الأحد، 4 ديسمبر، 2011

زها حديد تصمم بناية البنك المركزي العراقي الجديدة ببغداد


 زها حديد تصمم بناية البنك المركزي العراقي الجديدة ببغداد
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل
منذ سنوات طويلة، وأنا أتابع بشغف ما تقدمه المهندسة المعمارية الموصلية العراقية زهاء محمد حديد . ولمناسبة حصولها في العشرين من آذار سنة 2004 على جائزة برتيزكر للمعمار والتي تقدم لأفضل المعماريين في العالم من الذين تقدم أعمالهم وتصاميمهم المشيدة إسهامات مهمة للمعمار العالمي ، فان اسم زهاء حديد اخذ يتردد في وسائل الإعلام وعلى صفحات الشـبكة العالمية (الانترنيت) وخاصة على الموقع المعروف (الحضارة) وهذه الجائزة التي أنشأتها أسرة بريتزكر النمساوية سنة 1979 تمنح لأول مرة في تاريخها لامرأة وتتألف الجائزة من ميدالية من البرونز ومبلغا من المال يصل إلى مائة ألف دولار . ومما جاء في شهادة تحكيم الجائزة : ( ان الطريق الذي سارت فيه زهاء حديد للحصول على الاعتراف الدولي بها كمتخصصة في التصميم المعماري ، كان بمثابة الكفاح البطولي ) .
كما أن إحدى الصحف الايطالية وصفت زهاء حديد الحائزة على هذه الجائزة بأنها ذات ذكاء خارق وهي من اكبر فنانات عصرنا الراهن . ولم تكن جائزة بريتزكر الأولى التي حصلت عليها زهاء حديد فلقد سبق لها أن نالت جوائز عديدة وشهادات تقديرية كثيرة لعل من أبرزها الجائزة النمساوية التي حصلت عليها في 13 كانون الأول سنة 2002 وقد عدت في حينه أفضل معمارية في العالم .
ولدت زهاء حديد سنة 1950 وهي ابنة السياسي والاقتصادي العراقي الكبير محمد حديد(1906 ـ 1999) والذي تولى وزارة المالية في العراق بعد سقوط النظام الملكي وقيام جمهورية العراق في 14 تموز 1958 . أما جدها فهو الحاج حسين حديد وقد سبق أن تولى رئاسة بلدية الموصل بين سنتي 1927 و1929 وله انجازاته التي يذكرها أبناء الموصل . حتى يومنا هذا وخاصة في مجال ( تعمير الموصل وتجميلها ) . أكملت زهاء حديد دراستها الأولية في العراق ، والتحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1971 ، وبعدها سافرت إلى لندن ، وحصلت على شهادة عالية في الهندسة المعمارية وتدربت في مدرسة التجمع المعماري في لندن (Archiectural association ) كما عملت بعد تخرجها سنة 1977 مع مكتب عمارة المترو بوليتان مع المهندس ( ريم كولهاس) والمهندس (ايليا زينيليس) وعندما وجدت في نفسها الكفاءة والمقدرة افتتحت لها مكتبا استشاريا معماريا سنة 1987 في لندن ، ومنذ ذلك الوقت وهي تتألق في مجال التصميم المعماري حتى أن جامعات عديدة في اوربا والولايات المتحدة الأمريكية استضافتها كأستاذة زائرة ، ومن ابرز هذه الجامعات جامعة هامبورغ بألمانيا ، وجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية .
جاء في مجلة الفنون ( الكويتية) العدد 37 كانون الثاني ـ يناير 2004 ، (إن أبنية زهاء حديد مثيرة للجدل ، وأنها تتبنى ابرز الصر عات التجديدية ، وتقترب من أفكار الأسلوب التكعيبي رغم أنها أي الأبنية لاتخلو من غرابة الشكل .. وزهاء حديد ترفض التقاليد الموروثة في العمل المعماري على اعتبار ان عملية توليد شكل جديد ينبع من حاجات جديدة مختلفة ، فلكل عمارة دورا تؤديه وعصرا تنتعش فيه ) .
أما جريدة الصباح (البغدادية) فذكرت في عددها الصادر يوم 4 مايس / أيار 2004 ان زهاء حديد تنتمي إلى المدرسة التفكيكية في المعمار وهي مدرسة فكرية معمارية حديثة تقوم على أسس المدرسة التفكيكية الأدبية التي أسسها الفيلسوف الفرنسي( جاك دير يدا) في السبعينات من القرن الماضي . ومما تتصف به هذه المدرسة أنها تستخدم أشكالا هندسية غريبة وهجينة وغير مألوفة . وقد اشتهرت زهاء حديد بانها في تصميماتها تنزع إلى المثالية والجرأة والخيال ومن ابرز ممثلي هذه المدرسة بيتر ايزلمان وفرانك جيريما وبرنادر كشومي وتوم ماني ودانييل لايبسكيند ومعظم هؤلاء من المعماريين الحداثيين الرافضين لأسس العمارة التقليدية .
أنجزت زهاء حديد الكثير من التصاميم المعمارية لمنشآت ثقافية وخدمية منتشرة في مختلف أنحاء العالم منها على سبيل المثال :
1 . دار اوبراكادرف في بريطانيا وقد سبق لها أن فازت بمسابقة أفضل تصميم له سنة 1994 .
2 . محطة لإطفاء الحرائق في (فيترا ويل امرين) بألمانيا (1991 ـ1993) .
3 . مرسى لسفن في بالميرو بصقلية 1999 .
4 . المركز العلمي لمدينة وولفسبورغ بالمانيا 1999 .
5 . المسجد الكبير في ستراسبورغ بفرنسا .
6 . مركز الفنون الحديثة (روزنثال) في سنسناتي بالولايات المتـحدة الأمريكية .
7 . مركز الفنون الحديثة في العاصمة الايطالية روما .
8 . المبنى الرئيس لمصنع سيارات ( بي ام دبليو) في لايبزك بالمانيا .
9 . مركز الفنون في اوكلاهوما .
10 . نادي مونسن بار في سابورو باليابان 1988 ـ1989 .
11 . منصة التزلج على الجليد في انزبروك بالنمسا 2001 .
12 . متحف الفنون الإسلامية في الدوحة .
13 . جسر أبو ظبي على ساحل الخليج العربي والذي يربط ارض دولة الإمارات العربية المتحدة بجزيرة عاصمتها أبو ظبي .
14 . توسعات في مجمع البرلمان الهولندي في لاهاي 1978 ـ 1978 .
15 مجمع اسكان (ابا) في برلين 1983 .
16 . مكتبة جامعة سينفيل .
17 . دار الأوبرا في دبي والتي تمتد داخل الماء .
18 . مركز ماجي في كير كالدي بلندن .
19 . مركز نينو للعلوم في وولفسبيرغ في المانيا وهو العمل الذي رشحها لجائزة ستيرلنغ سنة 2001 .
هذا فضلا عن تصميمها لاعداد كبيرة من بنايات لمكاتب ادارية ، وقاعات ومعارض ، ومشاريع لتطوير المساكن وتصمم لان تقدم لوطنها العراق مشروعا معماريا يليق ببلد الحضارات ، حضارات سومر واكد وآشور .. بلد حضارة العباسيين العربية الإسلامية .
ان هذا الحيز المقتضب لايمكن أن يفي زهاء حديد حقها ، لكن لابد من التأكيد على أن زهاء قدمت أعمالا معمارية تستحق الدراسة في كليات الهندسة والأقسام المعمارية منها خاصة وأنها تعد اليوم من أفضل المهندسين المعماريين في العالم . وقد جاء في جريدة الصباح ( العدد الصادر يوم 11 مارس / ايار 2004) ما يفيد بان إبداعات زهاء حديد تعكس انسيابية الخطوط العربية ، فأبنيتها تقوم على دعامات عجيبة ، وعند معاينة أعمالها نلحظ للوهلة الأولى القلق و عدم الاستقرار واضحا في تلك الأعمال ومن الطبيعي أن هذا يجيء ليعبر عن روح العصر المتسمة بعدم الطمأنينة ، لكن هذا لايمنع من أن يؤشر عددا من النقاد حالة الصرامة والجدية في تصميماتها هذا فضلا عن ما تتسم به حالة الاسترسال إلى الفضاءات الخارجية بشكل لامتناه مما يعكس الموروث الإسلامي في المعمار والذي يلتقي مع حالة التناغم والاستمرارية بين الفضاءات الداخلية والخارجية التي تتصف بها العمارة الاسلامية .
تحدثت زهاء حديد عن تجربتها المعمارية أكثر من مرة ، كان آخرها في تشرين الأول/ أكتوبر سنة 2006 ( انظر موقع إيلاف الالكتروني في 12 أكتوبر / تشرين الأول 2006 ) فقالت أن لغتها المعمارية المبكرة امتازت بالزوايا الحادة والقائمة والإشكال المربعة ، أما في السنوات الأخيرة فقد أخذت مفرداتها المعمارية تمتاز بأشكال لدقة متموجة م ونابضة في آن واحد ، عناصرها المعمارية كالجدران والأرضيات والسقوف تبدو ممطوطة وحنية لاجل تشكيل الفضاء الذي تدعوه ( الحيز السائل) حيث تمحى الحدود بين العمارة والطبيعة فتغدو الابنية مركبا عضويا ضمن(Landscape ) المشهد الطبيعي . ويذكر احد النقاد ان زهاء حديد أيقنت أن الأساليب التقليدية التي يتبعها المعماريون لتوضيح أفكارهم التصميمية كانت أضيق من ان تعبر عن الفضاءات والأشكال المعمارية التي كانت في مخيلتها آنذاك ، فبدأت برسم لوحات خيالية بمنظور ذو زوايا نظر متعددة في اللوحة الواحدة ..
لقد كانت لوحات وأشكال زهاء حديد كما يقول النقاد بمثابة تحد صارخ لقوانين الجاذبية والمنطق السائد لشروط رسوم المنظور المعماري ، فضلا عن ان اكتشافها مجالات فريدة للتكوين المعماري وباسلوب جديد تماما ثم اعتبار الحلول التصميمية الراديكالية التي قدمتها للعديد من المشاريع في السنوات الاولى لممارستها المهنة ضمن الحلول غير القابلة للتنفيذ ورغم كل هذا كان مكتبها المعماري يحاول البقاء بالاعتماد على بعض المشاريع القليلة والمسابقات التي كانت توفر بعض المردود المادي وطوال ذلك الوقت كان عليها ان تبدي حماسة وطاقة كبيرين لادامة ايمانها بان مشاريعها ستنفذ ذات يوم .
وفي سنة 2004 أعادت زهاء حديد كتابة تاريخ العمارة الإنسانية حين تم منحها جائزة بريتزكر المشار إليها لتنضم إلى عمالقة تاريخ العمارة الحديثة مثل فرانك غيري ( متحف غوغنهايم بلباو) ورنزو بيانو ( مركز بومبيدو باريس) ويورن اتزن ( اوبرا سدني) . وقد عد اسلوبها المعماري متميزا بالفرادة والاختلاف مقارنة بمعظم اساليب المعماريين الاخرين لانها ، كما تقول ، تحاول إثناء العمل استفزاز الشروط التصميمية من خلال مساءلة القناعات السائدة بشأن معاني الرموز والاشكال او التعريفات الجاهزة بخصوص كيفية تصميم الابنية ، سواء كانت دار سكنية او مكتبة عامة من حيث الشكل او التوزيع الوظيفي . وتقول في هذا الصدد انها لاتعتقد بوجود حل ثابت ومثالي لاي مبنى مهما كانت وظيفته فعندما نبدأ باعادة كتابة تعريف المبنى تأتي النتيجة المعمارية مختلفة ((فأعمالي كانت تبدو مختلفة منذ البدايات ، حيث كنت أسعى لتقديم المشاريع بوسائل غير تقليدية .. كما كنت اقضي وقتا طويلا في البحث وتطوير الفكرة التصميمية وطموحي كان دائما هو تحويل بعض المشاريع النظرية التي تبدو للوهلة الاولى مستحيلة التنفيذ إلى واقع إنشائي معاش )) .
وترفض زهاء حديد ان تكون أعمالها المعمارية فنا نحتيا وتقول ان العمل النحتي يفتقد الوظيفة العملية ، في حين أن العمارة تلبي وظيفة خدمية محددة وتذهب زهاء حديد بعيدا عندما تؤكد أن أعمالها تتميز بطابع اجتماعي وتقول أن كل الأعمال المعمارية ذات الطابع العام تحمل مضمونا اجتماعيا ، لكن على الأعمال المعمارية أن لأتمثل أيدلوجية سياسية محددة فهنا يكمن الخطر ، فالعمارة يجب ان تكون مستقلة ، وان توفر ظروف معيشية جيدة للبشر دون تمييز .. كما ان الاعمال المعمارية ينبغي ان تتكيف مع المشهد الطبيعي المحيط بها فثمة علاقة بين التصور التصميمي للعمارة والمشهد الطبيعي المتمثل أو الأبنية المجاورة وعلى المعماري ان يخلق تناغم مع الموقع المحيط عندما يقوم بتصميم المبنى الجديد وهكذا يمكن اجراؤه ببساطة إذا حاول المعماري استلهام عنصر أو أكثر من البيئة المجاورة من جهة وان لايتغافل عن و جود علاقة بين العمل المعماري وحياة وأحاسيس الإنسان .
وتركز زهاء حديد على البحث والتحليل في أعمالها وتؤكد أن البحث المعماري يتم على ثلاث مستويات أولا من خلال رسم وبناء المجسمات وثانيا تحليل موقع البناء وما يحيطه وأخيرا دراسة ظروف الحياة وأساليب المعيشة في المكان وبهذه الطريقة يوسع المعماري عالمه البصري .
وأخيرا فان زهاء حديد ليست منفصلة عن حياتها وتجربتها في العراق وفي الموصل بالذات .. بالرغم من أنها غادرت العراق وعمرها (16) سنة وتقول ان والدتها ( كانت ربة بيت تحب الرسم وتمارسه بشكل جيد وهي من علمتها الرسم ، وكان لها ذوق رائع ونظرة حادة للأشكال الجميلة . كما ان والدها السياسي الوطني التقدمي محمد حديد ، شغل مناصب مهمة في العراق ابان العهدين الملكي والجمهوري آخرها ، كان وزيرا للمالية في عهد اللواء الركن عبد الكريم قاسم (1958 ـ1963) ، زرع فيها حب المعرفة وأهمية الدراسة والتحصيل العلمي كجواز سفر الإنسان في الحياة )، وقد قالت بأنها تطمح  لان تنفذ في العراق عملا معماريا متميزا عندما تستقر الأمور ويتحسن الوضع الامني  وها هي تبر بوعدها وتصمم بناية البنك المركزي العراقي الجديدة .نبارك لها هذا العمل الذي سوف ينتهي سنة 2016 ان شاء الله ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق