الأربعاء، 30 مايو 2012

نقباء الموصل :كتاب جديد


                       نقباء الموصل :كتاب جديد
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل
   اكتملت الشروط الاساسية لمؤسسة نقابة الاشراف أيام السيطرة العثمانية على الولايات ألعربية وعواصمها، ومدنها الكبرى .والأشراف هم الذين يعودون بنسبهم الى الرسول الكريم  محمد صلى الله عليه وسلم .  والأشراف من الاسر العربية العريقة الشريفة التي اشتهرت بالسيادة ، والعلم ، والزعامة طيلة العصور الاسلامية السالفة ومن هؤلاء الاشراف في مكة المكرمة ، وال البكري في القاهرة ، وال الخالدي ، وال العلمي في القدس ، وال الجابري في حلب ، وال النقيب في البصرة ، وال الكيلاني في بغداد ، وال النقيب في الموصل .
    وكان الاشراف في العهد العثماني  وقبله - كما اشرت الى ذلك في كتابي الذي الفته سنة 1983  بعنوان : " تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني " ويدرس في الجامعات العراقية والعربية ،يقومون بدور الوسيط بين الحكام والسكان المحليين ، وكثيرا ما قاموا بالحد من جماح السلطة العثمانية ، وانحازوا للناس وكانت وسائل القيام بهذا العمل متاحة لهم فهم يستطيعون تعبئة الرأي العام ، وتجنيده عن طريق استخدامهم الوعاظ والأئمة ومشايخ الحارات والمحلات وقادة الاصناف والتنظيمات المهنية والحرفية .هذا فضلا عن تأثيرهم ونفوذهم من خلال الروابط التي قائمة بينهم وبين العلماء ، ومشيحة الاسلام في العاصمة العثمانية استانبول .
   وكم كان بودنا ان يقف احد الباحثين يوما عند  نقباء الاشراف في الموصل  ، ولم نكن نملك من المعلومات سوى ان المرحوم الاستاذ حازم فؤاد المفتي قد كتب كتابا بعنوان : " نقباء الموصل العلويون وابناؤهم " ، وما يتحرز عليه الاستاذ توفيق الفخري من أوراق ومخطوطات وما كان متوفرا من نسخ مصورة من "بحر الانساب لنقباء الموصل " لنقيب النقباء الحسن ركن الدين . ويبدو ان الاستاذ  اللواء المتقاعد وليد قاسم النقيب كان من اولئك الذين كرسوا انفسهم لأداء هذا الواجب الشرعي ، والعلمي، والوطني والانساني .فمنذ اكثر من 18 ثمانية عشر عاما وهو يغذ السير في هذا الاتجاه وقبل ايام فاجأنا بسفر عظيم مؤلف من  خمس مجلدات من القطع الكبير وبواقع 1865 صفحة .وكان للأستاذ هشام غانم النقيب فضل اخراج الكتاب وطبعه كما صححه لغويا اثنان من الاصدقاء هما الاستاذ حسام قاسم العبيدي رحمه الله  والأستاذ طلعت حميد النقيب، وتولى تصميم الغلاف الصديق الفنان التشكيلي الاستاذ احمد دخيل يحيى النقيب .
  عنوان الكتاب :" نقباء الموصل ..غصن الاباء في بيت اهل العباء  أحفاد عبيد الله الاعرج " .والمؤلف هو السيد وليد بن قاسم بن محمد النقيب بن محمد طاهر النقيب بن عبدالله النقيب قاسم النقيب بن يحيى النقيب نقيب الاشراف حسن بن حسين ضياء الدين النقيب  نقيب الاشراف علي زين العابدين بن نقيب الاشراف احمد شرف الدين وهكذا يستمر النسب حتى عبيد الله الاعرج بن حسين الاصغر بن الامام السجاد علي زين العابدين بن الامام السبط الشهيد في الطف ابي عبد الله الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام ورضي الله عنه . والأستاذ السيد  اللواء وليد النقيب هو من الاصدقاء الطيبين المحبين للعلم والعلماء وللرجل علاقات واسعة مع عدد من المؤرخين منهم صديقنا الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف الذي قام –مشكورا- بتدقيق الكتاب من الناحية التاريخية .
  يقينا  ان عرض مثل هذا السفر الكبير، ليس عملية هينة فالموضوع مهم ، والجهد واضح   والكتاب أقرب الى ان يكون موسوعة متكاملة في أنساب السادة الاعرجية .ومن المؤكد ان الاستاذ وليد النقيب أضاف ورقة يانعة في شجرة تاريخ الموصل الحدباء ام الربيعين بتسليطه الضوء على عدد من الاسر الموصلية العريقة وتاريخ الموصل كما قلت يوما وأقول دائما  ما هو  إلا تاريخ اسر وعوائل .
  لقد تتبع المؤلف هذه الاسرة منذ قدومها الموصل من الكوفة وقال : " لقد تتبعت اثار ...ذكرى سفر ابناء النقيب الزاهد العابد محمد أبي البركات حاكم الكوفة وإمامها الاعظم المولى طاهر نقيب السادات ونقيب الموصل وتشريفه ارض الموصل سنة 431 هجرية -1039 ميلادية ..." .
   أكد الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف المؤرخ العراقي المعروف والأستاذ  الاسبق في جامعة بغداد والاستاذ حاليا في جامعة صلاح الدين باربيل في تقديمه للكتاب ان العرب –ومنذ قرون – اهتموا  بحفظ انسابهم وانساب أشرافهم المتحدرين من ذرية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم  ، لما لهم من موقع اجتماعي متميز في المدن العربية والاسلامية ولهم تقديرهم بين الناس وحين تأسست نقابات الاشراف صار النقيب أشد الناس حرصا على صحة النسب وسرعان ما تطور الامر ليقترن  النسب بالحسب أي بما يحسب للإنسان من  فعال محمودة  .
    وكان ثمة نقيب في المدينة الرئيسة ونقيب للنقباء في العواصم ،وقد شهدت نقابات الاشراف الكثير من التطورات بحسب تعاقب العصور، ونتيجة لانحسار السلطة السياسية في بعض المناطق ، كان بعض النقباء يتقدمون للقيام بواجباتهم في رعاية شؤون الناس فضلا عن اشغال بعضهم مهام علمية  وأدبية واجتماعية ، وقضائية،  وشرعية، فألتف الناس حولهم وأحبوهم وأصبحنا نعرف من بينهم قادة وزعماء كانت لهم ادوارهم العظيمة في الدفاع عن مصالح البلاد والعباد .
   لقد كان القرن الخامس الهجري –الحادي عشر الميلادي تاريخا حاسما في امتداد نقابة العلويين التي كان مقرها الكوفة الى مناطق واسعة من العالم الاسلامي . ففي سنة 431 هجرية -1039 ميلادية هاجر ابن لنقيب الكوفة وهو الامام محمد ابو البركات من احفاد عبيد الله الاعرج الى مدينة الموصل ليؤسس فيها نقابة .ولأهمية موقع الموصل الاستراتيجي ولثرائها الحضاري ، والبشري ،والتاريخي برز نقباء الموصل وكان معظمهم يتمتع بمزايا علمية واجتماعية حببت الناس بهم .
   وكما هو معروف فأن في "اتحاد المؤرخين العرب" ومقره بغداد "هيئة عربية لكتابة تاريخ الانساب " ،وقد اطلعت الهيئة على الكتاب وامتدحته ووضحت في مقدمتها  التي وقعها الدكتور أحمد خضر سلمان العباسي الدوري مقرر الهيئة ان ثمة قوى خارجية استهدفت اضعاف الامة العربية من خلال التشكيك بالأنساب واتهام بعض النسابين بالوضع وكثيرا ما تعرضت كتب الانساب الى التدمير وهذا ما وضع على كاهل النسابة مهام كبيرة أبرزها السعي لحفظ الانساب والتدقيق فيها وإعادة توثيق ما ضاع من خلال دراسة مؤلفات النسابين ومشجرات الانساب للقبائل والعشائر والأسر وتحقق فيها وتبين الرأي الصريح فيها ثم تصادق عليها أو تصححها .
   لقد أرخ الاستاذ وليد قاسم النقيب وهو من السادة الاعرجية من ذرية السيد النقيب الزاهد محمد أبي البركات نقيب الكوفة وحاكمها وامامها الاعظم  لنقباء الموصل ووثق انسابهم واعتمد على العديد من المخطوطات وقسم  كتابه على 45 فصلا عدا الفهارس  .تابع تاريخ ال النقيب في الموصل ووقف على بطونهم ،وأفخاذهم ومساكنهم وأعمدتهم وترجم لقرابة 501 شخصا وتطرق الى موضوعات مهمة منها اهمية النسب والانتماء الى الاصول وأهمية النسب وطبقات الانساب وبيان اصطلاحات النسابين ونشأة نقابة الاشراف في الموصل واتساع مهامها لتشمل مناطق ديار بكر ونصيبين ودمشق ومرو وكربلاء والنجف وتطرق الى قيامهم بوظائف الافتاء والقضاء والتعليم وأشار الى ترب نقباء الموصل ولم يترك كبيرة ولاصغيرة مما يتعلق بنقباء الموصل إلا احصاها .كتب عن الاسر النقيبية في الموصل ، ومنهم ال النقيب وال المفتي وال العريبي وال السردار وال سيد علي وال خليفة وال مرتضى وال عباس صاحب الحقيقة وال حيدر صاحب التقوى وال سيد خليل وال العبيدي وال الاعرجي وال القاضي وال الفخري وال سيد محمود وال الحسيني وال موسى الحدادي وغيرهم مما ورد ذكرهم في الكتاب . كما  وقف عند نقباء الاشراف وحسب تسلسلات ادائهم لوظائفهم زمنيا ، وأرخ لهم ، وذكر ادوارهم ، وتابع سيرهم الذاتية بكل دقة وتفصيل .ومما يسجل لصالح الكتاب كذلك انه ضم الكثير من شجرات النسب والملاحق المفيدة .
    أدلى  الصديق السيد جواد هبة الدين الحسيني الشهرستاني نقيب النقباء للسادة العلويين الاشراف في العراق بدلوه وقال كلمته في الكتاب ومما قاله انه لايسعه إلا ان يردد ما سبق ان قاله الشاعر الموصلي الشهير عبد الباقي العمري الفاروقي في بائيته الرائعة بحق "ال العباء " في مئتين وستين من روائع ابياته الخالدة ..
هذا الكتاب المنتقى والمجتبى
من نعت اهل البيت أصحاب العبا
ومما عرف عن العمري الفاروقي مدحه لآل بيت النبوة وآخر ما نظمه قبل وفاته بيومين سنة 1279 هجرية   1862    
ال العبا كم لهم أياد
فاضت على الخلق من يديهم
اني اليهم أحن شوقا
أحن شوقا اني اليهم
    أما نقيب السادة الاشراف في الموصل السيد جمال الدين يحيى قاسم النقيب، فقد اكد بأن تدوين تاريخ نقباء الموصل ضرورة علمية ودينية  وإنسانية خاصة بعد سنوات مضت من الاهمال في هذا  المضمار ، فالكتاب يعد –بحق – امتداد للاثر الزاهي للأجداد موثق بالحقائق التي جمعها الباحث من المخطوطات والمصادر وقد تسامى على ذكر بعض ما لحق بال النقيب من محن عبر العصور ومر عليها مرور الكرام لاخوفا او وجلا وإنما ابتغاء المحافظة على لحمة ونسيج المجتمع الموصلي وهذا مما زاد في قدر المؤلف وعظم مهمته السامية .
  هل استطيع ان اكون  بديلا للقارئ فأعفيه من مشقة قراءة هذا السفر الكبير فمهمتي تقتصر على التعريف بالكتاب وتوضيح قيمته وووضعه في مكانه اللائق به .انه الكتاب –الموسوعة وتمنياتنا لمؤلفه اللواء وليد قاسم النقيب بالعافية والبركة وندعو الله - جل وعلا - ان يجعل جهده هذا في ميزان حسناته .
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق