الثلاثاء، 29 يناير، 2013

اسهامات الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في الحركة الثقافية العربية المعاصرة

اسهامات الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في الحركة الثقافية العربية المعاصرة

ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل
منذ ان كنا طلابنا في كلية التربية بجامعة بغداد اوائل الستينات من القرن الماضي ، ونحن نسمع ونقرا عن أديب ومترجم واستاذ جامعي موصلي اسمه الدكتور عبد الواحد لؤلؤة ..وقد ازدادت معرفتنا به بعد ان قرانا كتابه الرائد : (( الارض اليباب : الشاعر والقصيدة )) . وكانت قصيدة (تي اس ايليوت) (الارض اليـــباب) أو( الارض الخراب) قد سلبت لبنا وعمقت احساسنا بقيمة الحياة والحب والانسانية .. وفي احدى لقاءاته الصحفية قال الدكتور لؤلؤة ان من ترجم القصيدة على انها (الارض الخراب) لا يعرف هذه القصيدة ، فالارض الخراب تعنى الارض التي خربت وانتهت فيها الحياة ، أما الارض اليباب فتفيد الارض التي انقطع عنها الماء فما عادت تنبت زرعا ، ولكن عودة المياه يعيد الحياة فيها ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) وهذا هو سياق القصيدة وموضوعها الرئيس .
كان للدكتور لؤلؤة اراء صائبة في قضايا ادبية وفكرية خلافية كثيرة ، وكنا كلما قرأنا له شيئا ، كبرت في اعيننا قيمته خاصة وانه كان يضيف كل عام كتابا جديدا او ترجمة لكتاب جديد ..
صديقنا الاستاذ الصحفي اللامع حميد المطبعي ، اطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية افرد للدكتور عبد الواحد لؤلؤة جانبا من صفحات موسوعته ( موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين) ، فقال عن لؤلؤة انه ناقد ، كاتب ، مترجم .. يجيد اللغات الانكليزية والفرنسية والاسبانية والالمانية .. ولد في مدينة الموصل سنة 1931 وهو عبد الواحد مجيد محمد لؤلؤة . اكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في الموصل وسافر الى بغداد ليلتحق بدار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) وقد اختار قسم اللغة الانكليزية وفي سنة 1952 حصل على الليسانس بدرجة شرف باللغة الانكليزية ، وقد ارسل في بعثة
علمية الى الولايات المتحدة الامريكية فنال الماجستير من جامعة هارفرد سنة 1957
والدكتوراه في الادب الانكليزي من جامعة ويسترن رزرف سنة 1962 .
عاد الى العراق فعين مدرسا بكلية الاداب بجامعة بغداد ثم في كلية اللغات بجامعة بغداد وكذلك ، وقد انحصر تدريسه في الجامعة بين سنتي 1957 و1977 وبعدها احال نفسه على التقاعد بعد خدمة جاوزت ال( 25) سنة . وقد سافر الى الاردن ليعمل استاذا في الادب الانكليزي بكلية الاداب جامعة اليرموك منذ سنة 1983 وبعد ان انتهى عقده مع هذه الجامعة انتقل الى جامعة فيلادليفيا بعمان وهي جامعة اهلية ولانعرف عند كتابتنا لهذه السطور اين يعمل الان ولكننا نعرف ان رصيده من الكتب التي الفها قد تجاوز ال(45) كتابا وكلها في النقد والادب والترجمة . ومن كتبه المؤلفة (البحث عن معنى) ، و(النفخ في الرماد) . اما كتبه المترجمة فكثيرة منها ( موسوعة المصطلح النقدي) وتقع في 44 جزءا ومن المسرحيات التي ترجمها ، مسرحية تيمون آردن ، وترجم من العربية الى الانكليزية اربعة كتب من الادب العراقي المعاصر .
تحدث الاستاذ شكيب كاظم سعودي عن الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في مقال نشره في جريدة العراق(البغدادية) بعددها الصادريوم 29 ايلول سنة 2001 فقال بأن الدكتور لؤلؤة لم يهتم بالشعر الغربي ونقله الى اللغة العربية وانما اهتم بالشعر العربي الحديث فعلى سبيل المثال تضمن كتابه ( البحث عن معنى) دراسة نقدية بعنوان: ( البطولة والتشرد عند احمد الصافي النجفي) وتناول في هذه الدراسة حياة هذا الشاعر وشعره المبثوث في عشرة من الدواوين الشعرية المنشورة له ولم يكتف بذلك بل سافر الى دمشق وعقد جلسات طويلة مع الشاعر عندما كان هناك خلال شهر آب سنة 1965 ، وقد ظل الشاعر النجفي يتحدث طوال اربع ساعات حديثا عن الذات والشعر والغربة والموت والخلود ولؤلؤة يستمع الى كل شاردة وواردة تصدر من فيه ، مزهوا بشهادة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري عن النجفي امام عدد من الحاضرين ((هذا يجول في ميادين لايجرؤ احدنا ان يجول فيـها )) .
في حوار أجراه سلام نوري مع الدكتور عبد الواحد لؤلؤة ونشر بجريدة العراق يوم 25 كانون الثاني 2001 قال في قضية قراءة الخطاب الادبي بوصفه موضوعا للبحث : ((ارى الاقتراب من النص الادبي )) . واضاف : ((ان فرض قالب في النقد على النص اشبه بوضع العربة امام الحصان ، ومثل ذلك يقرر الناقد مسبقا انه سيصطنع المقترب التاريخي او الجمالي او النفسي او البنيوي او التفكيكي في تناول النص الادبي ، فاول ناقد في تاريخ الحضارة هو ارسطو الذي يتناول (الدراما) والمأساة بخاصة في كتابه المعروف باسم ( فن الشـعر ) ثم يضع ارسطو قوالب نقدية مسبقة في تناول فنون الشعر بل انه تناول المعروف في تلك الفنون في عصره وما سبق .. ومن تلك الامثلة استخراج ارسطو قواعده النقدية واهمها فكرة الوحدات الثلاث في الدراما وهي ان الدراما يحسن ان تتوفر فيها وحدة الزمن ووحدة مكان الفعل ووحدة الفعل الذي قاد الى الماساة وهذه الوحدات اصبحت قاعدة في النقد الاوربي الحديث . وقد حدث مثل هذا في تراثنا العربي فالخليل بن احمد الفراهيدي تناول المعروف من الشعر واستخلص منه قاعدة عروضية .. وعبثا يحاول اليوم بعض نقادنا عندما لايرجعون الى النصوص بل يريدون تطويع الخطاب النقدي الى مذاهب غريبة عن واقعنا .. وعن تراثنا .
كان الدكتور عبد الواحد لؤلؤة يؤكد بان الترجمة أمانة وقد اجرت معه جريدة الثورة (البغدادية) حوارا لمناسبة حضوره مهرجان المربد في بغداد سنة 2002 ونشر في العدد الصادر يوم 1 آذار 2002 قال فيه ان المترجم ينبغي ان يكون امينا في نقل النص كما ان على المترجم ان يتسلح بأدوات عديدة منها معرفته الدقيقة بلغته اولا وباللغة التي ينقل عنها ، ولايكفي في ذلك استخدام القاموس ، فكم من كلمة يورد القاموس لها معنى لكنها ترد بمعنى آخر في سياق النص .. وبشأن اشكالية ترجمة الشعر قال الدكتور لؤلؤة : ((ليس من السهل ترجمة الشعر ، لان ذلك يتطلب حسا مرهفا بالمفردة والمهم نقل مناخ القصيدة )). وحول تباين الرؤى في الترجمة مع تعاقب الاجيال قال لمحمد اسماعيل الذي أجرى معه حوارا نشره في جريدة الجمهورية ( البغدادية) يوم 31 من كانون الثاني 2003 ((قارن ترجمة خليل مطران في عشرينات القرن الماضي بترجمة استاذي المرحوم جبرا ابراهيم جبرا ، وأحسب انه لو امتد به العمر واعاد ترجمة عطيل لشكسبير لكان لترجمته نكهة اخرى تتغير بتغير الاوضاع والازمان والاذواق ، وينعكس ذلك على اسلوب الترجمة لذا كان من الضروري إعادة ترجمة الشوامخ مرة كل جيل من الزمان)) .
في سنة 2010 حصل الاستاذ الدكتور عبد الواحد لؤلوة على جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية في الترجمة تقديرا لجهوده في هذا الميدان فكما هو معروف فأنه ترجم والف اكثر من 50 كتابا وهو ذو شهرة عالمية واخر انتاجه كتاب بعنوان :" دور العرب في تطور الشعر الاوربي " وله اراء جديدة بشأن الشعر وتطوره سواء في الشرق او الغرب ومن اراءه التي نشرت في موقع(  البوابة )  الالكتروني  قوله : "لقد كان للعرب، في العصور  الوسطى، دور في التطوّر الحضاريّ- الثقافيّ على المستويات العلمية والعمرانية: في الطبّ والكِحالة، في الكيمياء والرياضيات؛ في الملاحة وتخطيط المدن؛ في فنون البناء والزخرفة... في السرديّات التاريخية وفنون الحكاية... ولكن، هل كان لهم دور في تطوّر الشعر، والشعر ديوان العرب؟! .
 وللاجابة على هذا السؤال قال : "مثل جميع شعوب العالم، قديمها وحديثها، عرف المشرق العربي صنوفاً من الشعر، بدءاً من ملحمة گلگامش، وتوقّفاً عند الشعر العربي في العصر الجاهلي، ووصولاً إلى ما تطوّر منه عبر العصور. كما عرف الإغريق الشعر، الذي حدّده أرسطو بصنوف ثلاثة: هي الملحمي والتمثيلي والغنائي. وقد ورثت شعوب أورُپا عن الإغريق واللاتين صنوف هذا الشعر، مروراً بشعر اللغات التي تفرّعت عن اللاتينية. وفي العصور الأورُبية  الوسطى، بدءاً من القرن الرابع حتى مشارف عصر الانبعاث في القرن الثاني عشر، كانت الكنيسة الكاثوليكية هي المُسيطرة على الفكر الأورُبي ، ورشح عنه الشعر الذي ما كان له أن يخرج عن حدود التفكير الكاثوليكي الكنسي، الذي لم يكن للشعر الغنائي فيه من نصيب، إلا ما كان من تسبيح وتعبير عن محبّة المسيح ومريم العذراء.".
وفي أواسط القرن الثاني عشر، ظهر في الزاوية الجنوبية الغربية من أورُپا نوع من الشعر الغنائي بلغة عامّيّة، بعيدة عن اللاتينية، وفي موضوعات تحتفي بالحب الدنيوي، الشخصي، غير الكنسي؛ يقدّس المرأة، ويشير إلى أن الرجل إذا أحبّ، ارتفع منزلةً في عيون الآخرين
 ومما قاله  الدكتور لؤلؤة كذلك : "كانت تلك المنطقة الجغرافية، التي تقع في جنوب غرب فرنسا و شمال غرب إسبانيا في الخارطة الحديثة، هي إقليم ‹الباسك› أو ما يدعوه أهل الأندلس بلاد ‹ الباشكنس ›.." ومما يذكر انه لم يكن ذلك الشعر الجديد بلغة ‹پْروﭬـنْسْ› أي الإقليم من الإمپراطورية الرومية المقدسة، ليرضي الكنيسة، التي حسبته مُروقاً، كما وصفت الإقليم جميعه بالوثنية. لكن هذا الشعر الجديد ازدهر وتطوّر وانتشر إلى أصقاع أورُپية أخرى، حتى قضت عليه وعلى حضارة ‹پْروﭬـنْسْ› "الوثنية" حملة صليبيّة قادها الپاپا "إنوسنْت الثالث" الذي جاء من پاريس يحمل لقبه "البريء"، وذلك عام 1209، بما يعرف باسم " الحملة الألبيجية".
 لقد كان "كان إقليم ‹پْروﭬـنْسْ›، أو بلاد ‹الباشكنس›، على اتصال بالأندلس الإسلامية، التي ازدهر فيها شعر الموشح والزجل، بدءاً من نهايات القرن التاسع، بما فيه من كلام الحب والهيام، مرصوفاً بالقوافي والصور الفنية الدنيوية التي ظهرت أوّل مرة في شعر هؤلاء ‹التروبادور›، أي الشعراء الجوّالين، بلغة غير لاتينية وموضوعات غير كنسية.

 ويتساءل الدكتور لؤلؤة قائلا : "ترى، هل كان للشعر العربي الأندلسي، والموشَّح والزَّجل منه بخاصة، من تأثير في نشوء هذا الشعر الغنائي الأورُپي الجديد، الذي انتشر عبر أورُپا، بدءاً من شعر ‹دانْته› و مَن تبعه من أصحاب "الأسلوب الحلو الجديد" ولغات أورُپية تفرّعت عن اللاتينية؟".
ومع إن الدكتور لؤلؤة يشيد بما قدمه المترجمون العرب ومنهم العراقيون من جهود في مجال رفد حركة الترجمة ورفد الساحة الثقافية العربية بالعديد من النتاجات الادبية والفكرية الا انه يعيب عليهم تأخرهم في البدء بالترجمة ، ويقول ان الترجمة عن اللغات الحية تتاخر عندنا كثيرا الى حد ان بعض الموجات النقدية نشأت ونمت وازدهرت ثم ذوت ، حتى اذا ماتت واعلنت نهايتها جاء المترجمون ليشرعوا في الترجمة .. ولم تعد مسالة التأخر في الترجمة وقلة ما يترجم من اللغات الحية بغائبة عن احد ، فلقد اكدت التقارير التي تصدرها الهيئات الاكاديمية العالمية ان ما يترجم في كل البلدان العربية في سنة واحدة لايصل الى ما يترجمه بلد اوربي صغير وتلك بحق واحدة من المشاكل التي تعاني منها حركة الثقافة العربية المعاصرة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق