الأحد، 4 سبتمبر، 2011

رحيل المؤرخ اللبناني الكبير كمال سليمان الصليبي 1929-2011






 المؤرخ اللبناني الكبير كمال سليمان الصليبي 1929-2011

ا.د.إبراهيم خليل العلاف

أستاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

    لعل الكثيرين منا  يتذكر ما أحدثه صدور كتاب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" للدكتور كمال سليمان الصليبي من ضجة في الساحة الثقافية والسياسية العربية في سنة 1985 . فالكتاب صار مثار جدل وحوار استمر لسنوات ،وذلك لأنه قلب مفاهيما ومعلومات ظلت راسخة في الذهن العربي والإنساني ردحا من الزمن . وممن تصدى له وخالفه الرأي الأستاذ حمد الجاسر مؤرخ الجزيرة العربية الراحل رحمه الله وذلك في مقال عنونه ب"أغاليط الدكتور الصليبي الجغرافية " وقد قال : "

الدكتور كمال سليمان الصليبي باحث لبناني معروف، وهو أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية ورئيس قسم التاريخ فيها، وقد ألف كتاباً حاول فيه أن يطبق النصوص التي وردت في التوراة على مواضع في بلادنا في جنوب الجزيرة.
ولقد كانت آراؤه لما فيها من الطرافة والخرافة ذات أصداء واسعة، وتناولتها كثير من الصحف العربية بأكثر مما تستحق.
وقديماً كانت الخرافة ولا تزال مبعث تكرار وترداد

. ولهذا فإن استناد الدكتور الصليبي على التوراة المعروفة الآن استناداً على غير أساس.
ثم الاستدلال بما فيها من الأسماء مع ما هو معروف من أسماء المواضع تتشابه وتتكرر مع اختلاف مواقعها – استدلال غير صحيح، وهذا من الأمور البدهية.
و مما فات الدكتور الصليبي – أثناء استنتاجاته لآرائه تلك الربط الزمني  بين مواضع ورد ذكرها قبل ثلاثة آلاف من السنين، وبين مواضع قائمة في زمننا، أكثرها نشأ في عصور متأخرة، فهو لَمْ يحاول عند إيراد اسم من أسماء المواضع التي ذكرها البحث عن نشوء ذلك الاسم ومتى كان؟ وما هو معناه! ولماذا سمي الموضع بهذا الاسم؟
ولو بحث هذا الأمر بتعمق لأدرك أنه يسير – فيما استنتج على غير هدى.
كما أن أسماء المواضع التي أوردها محاولاً الربط بينها وبين ما ورد في التوراة لا نجد لها ذكراً في الكتب القديمة باستثناء اسم فرع حديث لإحدى القبائل، ظنه اسم موضع، فكيف يصح له أن يستنتج فكرة بدون أن يستكمل قواعد استنتاجها؟

كما انه لم يفرق بين أسماء المواضع وأسماء أفخاذ العشائر.

لكن الاستاذ زياد مني وهو من طلبة الدكتور الصليبي يدافع عن استاذه ويقول ان الموسوعة البريطانية عدته عندما نشر كتابه عن جزيرة العرب المرجع المهم عن الموضوع وعبقريته لم تكمن فقط في تقديم موضوعته عن جغرافية وتاريخ بني اسرائيل في عسير وانما في كونه اول من قدم من العرب اسهاما في علم الدراسات الكتابية Biblical Studies .

   لم يكن الرجل مؤرخا تقليديا  ،بل كان معروفا بحضوره العلمي كمؤرخ وصاحب نظريات ناقضت مفاهيم شائعة  وراسخة على مستوى المنطقة والعالم .

   عرفته مؤرخا ثبتا، وهادئا ،ومنصفا ،وذو مروءة كما كان إنسانا عروبيا مخلصا لوطنه لبنان وأمته العربية اكتسب ثقة طلابه وزملائه لما كان يتمتع به من دماثة في الخلق، وطيبة في القلب ،وأريحية في التعامل .ألف في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر . كما كتب  عددا كبيرا من الدراسات والبحوث والمقالات باللغتين العربية والانكليزية عن الشام والأردن والدولة العثمانية وانصرف فترة من الزمن للكتابة عن اليهود والعهدين القديم والحديث ولعل مذكراته التي كتبها بعنوان : "طائر على سنديانة " هي آخر ما اصدر رحمه الله .وقيل انه كان منشغلا بتأليف كتاب عن الرئيس رياض الصلح .

    ولد في بلدة بحمدون اللبنانية  يوم 2 أيار –مايو سنة 1929 وتوفي يوم الخميس 1 أيلول –سبتمبر سنة 2011  .وبين هذين التاريخيين كانت حياته حافلة بالأحداث والمنجزات على مستوى الفكر والثقافة .كمال سليمان الصليبي أكمل دراسته الثانوية في الكلية الثانوية العامة وكانت جزءا من الجامعة الأميركية ودخل الجامعة الأميركية  سنة 1945ونال البكالوريوس سنة 1949  والدكتوراه وبعدها سافر إلى لندن وحصل على الدكتوراه سنة 1953  كذلك بأشراف الأستاذ الدكتور برنارد لويس المؤرخ البريطاني –الأميركي المعروف والمهتم بقضايا الإسلام والشرق الأوسط  وكان عنوان أطروحته : "  المؤرخون الموارنة وتاريخ لبنان في القرون الوسطى "    " وتخصص الصليبي  في شؤون الشرق الأوسط وإفريقيا . وقد عمل في التدريس ضمن دائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأميركية، وتدرج في المراتب العلمية ورقي الى مرتبة أستاذ سنة 1965 ثم تولى رئاسة دائرة التاريخ وعلم الآثار .ويعد أحد مؤسسي المعهد الملكي للدراسات الدينية الذي افتتح في عمان بالأردن برعاية الأمير الحسن بن طلال وأصبح مديره للمدة من 1994 وحتى 2004  .كما أصبح لفترة مستشارا لمؤسسة التراث الدرزي .

     كتب عددا من المؤلفات منها كتبه:"المؤرخون الموارنة خلال العصر الوسيط "1959 " ،و"تاريخ لبنان الحديث "بالانكليزية 1965 ،و"لبنان:ملتقى طرق حرب أهلية 1958-1976 " ،و"بلاد الشام في العصور الوسطى "1979  ،و"تاريخ الجزيرة العربية "1980 و"التوراة جاءت من جزيرة العرب " 1985 ، "و" خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل " 1988 و "البحث عن يسوع :قراءة جديدة في الأناجيل " 1988 و" بيت بمنازل كثيرة " 1988 و" حروب داؤود " 1991 ، و "تاريخ الأردن الحديث " 1993 ، و" طائر على سنديانة " 2002 .

 كتب عنه الأستاذ الدكتور رضوان السيد، فعده واحدا من رواد المنهج العلمي التاريخي العربي الحديث وقال في مقالة كتبها  في "الحياة " اللندنية بعد يوم من رحيله (2 أيلول –سبتمبر 2011 ) :رحل أمس عن 82 عاما المؤرخ كمال سليمان الصليبي، وما اشتغل أحدٌ من المؤرخين العرب المُحدثين على التأويل التاريخي والتحول التاريخي كما اشتغل الراحل الكبير طوال أكثر من خمسين عاماً. وهو لهذه الناحية مختلفٌ في الرؤية والمنهج عن أعلام مدرسة الحوليات الفرنسية، والتي سيطرت رؤاها لأكثر من خمسة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت ولا تزال تعتمد الحِقَب الطويلة سبيلاً للتأمل والتأويل والفهم أو إدراك طبيعة المرحلة، بحسب التعبير الماركسي. أمّا كمال الصليبي فهو منذ أُطروحته للدكتوراه ... مُغرَمٌ بإدراك حركة التاريخ و «نبضها الحقيقي»، والذي يحدث في الأصل في وعي النخبة الثقافية – الدينية أو الاجتماعية – الاقتصادية في أمةٍ معينةٍ في عصرٍ ما، وتكون نتيجة ذلك حدوث «تغيير ثوري» يعيد بناء الذات القومية – الثقافية أو الذات السياسية، فيصنع مجتمعاً جديداً بفكرٍ جديدٍ، ويفيض بصورةٍ توليفيةٍ أو تنافرية. وقد حدث ذلك في التاريخ العربي القديم أو ما قبل التاريخي، بظهور المسيح العربي بنواحي الطائف، وقبل ذلك إبراهيم العربي بمكة، وبعد هذا وذاك محمد العربي، وهو الأمر نفسه الذي لاحظه الصليبي الرؤيوي والدؤوب في الوقت نفسه في ظهور التُرك في تاريخ المشرق والعالم، ومن السلاجقة والمماليك والمغول والتتار والى العثمانيين، كما رآه في ظهور الدولة السعودية وفي عمل النخبة أو النُخب المسيحية من أجل إقامة لبنان، ومن أجل إحداث النهوض العربي.وتساءل الدكتور السيد قائلا :".

من أين أتى هذا التركيز في الرؤية والوعي وبالتالي في المنهج التأويلي الشاسع الاتساع والغُلُو أحياناً؟ ... الصليبي لا يقول مثل ابن خلدون بالدعوة الدينية بوصفها شرطاً ثانياً في التحول التاريخي أو تبلور القوميات والدول. بل أن النخبة عنده قد يحدوها تفكير ديني جديد، أو تكون الإثنية الذاتية أو مصارعة السيطرة الأجنبية، أو نشر السطوة الاقتصادية، هي مناطُ هذا الوعي. ووجهةُ نظره أن التحول العربي التاريخي بظهور الإسلام، إنما يستند إلى وعيٍ مُشابهٍ بالذات، وليس كما يقصد ابن خلدون.

والواقع ان كمال الصليبي إن لم يكن خلدونياً بسبب ما رآه من رتابةٍ ودائرية في الحركة التاريخية عند ابن خلدون، فهو فيبري، نسبة لماكس فيبر1864-1920 والذي رأى أن التطورات التاريخية الكبرى مثل الظهور الرأسمالي في أوروبا، إنما حدثت نتيجة ظهور وعي جديد، عبر البروتستانتية الكالفينية التي غيّرت من رؤية العالم في المسيحية الكاثوليكية، وأنتجت وعياً جديداً ويبقى الفرق بين تفكير الصليبي وتفكير ماكس فيبر، أن الصليبي راقب تحولات الوعي والعمل في المشرق من أقدم عصوره وحتى اليوم، في حين راقب ماكس فيبر ذلك في الغرب الأوروبي والآسيوي، وأن فيبر اشتغل مثل أهل الحوليات في ما بعد على الحقب الطويلة في حين كانت التحولات في نظر الصليبي أسرع حدوثاً وان جرت على سطح ثوابت باقية. لكن الرجلين يلتقيان على أهمية العنصر الإيديولوجي في التحول، وان ذلك يقترن في الغالب ... بتطوراتٍ مادية الطابع في الواقع.

وقد عمل الصليبي في نطاق وسياق هذا المنهج الذي عده البعض نخبوياً، وذا خصوصيةٍ، لأنه لا يهتم بالحركات الجماهيرية الضخمة، ولا بالتاريخ الحضاري أو الثقافي الكبير والعريض للأمة، بل بالتحول العنيف والمفاجئ وذي الطابع المُدهش، دونما عنايةٍ ظاهرةٍ بالسوسيولوجيا، وإنما ببعض التطورات الاقتصادية الطارئة.

لكنه في تطوير عمله من حيث الموضوع والاهتمام مرّ بمرحلتين كبيرتين:

الأولى: الاهتمام بالخصوصية اللبنانية، وقد امتدت عنايته تلك على مدى حوالي العقدين من الزمان. وقد كان واضحاً إن اهتمامه هذا لا يستند إلى خلفيةٍ مسيحيةٍ، بل إلى وعيٍ بأن القلّة المسيحية إنما تملك وعياً رسالياً ضمن الكثرة الغالبة وذلك لتأثره بكتاب ألبرت حوراني بشأن رسالة النخبة المسيحية الإيجابية في المشرق العربي في عصر النهضة. وما انصرف عن التأسيس على حوراني إلا مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وبروز «الوعي»القومي لدى النخب المارونية أو المارونية السياسية على الخصوص، بالانفصال عن العرب أو عن المنطقة إن أمكن. لقد صار الوعي الماروني، والى حدٍ ما المسيحي، فصامياً أو انفصالياً، ولذا فإنه فقد رسالتيه، وما عادت له وظيفةٌ تجاه الذات أو تجاه الآخر العربي المسلم.

أما المرحلة الثانية، فإنها تمتد منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي  والى مطالع القرن الواحد والعشرين. وقد امتلأت بأعمال العروبة والعربية المطلقة، ومن الجهات والأصول الدينية والثقافية والجغرافية. ولعل هذه هي الفرصة لإضافة بُعدٍ مهمٍ إلى منهج استكشاف التحولات التاريخية لدى الصليبي، هو البُعد التأويلي الشاسع أحياناً، فقد أعاد تفسير وتعريب اليهودية والمسيحية عبر العهدين القديم والجديد لتظهر فيهما خصوصيةٌ عربيةٌ منذ القرن السابع أو السادس قبل الميلاد، والى ظهور الدول العربية الحديثة. وقد أثارت هذه التأويلية الهائلة في قراءة النصوص، تأكيداً على الظهورية العربية الخالدة، سخط أكثر الباحثين في التاريخين اليهودي والمسيحي، لكنها أكسبت الراحل شعبيةً واسعةً في أوساط العروبيين والمسلمين.

كمال الصليبي صاحب شخصيةٍ متفردةٍ بين المؤرخين والمفكرين العرب. وهو أيضاً صاحب منهجٍ متفردٍ في كتابة التاريخ في المحيط العربي، ما وافقه عليه اليساريون، ولا اقتنع به القوميون، وأثار في العقود الأخيرة سُخط النُخب الدينية المسيحية. لكنه يبقى إنساناً وكاتباً شديد النزاهة، وبالغ الدقة، وسيبقى له أنه رائدٌ من رواد النهوض بالمنهج التاريخي العربي بأدواتٍ معرفيةً واسعة

 نعته الجامعة الأميركية ببيان جاء فيه أن الأستاذ الدكتور الصليبي كان باحثا مؤلفا مرجعيا وانه ألهم أجيالا من المؤرخين الشباب الذين درسوا على يديه .كما ألقى محاضرات عديدة اختصرت ابحاثه منها محاضرته في "مؤتمر الديموقراطية اللبنانية" في جامعة شيكاغو أيار 1963، ومحاضرته عن فخر الدين المعني الكبير في جامعة الروح القدس في الكسليك آذار-مارس 1970.

 وقد نال الدكتور الصليبي تكريمات عديدة، منها وسام المؤرّخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب أيار-مايو  1993، مع كوكبة من المؤرخين اللبنانيين  البارزين ضمّت قسطنطين زريق  ونقولا زيادة  وزاهية قدّورة وسامي مكارم وعادل إسماعيل وياسين سويد وحسّان حلاق . كما كان من ضمن كوكبة من الأساتذة الباحثين كرّمتهم الجامعة الأميركية  في حزيران-يونيو 2000، وعيّن في 2009 زميلاً فخرياً في" جمعية الدراسات الشرق أوسطية" ، وكانت أبواب بيته مفتوحة لطلبته وزملائه وأصدقائه وكثيرا ما كان يتحفهم بعزفه على البيانو . ومن الطريف انه كان كاتبا مسرحيا فعلى سبيل المثال عرضت في حزيران 1977 مسرحية ساخرة من تأليفه ...

   يقول الأستاذ زياد مني أن الدكتور الصليبي  من العلماء النادرين الذين أثبتوا صحة وجود علاقة طردية بين العلم والتواضع. كان يشعر بأن العلماء الغربيين عارضوه ووقفوا ضده لكونه عربياً. كان يقول: «لقد وقفوا ضد موضوعتي لأني عربيّ» كان شديد الاعتزاز بهويته العربية وقد تعرض لفترة الى الانتقاد والهجوم لكن ذلك لم يفت في عضده ولم تتأثر قناعاته مع انه كان يتألم .
نشر العديد من الأبحاث في مجلات إنكليزية متخصصة، لذا لم يطلع القارئ العربي عليها. وقد وافق، بلا تردد، على أن يقوم تلميذه زياد مني بترجمتها ونشرها ومنها كتابه الموسوم : " ، كتبه باللغة الإنكليزية The Historicity of Biblical Israel وصدر عن «المعهد الملكي» في عمان. وكان يتردد في نشره بالعربية ويقول: «لا أريد مشاكل إضافية». فانتظر. وبعد مرور سنوات عدة سمح لي بترجمته إلى العربية، على ألا أنشره إلا بعد موافقته.

في الفترة الأخيرة، عانى من مشاكل صحية حدت من مقدرته على المشي والقراءة، لكن عقله وذهنه  - كغيره من المفكرين –ظلا متوقدين حتى آخر لحظة من وفاته .وفي يوم الخميس 2 من أيلول –سبتمبر 2011 رحل الصليبي عن عمر ناهز أل 82  .ويقينا أن ما تركه من ارث سيبقى قادرا على تذكير الأجيال القادمة به .
















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق