الخميس، 22 ديسمبر، 2011

"موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين" : الأمانة العلمية ..والوفاء للراحلين





"موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين" : الأمانة العلمية ..والوفاء للراحلين
بقلم :  أنور عبد العزيز
قاص وكاتب -الموصل

    "موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين " في جزئها الأول للأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الموصل ومدير مركز الدراسات الإقليمية بالجامعة،هي أخر إصدارات المؤرخ - الباحث والتي بلغ عددها أربعين كتاباً منذ سنة 1982وحتى الآن ومن ضمنها أطروحتاه للماجستير والدكتوراه .. الموسوعة طبعت على نفقته الخاصة في دار ابن الأثير للطباعة والنشر بالموصل وتقع  في أربع وثلاثين وثلاثمائة صفحة من الحجم الكبير لسنة 2011... بدأت الموسوعة بإهداء خاص ثم (مقدمة) للدكتور حميد الهاشمي رئيس تحرير مجلة (علوم إنسانية)بهولندا بعدها (مقدمة) مركزة للمؤرخ العلاف ثم (مقدمة)  ثانية تفصيلية منه عن سيرته الذاتية وعن نتاجه الفكري والتاريخي والذي بلغ (40) لوحده وبالاشتراك مع عدد من زملائه يضاف لها (500) مقالة صحفية ثقافية .
     بعدها ترجمة للمؤرخين  وقد بلغ عددهم (60) مؤرخاً تسلسلوا حسب الأبجدية ،كلهم من المشهورين وغالبية كبيرة منهم من الراحلين والأكثر شهرة من بينهم بجهودهم الكبيرة وأسمائهم اللامعة : جواد علي وجعفر خصباك وحسين أمين وحسين قاسم العزيز وزكي صالح  وصالح احمد العلي وطه باقر وفاضل حسين وفيصل السامر وعباس العزاوي وكمال مظهر احمد وعبد العزيز الدوري وعبد الرزاق الحسني وعلاء الدين السجادي ومجيد خدوري ومحمد امين زكي ومحمد توفيق حسين ومحمد الهاشمي ومحمود علي الداؤود ومصطفى جواد ومليحة رحمة الله ومير بصري ونبيلة عبد المنعم داؤد وناجي معروف وهاشم صالح التكريتي وهاشم يحيى الملاح وواجدة الاطرقجي وياسين عبد الكريم .. هؤلاء الأفذاذ الكبار كان المؤرخ إبراهيم خليل العلاف أميناً في سرد ترجمتهم الذاتية وأكثر أمانة في التعامل مع منجزاتهم التاريخية بذاكرة حية واعتماد أكثر من مرجع ومصدر في التحري عما قدموه من جهود علمية ستذكرها لهم الجامعات وطلبة الدراسات العليا والباحثون والقراء عموماً ولأكثر من جيل .
    كنت اقرأ وأنا أتابع نبرة الحزن والأسى في كل كلمات الباحث وهو تحدث عن الراحلين منهم بوفاء إنساني وبتقدير كبير واعتراف بفضلهم على مدنهم وبلادهم ومجتمعهم العلمي والمجتمع الأكبر من شعب وطنهم ... قيم النبل والوفاء تجاه هؤلاء وبالطريقة الأليفة التي كتبت بها كل ترجمة نكتشف بوضوح نزعة الاعتراف بالفضل وبمحبة كبيرة لهؤلاء الذين منحوا كل أعمارهم للبحث والقراءة والكتابة والتواصل مع مستجدات اختصاصهم عبر هذه الندوة أو تلك المحاضرة أوفي مناقشات الاطاريح الجامعية ومع عالم المكتبات والبحث المضني عن المصادر في هذا البلد أو ذاك مع تعب العمر وضيق ذات اليد، لذا فقد عالج المؤرخ العلاف تفاصيل موسوعته وحياة أصحابها ومنجزاتهم بعيداً عن أي تقليد او جمود وقد قدم لنا شخصياته بتواريخهم وتراثهم ومفارقات حياة البعض منهم وكأنه يقرأ قصة أدبية إنسانية مع انه حافظ ومع كل تعامل وتفاعل معهم بنظرة علمية موضوعية هي نظرة الباحث الحريص الذي لاتنسية العاطفة والتعاطف مع هؤلاء انه باحث يجب عليه الالتزام بشروط البحث العلمي .. تلك الموازنة بين اشتراطات البحث العلمي والانحياز الإنساني لم تفارق الباحث ومع كل المؤرخين الستين الذين تناولهم بالترجمة ... لم يجرح أحدا منهم ولو بخدش بسيط واعتمد التلميح – في حالة الخلل- بكل استحياء العلماء مؤمناً  أن الحقيقة التاريخية الواحدة غيرها من الحقائق طالما تختلف حولها الأحكام تظل مقبولة ونسبية شرط عدم إخلال المؤرخ بالعلمية والموضوعية .
     ومما يلاحظ على الموسوعة هو التفاصيل الدقيقة للمترجم لهم علميا وحياتيا وبمختلف مدارسهم التاريخية ومناهجهم في البحث وأرى أن نجاح العلاف- بالإضافة لقدرته- سببه حتماً معرفته الدقيقة لهم إذ أن عدداً منهم كانوا زملاء له في عهود التلمذة والصبا في الابتدائية والثانوية وممن زاملوه في الكلية وتخرجوا معه أو ممن عاصروه وعملوا معه كأساتذة في هذه الكلية أو تلك بعد أن نالوا درجاتهم العلمية .. أو ممن كانوا معه أساتذته في مادة التاريخ العام أو الحديث بجامعة بغداد،لذا فان الباحث رغم منهجه النقدي التاريخي الرصين لم يستطع التخلي عن عاطفة استذكارات الحنين لأولئك الأعلام البررة.
     يلاحظ أن كاتب الموسوعة جمع – في منهجه النقدي التاريخي-بين طرائق الباحثين التراثيين القدامى من السلف وبين ماافرزته وتفرزة الفنون أو العلوم التاريخية الحديثة من مستجدات ومستحدثات... لاحظ المؤرخ العلاف أن كل من تناولهم بالبحث والاستقصاء والكشف لم يكونوا غرباء معزولين عن مدنهم ووطنهم وشعبهم وأمتهم... والملاحظة الأدق – وكما استنتجت من قراءتي للموسوعة – ان غالبية هؤلاء لم تعرف لهم عصبية لمدنهم، بل هم قد ألفوا – بالإضافة  لتاريخ مدنهم- الهموم التاريخية الحديثة فيها والمعاصرة لوطنهم بل ومنهم من تجاوز ذلك لهموم الوطن الكبير وخير مثال على ذلك اهتمامات المؤرخ العلاف نفسه مع باحثين آخرين أعطوا لبحوث بلدان الجوار والعلاقات الإقليمية أهمية بالغة .. ورغم صعوبة كتابة التاريخ أو إعادة كتابته في بلدان يحكمها الاستبداد والقطبية الواحدة وكذا في أزمان وظروف التخبط والانفلات والفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية ،فان كاتب الموسوعة استطاع والى حد كبير – أن يشكل بقناعاته العلمية عمن تناولهم في الموسوعة ( ذاكرة تاريخية حية ونشيطة) حفظت للمؤرخين جهودهم وأتعابهم في مواجهة من سيقرأ لهم ويتعرف عليهم الآن وحتى في أزمان قادمة.
      ومن الملاحظ أيضا إن المؤرخ إبراهيم خليل العلاف وهو يعالج أحكامه الدقيقة على الطروحات والمناهج التاريخية للمترجم لهم ،كان حريصا على أن يفعل ذلك بأبعد حالات التجرد وبنظرة قومية وطنية إنسانية لاتعرف الانغلاق والعصبية هذا مامنح موسوعته ألفة حميمية ومصداقية علمية ستشد قراء الموسوعة إليها وستعيد لهم –في الأقل –ذكرى أولئك المؤرخين الافذاذ الميامين وما قدموه لوطنهم وشعبهم ... ومن ايجابيات الموسوعة إن كاتبها لم يحدد شرط الأكاديمية في مختاراته من أسماء المؤرخين، بل تناول عدداً ممن لايحملون شهادة أكاديمية مكتفياً باعتراف (المحافل العلمية) بنتاجاتهم ومسيرتهم العلمية... هذا الحرص وهذا الجمع بين هدفين:توفير المادة التاريخية للقارئ مع تحقيق مشاعر الوفاء والاستذكار والحنين للراحلين من المؤرخين هو ماسيتوج احتفاء القراء بمثل هذه الموسوعة... 
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق