الأحد، 26 ديسمبر، 2010

واقع الوثائق العثمانية في الموصل


                              واقع الوثائق العثمانية في الموصل
ا.د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

      لعل من ابرز الظواهر التي ميزت حياتنا الثقافية في العراق إبان السنوات القليلة المنصرمة ، الاهتمام بالوثائق ، والتأكيد على أهمية العودة إلى ( الأصول التاريخية ) بأنواعها المختلفة . إلا أن مما يؤسف له ، أن الوثائق العثمانية التي تتعلق بالفترة من سنة 1516م حتى سنة 1918 ، لم تنل الاهتمام الذي نالته مثلاً الوثائق البريطانية ، مع العلم أن هناك ثروة زاخرة من الملفات التاريخية عن العهد العثماني ، محفوظ جزء كبير منه في دور الوثائق التركية ، والجزء الأخر مبعثر في دور الوثائق العربية والعراقية .   
     وبقدر ما يتعلق الأمر بما هو متوفر من وثائق عثمانية في الموصل ، يمكن القول أن ( سجلات المحكمة الشرعية ) في الموصل تؤلف الجزء الأعظم من الوثائق التي تعود إلى العهد العثماني . وتتضمن هذه الوثائق معلومات جيدة عن الفئات الاجتماعية في الموصل ومناشطها المالية وعلاقاتها مع المسؤولين من جهة ، وبعضها مع البعض الآخر من جهة أخرى.
وقسم من هذه السجلات مدون باللغة العربية وآخر بالتركــية ( الحروف العربية ) . ويعتمد ذلك على شخصية القاضي وانتماءه القومي . 
    وسجلات المحكمة الشرعية في الموصل موجودة بشكل جيد وأقدم السجلات يرجع إلى سنة 1224هـ / 1808م  وعددها يربو على المائة سجل . وتفيد بعض السجلات في معرفة أسواق ومحلات وخانات وحمامات الموصل وفيها معلومات عن طبيعة نشاط السكان الاجتماعي والاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بالبيع والشراء والرهن والتأجير . هذا فضلاً عن انها تضم معلومات تتعلق بدعاوى قتل ، وأخرى مرفوعة من الطوائف غير المسلمة بشأن الأماكن المقدسة ، وفي السجلات وثائق وعقود النكاح والمواريث وتصفية الشركات وما يتصل بذلك من شؤون الأسرة والمجتمع الموصلي إبان العهد العثماني . وهناك سجلات متخصصة بالوكالات ، وأخرى بالديون وعقود الزواج ، وتكشف سجلات عقود الزواج كثيراً من التفاصيل عن وضع المرأة ومستويات المعيشة ومقادير المهور المعجلة والمؤجلة . 
    كما تضم بعض نصوص الفرمانات السلطانية المحررة بنسخ ( طبق الأصل) تخص ولاية الموصل . وفي بعض السجلات نصوص لوقفيات تعود لبعض العوائل الموصلية المعروفة .وفي السجلات تفاصيل ذات صلة بالمسائل والقـضايا ذات الطابــع الاستهلاكي أو لتقدير قيمة المرهونات أو العرصات وغيرها . ففي احد السجلات معلومات عن دعوة أرباب الأصناف لتقديــر ( قيمة أجرة سرداب وقف ) وفي آخر، استدعاء بعض أرباب الخبرة من البيطرة للاستفادة منهم في تقدير قيمة حيوانات معينة وفي آخر، معلومات عن استدعاء أشخاص من بقالي ألكمرك كخبراء في تحديد ملكية حيوانات مباعة في السوق .  
   وفي السجلات معلومات مفيدة عن تولي الأوقاف . وهناك تفاصيل عن دعوة مرفوعة حول الوقف العائد إلى جامع النبي شيت ، وكذلك معلومات عن أملاك موقوفة لأغراض تعليمية وأوقاف خيرية . وأشارت بعض السجلات إلى الرسوم المستوفاة في القضايا المرفوعة إلى المحاكم ، إضافة إلى مقدار الحصة الشرعية المفروضة على توزيع التركات ورسوم قيدية الدفتر ورسم الطابع الذي غالباً ما يستوفي كمبلغ نقدي متناسب مع حجم المال المذكور بالدعوة . 
    وتشكل ( الوقفيات ) المحلية على المؤسسات الدينية والثقافية أكثر المصادر العثمانية أهمية فيما يتعلق بدراسة عناصر الثروة الاجتماعية ونوع الاستثمارات المالية وعلاقة ذلك بفهم التركيب الاجتماعي . وتتوفر في مكتبة أوقاف الموصل مجـاميع طيبة من هذه  الوقفيات التي تتعلق  بالمساجد والجوامـع والمدارس  وخزائن الكتب والأسواق والخانات والقيصريات التي انشأت في الموصل خلال العهد العثماني وسجلات الوقفيات منظمة ومرتبة ومفهرسة في دفتر كبير .   
     وهناك ( السالنامات ) التي تعد مصدراً من مصادر دراسة تاريخ الموصل في العهد العثماني ، والسالنامات نوع مهم من أنواع الوثائق الرسمية العثمانية وهي بمثابة كتاب سنوي تصدره الولاية عن أوضاعها الجغرافية والإدارية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية 0 ولدينا في مكتبتي المتحف  الحضاري والمركزية العامة في الموصل مجاميع كاملة من السالنامات وعددها خمس سالنامات وهي على التوالي :
1. سالنامة 1308هـ ( 1891م ) وتقع 200 صفحة
2. سالنامة 130هـ ( 1892م ) وتقع في 68 صفحة
3. سالنامة 1312هـ ( 1895م ) وتقع في 456 صفحة .
4. سالنامة 1325هـ ( 1907م ) وتقع في 235 صفحة .
 5. سالنامة 1330هـ ( 1912م ) وتقع في 240 صفحة .      
    وفي هذه السالنامات معلومات عن الموقع الجغرافي لولاية الموصل ، والتشكيلات الادارية ، والعسكرية ودوائر العدل والصحة والمعارف والـبلدية والبريد والبــرق . كما تـضم معلومات عن الزراعة والصناعة والتجارة والطباعة والصحافة والتمثيل القنصلي في الموصل . 
    وهناك نوع آخر من الوثائق المحفوظة في مكتبة الآباء الدومنيكان في الموصل وأبرزها ( يوميات ) كتبها الآباء منذ وصولهم الموصل سنة 1856م وانشاءهم مطبعة الدومنيكان في محلة الجولاق (الاوس أو الساعة ) سنة 1808 . وتضم اليوميات معلومات عن الحياة التعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية في الموصل . 
    وتعد ( الصحف ) ومنها جريدة ( موصل ) التي صدرت في 25 حزيران 1885م ونينوى ( صدر عددها الأول في 15 تموز 1909م ) والنجـاح ( صدر عددها الأول في 27 حزيران 1911 ) من المصادر المهمة التي تفيد الباحث في التاريخ الموصلي خلال العهد العثماني  .كما صدرت في الموصل خلال الحرب العالمية الأولى صحيفتان هما حقي طوغرو أي ( دعوة الحق ) والزهور ، وقد أصدرهما محمد رشيد الصفار الذي اصدر عدة صحف في بغداد قبل ان ينتقل الى الموصل ، اثر احتلال الانكليز لبغداد سنة 1917 وظهرت في الموصل كذلك خلال الحرب نشرات باسم ( عثمانلي ازانسي ) أي برقيات إخبارية وهي عبارة عن اوراق مطبوعة بشكل بلاغات حربية حررت باللغة التركية وأحيانا باللغة العربية . وقد اصدرت القنصلية الالمانية في الموصل نشرات مماثلة كانت تتابع اخبار ووقائع الحرب .وكان للدومنيكان مجلة إكليل الورود أصدروها في الأول من كانون سنة 1902 باللغات العربية والكلدانية والفرنسية واستمرت في الصدور حتى 1909 وكانت أول مجلة عربية تصدر في العراق ، وبلغ مجموع ما صدر منها ( 96 ) عددا وثمة ملاحظة ينبغي الإشارة اليها ، بصدد الصحف والمجلات الموصلية فان المكتبات العامة في العراق تخلو منها لكنها تتوفر في المكتبات الشخصية في الموصل وبغداد .
    اما بالنسبة لوثائق محافظة نينوى ، فان من المؤسف القول ان الوثائق العثمانية قد احرقت واتلفت منذ سنوات عديدة ، وأقدم الوثائق التي عثرنا عليها في مخازن المحافظة ، ترجع الى سنة 1927 . ولكن هناك بعض الأضابير لشخصيات إدارية عملت خلال العهد العثماني لكنها ليست منظمة وهذا الشيء ينطبق على وثائق بلدية الموصل . وهذا الوضع ، جعل المخلصين من ابناء المحافظة ، يلحون في مسألة الاهتمام بالوثائق العثمانية وغيرها . ولقد استجابت جامـعة الموصل ، فانـشأت مـركز وثـائق الموصل (مركز دراسات الموصل حاليا) سنة 1990 وهو لا يزال يحث الخطى من اجل جمع ما يتوفر من الوثائق سواء في مخازن المحافظة أو البلدية أو المحاكم أو النواحي والعمل على فهرستها ووضعها في متناول الباحثين ، ولا يوجد في مركز دراسات الموصل من الوثائق العثمانية الا نزر يسير وأملنا أن تسعى دار الكتب والوثائق الى دعم حركة جمع الوثائق والبحث عن ما هو مفقود وتسهيل مهمة دراستها وفهرستها باعتبار أن ذلك ضرورة علمية ووطنية .

*دراسة منشورة في : جمهورية العراق ، وزارة الثقافة والإعلام ، دار الكتب والوثائق ، الكتاب والوثيقة ، الندوة العلمية الأولى لدار الكتب والوثائق30و31 آذار1994(بغداد ،1995)ص98- ص104   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق