الأربعاء، 27 أبريل، 2011

احتجاب أقدم جريدة موصلية ..(فتى العراق) تغيب عن المشهد الصحفي

احتجاب أقدم جريدة موصلية  ..(فتى العراق) تغيب عن المشهد الصحفي






بقلم : الأستاذ سعد الدين خضر






ها قد توقفت أعرق صحف الموصل... فقد صدر العدد رقم (318) من جريدة (فتى العراق) يوم الأحد 5 كانون الأول 2010 م حاملاً في صدر صفحتهِ الأولي مانشيتاً بارزاً يقول (جريدة " فتي العراق " تحتجب عن الصدور لأسباب مالية وفنية حتي إشعار آخر)!!؟.


و(فتى العراق) من الصحف الرائدة في الموصل، فقد صدر عددها الأول يوم 27 / 2 / 1934..، يومها كان المرحوم إبراهيم الجلبي مديراً لإدارتها قبل أن يشتري امتيازها من سعد الدين زيادة عام 1941 م ويصبح مالكها ومديرها.. يومها احتلت (فتى العراق) موقعها الصحفي والثقافي وباتت جريدة الموصل الأولي، ويعمل بها من أولاد إبراهيم الجلبي كل من المحامي محمود الجلبي الذي امتلك بعدئذٍ جريدة (اللواء) ثم أحمد سامي الجلبي الذي عرفتهُ الصحافة والثقافة والرياضة شاباً متحمساً دؤوباً منذ مطلع حياتهِ يوم اقتحم ميادين المطابع والصحف ونشط في تولي مسؤوليات التحرير في العديد من صحف الموصل الي جانب والدهِ إبراهيم الجلبي، مثل (فتي العراق) و(فتي العرب) و(اللواء) و(الرقيب) و(العمال) و(الهلال) و(الذكري) و(صدي الأحرار)... من هنا كان المرحوم احمد سامي الجلبي ذاكرة الصحافة الموصلية وفتاها، وقد أطلق عليهِ كاتب هذه السطور لقب (عميد الصحافة الموصلية) منذُ عام 2001 م وكان بحق عميدها وعمدتها. صدرت (فتي العراق) باسم (فتي العرب) منذُ عام 1963 م بسبب إلغاء امتيازها بالاسم القديم.


وعلي اثر صدور (قانون المطبوعات) العراقي رقم 206 لسنة 1968 م وتطبيق سياسة مركزية الإعلام...، عندئذٍ توقفت (فتي العرب) شأن الصحف الأخري في العراق، ويذكر الباحث الموصلي عبد الجبار محمد جرجيس انهُ يحتفظ بالعدد الأخير منها رقم 3159 في 6 كانون الثاني 1969 وبذلك يتأكد لنا تأريخ توقفها الفعلي عن الصدور، أي في مطلع كانون الثاني 1969 م.


وبعد احتلال العراق عام 2003 م عادت (فتي العراق) للصدور، فصدر عددها الأول من دورتها الجديدة بتاريخ 8 / 7 / 2003 م وتولي احمد سامي الجلبي رئاسة مجلس إدارتها، وكان رحمهُ الله صمام الأمان في مواصلة الإصدار، فقد تعرضت الجريدة الي مضايقات ومشاكل مع سلطة الاحتلال ومع قائد الفرقة الأمريكية في الموصل عام 2003 م وسوف نتعرض الي هذه المسألة في مقال آخر بإذن الله.


وقد عمل في أسرة تحرير (فتى العراق) مع سامي الجلبي كل من المرحوم الدكتور أديب الجلبي وصميم أحمد سامي الجلبي والمحامي حارث أديب الجلبي وإبراهيم اديب الجلبي في السنة الأولي من الإصدار الجديد، ثم أصبح صميم الجلبي مديراً للتحرير، وتولي المهندس يسار الدرزي سكرتارية التحرير، بينما أصبح الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف مستشاراً للتحرير، والحق يُقال أن الدكتور العلاف أعطي دفعاً قوياً لمسيرة الجريدة وعمل علي رفدها دائماً بكل جديد ومفيد من الموضوعات التي تستهوي القارئ والباحث، بل إنهُ كان أحياناً يستكتب الشخصيات الثقافية والأكاديمية للإسهام بتحرير (فتى العراق). وكنا نقرأ في (عمود البيانات) أسماء كل من السيد موفق السبعاوي والسيدة عزة نصر الله، كأعضاء في هيئة التحرير. وبعد وفاة المرحوم احمد سامي الجلبي عام 2009 م تولي رئاسة التحرير المرحوم المحامي محمود الجلبي ثم السيد نبيل الجلبي لفترة قصيرة قبل احتجابها. انت (فتى العراق) ومنذُ خمسينات القرن الماضي بؤرة استقطاب ثقافي، وخلية حيه من خلايا الثقافة في الموصل حتي أنها نشرت لبعض كبار أدباء العراق ناهيك عن أدباء الموصل الذين يدينون حتماً لهذه الجريدة بالفضل الأول في الأخذ بأيديهم إلي عالم النشر، وكان الراحل سامي الجلبي قد أقام علاقات وصداقات مع جميع أدباء الموصل وفنانيها ورياضييها لأنهُ حرصَ دائماً علي إثراء المشهد الثقافي وتنويع نشاطاتهِ ووضع (فتي العراق) في خدمة الإبداع الموصلي وتحولت الجريدة إلي (دار الفتى) وتحولت مكاتبها إلي (ندوة ثقافية) دائمة. وقد أصدرت (دار الفتى) العديد من الكتب والمطبوعات الثقافية في شتي فروع المعرفة، وكان سامي ألجلبي قد اختط شرعة جميلة في ذات السياق حيث اعتاد إقامة (ندوة ثقافية سنوية) في بيتهِ أو في بيت الدكتور إبراهيم خليل العلاف باسم (ندوة فتى العراق السنوية) وقد حرص علي اختيار الموضوعات الحية لتكون محاور الجلسات الفكرية والنقدية، منها مثلاً (مستقبل الصحافة الورقية في زمن الثقافة الالكترونية) وكذلك (إعادة كتابة التاريخ والتراث هل تخدمنا؟؟) و(قساوة المرحلة.. وانهزامية الأدباء الشباب!!) وأيضاً (واقع الصحافة الموصلية وآفاق تطورها) وأشار في افتتاحياتهِ دائماً إلي نقطتين أساسيتين هما:-


1. حاجة الموصل إلي مؤسسة صحفية مختلطة.


2. الدعوة إلي اعتبار (الموصل عاصمة للثقافة العربية) لسنة تحددها الجهات المختصة.


تلك بعض عناوين الندوات السنوية للجريدة، فضلاً عن موضوعات أخري تتصل بالراهن الثقافي العراقي عموماً والموصلي بخاصة. وكان حضور تلك الندوات يشمل العديد من القامات الثقافية والأكاديمية من المعروفين بتأريخهم وإسهاماتهم في ميادين الاختصاص أمثال الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف والأستاذ الدكتور عماد الدين خليل والأستاذ الدكتور هاشم الملاح والأستاذ الدكتور جزيل عبد الجبار الجومرد والدكتور وائل النحاس ومن مثقفي المدينة السادة موفق السبعاوي وعبد الجبار محمد جرجيس وعبد الوهاب النعيمي وسعد الدين خضر ويسار محمد الدرزي وصميم سامي الجلبي وغيرهم.. ومعذرة لمن نسيت!! وفي ختام هذه الموضوعة الموجزة أود أن أشير إلي أننا نشك في حقيقة كون الأسباب (المالية) و(الفنية) تقف وراء احتجاب الجريدة، إننا نري أن السبب الحقيقي هو (الفراغ) الذي تركهُ رحيل أحمد سامي ألجلبي.. ذلك الفراغ الذي لم يستطع من بقي في الجريدة من تجاوزهِ.. والله أعلم!!


* جريدة الزمان الدولية –العدد 3812 3-2-2011














ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق