الجدية في كل شيء .. وحيث المخلصين يعملون من اجل نشر قيم المعرفة وتوسيع قاعدة المثقفين وتنوير الناس بأهمية اليقظة والنهضة والتقدم .. وقد يكون من المناسب أن نقتطع شيئاً من محاضرة الأستاذ عبد الله الملاح المشار إليها أنفا وعنوانها كما قلنا (( ما ليس في الكتب )) .. وابرز ما فيها أن الأستاذ الملاح يتحدث عن الذوق ويقول أن الذوق شيء ليس في الكتب .. فما هو الذوق ؟ وانه كالحب يحسه الإنسان ويدرك معناه في نفسه ولكنه يعجز عن ان يضع له تعريفاً جامعاً والذوق لا يعلل فانك إذا رأيت باقة من الزهر قلت ما أجملها ولكن ان سئلت لما كانت جميلة بكلمات منمقة لا تحوي عله ولا توضح سبباً فقد تقول أنها منسقة أنها بديعة الألوان ان نفسي ترتاح لرؤيتها وإذا كان المرحوم احمد شوقي يقول الحياة حب والحب حياة جاز لنا أن نقول الحياة ذوق والذوق حياة فلا حياة بلا ذوق ولا ذوق بدون حياة .. أن الحياة فن وفنون الحياة متعددة لا يكاد يحيط بها عد فتنظيم المدن فن وبناء المساكن فن ومعاشرة الناس فن وعرض البضائع في الحوانيت فن والنظافة فن الى غير ذلك من الفنون التي تخطر بالبال والتي لا تخطر وهذه كلها لابد لها من ذوق مهذب لفهمها وإحلالها محلها اللائق في ثبت فيم الحياة وما احوجنا ونحن في هذه النهضة التي تحاول إصلاح في كل فاسد إلى هذا الذوق الذي يفهمنا فنون الحياة ويجعلها في أعيننا جديرة بان نحياها .
       كلام جميل وأفكار رائعة ما أحوجنا اليوم إلى مثلها .. بل ما احوجنا ، وقد طغت العشوائية على حياتنا ، إلى الذوق .. الذوق في كل شيء ..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق