الجمعة، 30 نوفمبر، 2012

سالم حسين: يا ساكن بديرتنا... شلون وياك

سالم حسين: يا ساكن بديرتنا... شلون وياك
بقلم : سعد هادي
http://www.alfnonaljamela.com/art/cv.php?art=155
مع سالم حسين الامير الشاعر والموسيقار يكفي سؤال واحد ليتدفق في الحديث، وتتشابك بعدها الأحداث، وتتعدد الوجوه والتواريخ. يعترف بأنّ كلّ
شيء ضعف فيه إلا ذاكرته. في منتصف الثمانين، ما زالت ذاكرته وسيلته للانتصار على الوحدة والشيخوخة. كان في انتظارنا على شرفة منزله في إحدى ضواحي دمشق حيث يقيم منذ 2003 مع ابنته سوسن. بعد دقائق من اللقاء، بدأ تيّار الذكريات يتدفّق لأكثر من أربع ساعات. كان يتوقف أحياناً طالباً عدم تسجيل ما يقول، لأنه يمسّ أشخاصاً على قيد الحياة أو وقائع سياسية حرجة.
إنّه متأكّد من سنة الولادة: 4 شباط (فبراير) 1923. لكنّ لا بدّ من أن نوضح أنّه هو من اختار بنفسه اليوم والشهر! ذلك أن الدوائر الحكومية بقيت طويلاً، ولأسباب مجهولة، تثبِّت يوم 1/7 تأريخاً لميلاد كل العراقيّين. سأل أمّه مرةً عمّا تتذكره عن يوم ميلاده، فقالت إنّه كان في أبرد شهور السنة فاستنتج أنّه شباط/ فبراير. أما يوم الولادة فاختاره ليتطابق مع تاريخ زواجه!
في سنّ الخامسة، رأى أخاه الأكبر يحتضن كيساً منفوخاً وهو يهبط من القطار العائد من بغداد، وكان ضمن الحقائب صندوق خشبي غريب الشكل. بعد أيام رأى أخاه يعزف على شيء غريب أخرجه من الكيس، كان ذلك أوّل عود يراه. أمّا الصندوق الخشبي فكان «فونوغرافاً» استمع عبره إلى أم كلثوم وهي تغني: «مالي فتنت بلحظك الفتاكا». توالت بعدها أصوات عبد الوهاب وسيد درويش وسلامة حجازي، وسرعان ما امتلأ البيت بـ600 أسطوانة حفظها عن ظهر قلب. «كان لدينا اشتراك في إحدى الشركات تصلنا أسطواناتها من بغداد أسبوعياً: تانغو ورومبا وفالس وكونشرتات... وكانت مجالس الشعر تُعقد في البيت». عندما بلغ الحادية عشرة، ألَّف أول لحن له، فأصبح نشيداً لمدرسته. وفي مدرسة «الرجاء» الأميركية في البصرة، ألّف ولحّن نشيداً بالإنكليزية، فوعده مدير المدرسة بإرساله إلى أميركا للدراسة. لكنّه بدلاً من ذلك، انتقل مع عائلته إلى بغداد حيث قُبل في مدرسة أميركية أخرى، سرعان ما طردته لأنّه قاد التلاميذ إلى التظاهر. قيل له: هذه مدرسة لأبناء الذوات... اذهب وتظاهر في مدرسة أخرى.
انتهت علاقته بالمدرسة منذ ذلك الحين، وظل يؤدي الامتحانات النهائية خارجياً حتى حصل على الشهادة المتوسطة. استمرت عائلته في إقامة مجلسها الأسبوعي. وكان من روّاده الجواهري وصادق الملائكة (والد نازك الملائكة) الذي يتذكر أنّه اشتكى مرةً من الهذيان الذي تكتبه ابنته. لذا، هو يُعدّ نازك رائدة الشعر الحر بدلاً من السيّاب الذي لا يتذكر أنّه التقاه، بل لا يتذكر أيّ شيء من شعره.
في تلك السنوات، ظلّ سالم حسين يتأرجح بين الموسيقى والشعر، وظلت تلك علامة مميزة طوال حياته. حتى إنّ الجواهري سأله في السبعينيات: «لماذا تركت الشعر؟ كان بإمكانك أن تكون شاعراً كبيراً». أما أحمد رامي فقال له مرةً حين ارتجل بضعة أبيات أمامه: «يا سلام إيه ده، هو انتو العراقيين كلكم زي الكاظمي؟». وكان الكاظمي (1871 ــــ 1935) الذي عاش ومات في مصر اشتهر بالارتجال.
في بداية الأربعينيات، وجد سالم حسين عملاً في أمانة العاصمة، فعُيِّن مفتشاً على الرسوم والطوابع في الملاهي. بينما عُيِّن ناظم الغزالي مفتّشاً على المخابز. وكان كلاهما قد قُبل في معهد الفنون الجميلة: سالم في قسم الموسيقى، فرع دراسة القانون، وناظم في... قسم المسرح. ولم يتعرف أحدهما إلى الآخر الاّ في أحد ملاهي بغداد، حيث كانت المطربة المصرية شهرزاد تغنّي. استمرت علاقة سالم حسين بالغزالي حتى الساعات الأخيرة التي سبقت وفاته. ذهبا معاً في وفد فني إلى فلسطين للترفيه عن الجنود العراقيين خلال حرب 1948، وصار عازفاً للقانون في فرقة الغزالي حين احترف هذا الأخير الغناء في الخمسينيات، وسافرا معاً عام 1963 إلى الكويت حيث شارك ناظم في إحياء الحفلات... ومنها إلى بيروت حيث اشترك في فيلم «وداعاً أيها الحب» مع نجاح سلام، وأدى فيه أغنيته الشهيرة «يا أم العيون السود». وقد رافقه سالم حسين في طريق العودة براً إلى بغداد في 22 تشرين الأوّل/ أكتوبر. «كان ناظم يقود سيارته المرسيدس، خرجنا من بيروت فجراً ووصلنا إلى بغداد بعد منتصف الليل. اتصلت به في اليوم التالي، فردّ شخص آخر على الهاتف، ليقول لي إنّه مات. ظننتها مزحة، لكن إذاعة بغداد أذاعت النبأ. أشيع بعد ذلك أنّه مات مسموماً، وبالطبع اتّجهت أصابع الاتهام إليّ لأنّي كنت آخر من رآه. لكنّ تشريح الجثة أثبت أنه مات نتيجة تخثر الدم في صمام القلب».
عاش سالم حسين في بيروت بين 1959 و1962، وكان يعمل مع «شركة الفنون المتحدة» التي تضمّ حسن المليجي وعبد السلام النابلسي ومحمود نصير. كان يكتب اسكتشات بالعربية الفصحى ويلحّنها، فيعيد نصير صياغتها بالعامية المصرية لتغنيها زوجته نرجس شوقي، ثم تذاع على B.B.C. كانت السهرة في شقته في شارع الحمرا تبدأ بعد الساعة الثالثة صباحاً، وكان روادها من كبار الفنانين. هناك تعرّف إلى فريد الأطرش فأخذه معه إلى القاهرة ليبقى هناك ثمانية شهور، وظل يحضر كل يوم اثنين مجلس القصبجي في المعهد العالي للموسيقى.
لحّن آنذاك لسعاد محمد أغنية «يا ساكن بديرتنا شلون وياك» كما لحّن لإسماعيل شبانة شقيق عبد الحليم حافظ أغنية «الناصرية» التي اشتهرت في مصر لأنّ بعضهم اعتقد أنّها تتغزل بالتيار السياسي لعبد الناصر، بينما كان هو يتغزل بنساء مدينته في جنوب العراق. لكنّه ظل دائماً يعتقد أنّ أفضل ما فعله هو تلحينه القصائد: لحنه لقصيدة الجواهري الشهيرة «يا دجلة الخير» الذي أنجزه عام 1998 حاز الجائزة الأولى في «مهرجان الأغنية العربية» في دمشق. كما أنجز أخيراً لحناً لقصيدة مصطفى جمال الدين التي يعشقها: «بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر إلا ذوت ووريق عودك أخضر». وهو يعدّ ذلك رسالة وفاء للمدينة التي فارقها مكرهاً.
كعازف قانون، يجمع بين خصائص أربع مدارس: المدرسة التركية، مدرسة التكنيك ورائدها عبد الفتاح منسي، مدرسة التقاسيم المصرية وشيخها محمد عبده صالح، ثم مدرسة المقام العراقي. وقد شبّه نوري السعيد عزفه بجملة بليغة رغم أنّه لم يشتهر ببلاغته. إذ قال له: «يخيّل إلي حين أسمعك أنني أسمع رذاذ المطر على أوراق الشجر». كان «الباشا» من العارفين بالمقام العراقي، وكان أكثر مؤديه يخشون من الغناء أمامه. لكنّه هجر آلة القانون ذات يوم، لأنه رآها مُهانة وملقاةً على الأرض في حفلة أقامها مسؤول في النظام السابق، كان يتعمّد إهانة الموسيقيين. كتب قصيدة يعلن فيها اعتزاله إلى الأبد، وحين قرأها لمظفر النوّاب، الذي زاره في بيته، تفهّم سبب اعتزاله.
الآن، لم يعد يستمع إلا للكبار. «كل ما سوى ذلك الآن هرطقة موسيقية». سالم حسين لم يبق لديه الآن سوى القراءة والكتابة. يقرأ على شرفته صباحاً، ثم يعود مساءً ليكتب مستخدماً المسطرة في ضبط السطور التي لم يعد يبصرها جيداً على الورق. يقول: «حين أراجع ما كتبت، لا أجد سوى خطوط متداخلة غير مفهومة. هكذا هي حياتنا أيضاً مزيج من أحداث ووقائع يختلط بعضها ببعض وتتابع بلا انتظام أو تفسير».


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق