الخميس، 11 أغسطس 2011

أحمد حامد ألشربتي 1915-1989 : المربي والباحث والإنسان


    أحمد حامد ألشربتي 1915-1989 : المربي والباحث والإنسان
   ا.د.إبراهيم خليل العلاف
  أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل
     عندما كنت طالبا في المدرسة المتوسطة المركزية أوائل الستينات من القرن الماضي، سمعت بالأستاذ احمد حامد ألشربتي ،ووقر في ذهني بأنه من الأدباء الغيورين على اللغة العربية .وكثيرا ما كنت اقرأ له  - فيما بعد -  بعض مقالاته الجميلة في"مجلة المعلم الجديد" ،التي كانت وزارة التربية تصدرها شهريا . وتعد من المجلات الثقافية والتربوية الرصينة في العراق ولاتزال تصدر حتى يومنا هذا ، واحتفظ بمجاميع طيبة منها .وعندما كتبت عن الأستاذ خيري أمين العمري ذكرت بأن الأستاذ خيري قال بأنه كان معجبا بأستاذه في اللغة العربية الأستاذ احمد حامد الشربتي وقد تعلم منه الكثير .
    احمد حامد الشربتي.. ذكره كثيرون، لكنهم لم يتوسعوا في ذكره والمعلومات التي أعطيت عنه قليلة، وقليلة جدا   لاتتعدى الأسطر الخمسة .ويقينا انه بحاجة إلى من يكتب عنه دراسة موسعة . كتب عنه كوركيس عواد، وباقر امين الورد، ومحمود الجندي ،وحميد المطبعي والأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب . وكل ماكتب عنه انه ولد في مدينة الموصل سنة 1915 ، وفيها أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية وسافر إلى  بغداد ودخل دار المعلمين العالية (المؤسسة منذ سنة 1923 )  ، وهي بمثابة كلية التربية وتخرج فيها سنة 1937 وعاد الموصل ليعين مدرسا ثم أصبح مفتشا (مشرفا تربويا ) .
   احمد حامد ألشربتي من آل ألشربتي وهي أسرة موصلية عريقة اشتهر منهم مكي ألشربتي وهو احد رجالات الحركة العربية القومية قبل الحرب العالمية الأولى، ومن مؤسسي جمعية العلم السرية التي قادت المقاومة ضد الاحتلال البريطاني للموصل 1918 .وكان له دور مهم في تكوين الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وما بعد ذلك .ومن آل ألشربتي العميد سعيد حامد ألشربتي أمر القوة النهرية العراقية الأسبق (1956-1958 ) .
     تولى  الأستاذ احمد حامد ألشربتي وظائف مهمة في وزارة المعارف (التربية ) ،  منها عمله في الإشراف التربوي .كما انغمر في المجال الثقافي العام ، وكانت له صولات وجولات في" مجالس بغداد الأدبية وصالوناتها " . وقد بدأ النشر في الصحافة منذ مطلع الأربعينات من القرن الماضي وله مقالات ودراسات ومتابعات كثيرة .
    من كتبه : " المرشد إلى تمييز الظاء من الضاد " ونشره سنة 1957 وكتاب "المدرسة مركز اجتماعي " ونشره سنة 1962 ، وكتاب " تاريخ الأدب العربي " وهو كتاب مدرسي كان يدرس في الصفوف الثالثة المتوسطة في المدارس العراقية..كما أن له كتاب بعنوان : " الشبيبي في حكمه وأمثاله " وقد نشرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1982. وله كتب مخطوطة سمعنا  - منذ سنوات  - أن ولده زهير  المدرس في كلية الفنون الجميلة ببغداد يعكف على إعدادها للنشر. وقد أشار الأستاذ جمال عبد المجيد العلوجي مدير المكتبة الوطنية العراقية  أن المكتبة الوطنية ببغداد تعتز بأحتوائها على مكتبة الأستاذ احمد حامد الشربتي المهداة .
   كان  الأستاذ ألشربتي عضوا مؤسسا في " جمعية الكتاب والمؤلفين العراقيين " ،وهي الجمعية التي تأسست في الستينات من القرن الماضي وضمت الأدباء والكتاب ذوي الاتجاهات العروبية القومية .
  أشار الكاتب المعروف الأستاذ مشكور الاسدي في  ملحق جريدة المدى بعددها الصادر في 23 آذار سنة 2011 إلى أن الأستاذ احمد حامد الشربتي ابتدأ بمشروع ترجمة بعض المشاهير والأعلام العراقيين وطلب من الاسدي سنة 1964 ان يسجل له بعض الترجمات الأدبية عندما كان يعمل مشرفا تربويا اختصاصيا في وزارة التربية وبأقلام  أصحابها ليعتمدها في تأليف كتاب في هذا الخصوص  .وممن جمع عنهم الأستاذ جعفر الخليلي رائد القصة العراقية المعاصرة والصحفي المعروف .وكلام الاسدي الذي  أعادت نشره المدى يرجع إلى سنة 1971 ومما قاله الاسدي اقلام عابرة، وخطوط رفيعة عن الأستاذ جعفر الخليلي جمعت بعضها من تقييما لما احتفظ به الشربتي  :"  هذه لمحات خاطفة، ورؤوس مذكرات ، والبعض الآخر مما احتفظت بها ذاكرتي، وبعضا من استقصائي حين طلب مني (عام 1964) الأستاذ الجليل احمد حامد الشربتي المفتش الاختصاصي لوزارة التربية سابقا أن أسجلها ليعتمدها في.. ترجمة مشاهير أدباءنا ، وهي مجموعة تراجم انفرد بها أستاذنا ألشربتي بين جميع التراجم لكونها مكتوبة بأقلام أصحابها باستثناء ترجمة الخليلي، ولكون مؤلفها (ألشربتي) بحاثة له في ميدان البحث والأدب أكثر من صولة وجولة، وإذا ما كتب لمجموعته من تراجم أن تخرج الى حيز الطبع فستسد فراغاً جد كبير في عالم البحث والاستقصاء وستنغنينا عن مشقة البحث والتتبع في سير مشاهير رجال الأدب المعاصرين في العراق، ومن باب الاتفاق أن تصبح هذه اللمحات ورؤوس الأقلام عن الأستاذ الخليلي مرجعا لدراسته لدى الباحثين من طلاب الجامعة أو المؤلفين الذين يعنيهم البحث عن تاريخ الصحافة والصحافيين، او تاريخ القصة والقصاصين او تاريخ العتبات المقدسة. او الأدب والشعر في العراق، فاضطررت  لطبع العشرات من هذه النسخ بالطابعة لتسهيل دراسة (الخليلي) على ضوئها. ولما كثر طلابها التجأت لطبع كمية منها بالمطبعة، ثم التجأت لإعادة النظر في بعض فصولها وطبعها من جديد لنفاذ ما طبع منها، وبذلك أكون بسبب استاذنا الشربتي قد وفرت لمن يعنيهم الأمر حاجتهم من هذه اللمحات التي بدأ يزداد الطلب عليها من لدن كتاب التراجم وطلاب الجامعات بقصد الدراسة وليس لدي منها ما يسد الحاجة."  
   أما الأستاذ جعفر الخليلي فقد علق على مشروع ألشربتي بقوله : " يقوم الأديب اللوذعي الكبير الأستاذ احمد حامد ألشربتي المفتش الاختصاصي بوزارة التربية والتعليم ، بجمع عدد من التراجم لعدد من العلماء والشعراء والكتاب، والأستاذ ألشربتي فضلاً عن كونه أدبيا وباحثاً ، وكاتبا لامعاً فان لعاطفته المشبوبة أثرا غير قليل في دنيا المحبة والصداقة، ومن هذه العاطفة وقوع اختياره علي لأكون من ضمن تلك المجموعة التي اختارها من التراجم وبناء على ذلك طلب مني أن أضع بنفسي ترجمة حياتي على غرار ما قدمته أنا في كتابي : (هكذا عرفتهم) من تراجم فاعتذرت، وأصر هو، وأصررت أنا ، لأنني واثق من أني إن فعلت ذلك فلن أنجو مهما بالغت في الحيطة من الأنانية وحب الظهور، ولاحقني هذا الصديق الكريم ولكن دون جدوى حتى وقع على الخبير وتركني مشكوراً.
والخبير هذا هو الكاتب الألمعي المعروف الأستاذ مشكور ألأسدي الذي ولع بجمع طائفة من المذكرات والخواطر، والشذرات، عمن عرف في حياته من رجال الأدب  ،وقد أفاد من دراسته الجامعية وتطوافه بالأقطار العربية والأجنبية، حيوية علمية ، وتجارب فنية ساعدت كثيراً على أن يبدع في جميع ما يكتب من البحوث والمقالات.
وجاءني الأستاذ مشكور يعرض علي مسودة ما كتب عني وطلب مني قراءة هذه الصفحة التي سماها (بلمحات خاطفة) أو الخطوط (الرفيعة) عن جغفر الخليلي كما قال، والتي خططها ليسهل استخراج الخطوط العريضة منها لمن يعنيه أمري كما قال، فقرأتها وليس عندي ما اقوله عن هذه الخطوط (الرفيعة) من حيث الحوادث وتاريخها، ولكني لم انس ان مجرد التفكير في وضع ترجمة عني بخطوط (رفيعة) أو (عريضة) لايخرج عن كونه ضرباً من ضروب العاطفة. "
     وعندما كتبت  أنا عن قاسم محمد الرجب 1917-1974 ومكتبة المثنى ومجلة المكتبة مقالة  قلت بأنني وجدت للشربتي مقالات كثيرة منشورة في" مجلة المكتبة"  .ومن مقالاته التي لازلت اذكرها تلك التي عنونها ب" علام نضيق بالحقائق الدامغة ذرعا ..؟ " وقال فيها :" ماكنت في يوم من الأيام ممن يدينون بالفكرة السلبية  ، فينظرون إلى مساؤئ الأمور ويتركون محاسنها ،ولا كنت ممن يبخسون الناس أشيائهم فيذكرون المثالب ويتعامون عن المناقب .إنني عندما تطرقت في العدد الثامن من مجلة(  المكتبة ) إلى حالة مكتباتنا المدرسية وما بلغت إليه من تدن وانحطاط لم أكن قد وضعت أمام ناظري شخصا معينا أروم النيل منه او الانتقاص من عمله وإنما بحثت المشكلة بحثا موضوعيا لاعوج فيه ولاانحراف .وكنت أتوخى من ذلك تذكير المسؤولين عن تربية النشئ على اختلاف طبقاتهم ان يأخذوا للأمر أهبته، ويشمروا عن ساعد الجد في إعداد هذا النشئ وتوجيهه وإمداده بكل ما تتطلبه الحياة المثلى من ضروب الثقافة الأصيلة والمعرفة الحقة ، وتطهير ذهنه وقلبه من الارجاس ( الثقافية ! ) التي تركها الاستعمار وسماسرته  ، تفتك فتكا ذريعا في العقول والنفوس ..." .ثم أضاف : " بذلك الشعور الصادق كنت أعالج بعض المشاكل التربوية والثقافية ..وبهذه النية السليمة كتبت مقالي ( مكتبات مدارسنا في الميزان ) ...حتى طلع علينا صديقنا وزميلنا المفضال الأستاذ نهاد عبد المجيد مدير المكتبات العامة والمدرسية بمقاله ...وإذا به ينعي علي نقدي لبعض طلابه الذين قال عنهم أنهم خريجو دورة معلمين مكتبيين يتفرغون للعمل المكتبي في المدارس ...لإخفاقهم في انجاز مهتهم ولقيام المسؤولين في وزارة المعارف بإقصائهم وإعادتهم إلى حظيرة التعليم بعد أن ثبت عجزهم عن تحقيق الغرض الذي عينوا من اجله ... " . وفي نهاية المقال يؤكد الأستاذ ألشربتي على أهمية تطوير المكتبات المدرسية وجعلها أداة تربوية حقيقية من خلال تهيئة ما اسماه المعلم المكتبي المتدرب المتفرغ لهذا العمل الجليل .
   كان الأستاذ ألشربتي ، فوق انه مربيا متمكنا يعتقد أن للمعلم رسالة نبيلة  ، فقد كان كاتبا مجدا وباحثا دؤوبا ولم يكن كغيره من المعلمين والمدرسين الذين غادروا الثقافة والفكر والكتاب  . بل ظل - حتى قبيل وفاته بقليل  - ممسكا بقلمه مساهما فعالا في ساحة الثقافة العراقية المعاصرة .لقد كان ذو علاقات متينة مع الوسط الأدبي والثقافي العراقي  . ومما ساعده على ذلك حلمه وصبره وتعاطفه مع الحق ومنهجه التربوي الإنساني الصحيح.. لذلك ظل في ذاكرة الناس  وأعينهم ، مربيا  ،وأديبا وكاتبا  ، وإنسانا .رحمه الله وجزاه خيرا على ماقدم لوطنه وأمته .
www.dr-ibrahim-al-allaf.com




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق