الثلاثاء، 24 مايو، 2011

الدكتور بهنام أبو الصوف والحضارة العراقية القديمة


الدكتور بهنام أبو الصوف والحضارة العراقية القديمة


ا.د.إبراهيم خليل العلاف


أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل


حين كنت رئيسا لقسم التاريخ بكلية التربية –جامعة الموصل 1980-1995 شعرت بأهمية أن يتولى تدريس مادة التاريخ القديم والحضارة العراقية القديمة أستاذ ذو باع طويل في هذا الميدان فتلفتت حولي ولم أر إلا الأستاذ الدكتور بهنام أبو الصوف . والرجل لم يكن أستاذا في الجامعة آنذاك بل" مديرا عاما لأثار المنطقة الشمالية "ومقره في مدينة الموصل ،واتصلت به ووافق على الفور، وبدأ التدريس لطلبة الصفوف الأولى والثانية في قسم التاريخ. وعندئذ أدركت بأنني قدمت خدمة جيدة للعلم، فمن يدرسه الدكتور بهنام ابوالصوف يجد وكأنه امتلك كل أسرار العراق القديم بحضاراته الاكدية والبابلية والسومرية والكلدانية والأشورية والحضرية (نسبة إلى الحضر مدينة الشمس التي تبعد عن الموصل قرابة 100 كم ) .


لقد توطدت علاقتي بالدكتور بهنام ابو الصوف منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، وتعززت بعد اشتراكنا سوية في مشاريع وزارة الثقافة والإعلام : "العراق في التاريخ ،وحضارة العراق، والعراق في مواجهة التحديات،و"المدينة العراقية " ، والجيش والسلاح ،والصراع العراقي-الفارسي ".وبقيت أتابع نشاطاته داخل العراق وخارجه ،وفرحت عندما ألف عنه الكاتب العراقي الموسوعي الأستاذ حميد المطبعي كتابا صغيرا قائما بذاته ضمنه آراءه وكتبه ودراساته وإسهاماته في تدوين التاريخ القديم ليس للعراق وحسب بل ولأجزاء من الوطن العربي .


ولد بهنام أبو الصوف في محلة سوق الشعارين القديمة في مدينة الموصل وقرب جامع النبي جرجيس عليه السلام يوم 15 تموز سنة 1931 ،وكانت أسرة ابو الصوف من الأسر الموصلية العراقية التي سكنت محلة القلعة وهي من اقدم محلات الموصل التي تشغل أجزاء واسعة من تل الموصل الأثري القديم داخل أسوار الموصل وكان والده تاجرا يأتي بالأخشاب من إطراف ديار بكر وجزيرة ابن عمر حيث كان سكن العائلة الأصلي كما كان يتاجر بالأصواف . أكمل دراسته الابتدائية،والمتوسطة والثانوية فيها ،وسافر إلى بغداد كعادة مجايليه –حيث لم تكن آنذاك جامعة في الموصل ، للدخول في قسم التاريخ -كلية الآداب وتخرج متخصصا بالتاريخ والآثار سنة 1955 . وكان من أساتذته الذين تعلم على أيديهما الأستاذ طه باقر والأستاذ فؤاد سفر وهما من عشق من خلالهما التنقيب عن الاثار ، والدكتور صالح احمد العلي الذي وجد في محاضراته نمطا جديدا من المعرفة التاريخية. وقد تيسرت له الفرصة للحصول على بعثة علمية في المملكة المتحدة .وحصل علىالدكتوراه في جامعة كمبردج خريف سنة 1966 .وكانت أطروحته الموسومة : "أصالة عصور ما قبل التاريخ في العراق " ، تتناول نواة الحضارات و(علم الإنسان :انسان العراق القديم ). وكانت حضارة الوركاء هي العمود الفقري في منهجه واطروحته ،لان عصر الوركاء يعد عصرا متميزا في ماضي العراق القديم وازدهار الحضارة الانسانية عموما .


عاد إلى وطنه، وعمل لسنوات عديدة، في التنقيب عن الآثار في عدد من مواقع العراق الأثرية في وسط وشمال العراق، وكان مشرفا علميا على تنقيبات إنقاذية واسعة في حوضي سدي حمرين (في منطقة ديالى)، وأسكي موصل(في منطقة الموصل ) على نهر دجلة في أواخر السبعينات وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي. وكذلك في عملية تنقيب انقاذية لمشروع المسيب الكبير وحوض سد دوكان من قبل ذلك بسنوات . كما كشف عن حضارة جديدة من مطلع العصر الحجري الحديث في وسط العراق في أواسط الستينات ألقت الكثير من الضوء على معلوماتنا المتعلقة بتلك الفترة التاريخية الموغلة في القدم.من مكتشفاته انجازه اكتشاف معبدين متعاقبين من اواسط الالف الثاني قبل الميلاد من خلال تنقيباته الواسعة في موقع باموسيان صيف سنة 1966 بشمال العراق واكتشافه حلقة تاريخية في تنقيباته في تل الصوان قرب سامراء اواسط الستينات من القرن الماضي .كما عمل في موقع تل قالينج اغا في الطرف الجنوبي من مدينة اربيل .ومن خلال انجازاته التنقيبية هذه اكتسب سمعة دولية في المحافل الاثارية العربية والعالمية وصارت له علاقات علمية واسعة مع عدد كبيرمن الاثاريين الالمان والفرنسيين والاميركان والانكليز وغيرهم . وقد ساعدته علاقاته هذه على انجاز دراسات واسعة عن تاريخ التنقيبات الاثرية في العراق وتطور مدارسها والسعي من اجل تأكيد تميز المدرسة الاثارية العراقية وتوجهها الوطني .


حاضر لسنوات عديدة في مادة جذور الحضارة والآثار والتاريخ في عدد من جامعات العراق ومنها جامعتي الموصل وبغداد ،ومعهد التاريخ العربي للدراسات العليا التابع لاتحاد المؤرخين العرب ومقره بغداد .كما أشرف على عدد من الرسائل الجامعية للماجستير والدكتوراه لطلبة عراقيين وعرب. وناقش العديد منها في مواضيع الآثار والحضارة والتاريخ والملاحم القديمة.


أسهم في العديد من مؤتمرات الآثار والحلقات الدراسية داخل العراق وخارجه. ودعي لإلقاء أحاديث ومحاضرات في جامعات أمريكية وأوربية عن آثار وحضارة العراق وعن نتائج تنقيباته.


نشر العديد من البحوث والدراسات والتقارير العلمية عن نتائج أعماله الميدانية ودراساته المقارنة في مجلات علمية عراقية وأجنبية.


من مؤلفاته : "فخاريات عصر الوركاء – أصوله وانتشاره"، بالإنكليزية، و" ظلال الوادي العريق – بالعربية" ، و"العراق: وحدة الأرض والحضارة والإنسان، بالعربية أيضا."


شغل عددا من المواقع العلمية والإدارية في هيئة الآثار والتراث: منها "باحث علمي"، "مديرا للتحريات وحماية المواقع الآثارية"، و"مديرا عاما لاثار ومتاحف المنطقة الشمالية".


رغم تقاعده من العمل الوظيفي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي ،إلا أنه استمر – ولا زال في نشاطاته الأكاديمية والعلمية في داخل العراق وخارجه.


من اراءه ان المؤرخ والاثاري يحتاج الى كثير من التجارب الميدانية والمعاناة في البحث عن مصادر مادته من الارض فبدون ذلك تصبح تجربته شاحبة لاحياة لها .وللدكتور بهنام ابو الصوف رأي محدد بشأن تطوير العمل الاثاري في العراق ومستقبله ومن ذلك دعوته الى ان يضم العمل الاثاري عددا من الانشطة التي تتوزع على محاور مختلفة تبتدأ بعمليات التحري والاستكشاف والتنقيب وتنتهي بالخزن والنشر العلمي مرورا بالمسح والرسم الهندسي والمعالجات المختبرية والتصوير والتوثيق .ولكي يتحقق الانتقال بالمل الاثاري ليوازي الطوح فهو يؤكد ان تكون البداية من البيت الاثاري نفسه أي من دوائر الاثار والمتاحف واقسام الاثار العلمية في الجامعات ويأتي في المقدمة العناية بالخريجين ورعايتهم وحسن اختيارهم وتطوير قابلياتهم وتزويدهم بكل المستلزمات الضرورية لانجاح العملية الاثارية الميدانية .واذا ما تحقق هذا كله عندئذ يكون بالامكان توظيف الاثار والتراث بمختلف انشطتها لخلق وعي اثاري في اوساط المجتمع ومن خلال وسائل متعددة يأتي الاعلام في مقدمتها .


















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق