الخميس، 28 فبراير، 2013

الشاعر الكبير محمود البريكان في ذكراه ال11

الشاعر الكبير محمود البريكان في ذكراه ال11 ملف الشاعر الكبير محمود البريكان



    http://basrayatha.com
الأربعاء, 03 يونيو 2009 15:22
ملف الشاعر الكبير محمود البريكان
في 28-2- 2002 اغتيل او قتل الشاعر البصري الكبير محمود البريكان في داره بمدينة البصرة وقيل ان لصوصا هم من قتله والبريكان -رحمه الله -يعد من الشعراء العراقيين الرواد وقد دفن في مقبرة الزبير بالبصرة ..موقع بصرياثا الثقافية (الالكتروني )استذكره -مشكورا -في ذكراه السابعة وقدم ملفا ضافيا حوله واقتطف الموقع شهادات مما كتبه بعض الاخوة الشعراء والادباء عن هذا الشاعر الصامت الذي عاش بعيدا عن اجهزة الاعلام ..ولغرض الفائدة وتعميمها وفي ذكرى رحيله ال11 اعيد نشر الملف شاكرا للاخوة جميعا جهودهم في استذكار هذا الشاعر الكبير .................ا.د.ابراهيم خليل العلاف
----------------------------------------------------
قصيدة تنشر لأول مرة
الوصية
•للشاعر الكبير الراحل محمود البريكان
على مدى السنوات الثلاثين الماضية حين كان الشعراء في العراق يتسابقون إلى المهرجانات الشعرية في المرابد المعروفة ، وفي غيرها ، وحين كان ضجيجهم وصخبهم يعلو في القاعات الباذخة وتحت الأضواء البرّاقة ، طلباً لمجد كاذب ، أو شهرة عارضة ، كان هو في معتزله في أحد بيوتات البصرة منشغلاً مع نفسه عن تلك الأستعراضات بشيء آخر .. بهدف أسمى وأعز : ابداع أعمال شعرية حقيقية باقية تعيد إلى الشعر العربي الحديث كرامته ، وتأخذه عن جدارة وأصالة إلى العالمية ، وكان يسرُّ إلى خاصته بأن ما يقدم في تلك المهرجانات بأسم الشعر والثقافة لا يمت بصلة إلى الشعر الحقيقي أو الثقافة الحقة . وعبر سنوات من الكد الشعري الصامت الدؤوب ، والولاء النادر لفنه الشعري نجح الشاعر في تحقيق طموحه أيما نجاح . وأنجز في الفترة الممتدة من العام 1969م وحتى العام 2000م أعمالاً شعرية فريدة لا تقدر بثمن .. عشرات القصائد المتميزة التي تذهب بعيداً في مديات الإبداع الشعري غير المسبوق ، والتي ستظل على مدار الزمن حية متوهجة في فردوس الشعر الإنساني . وأعرف بحكم صلتي بالراحل ، وما كنت أدونه عنه في أوراقي الخاصة أن أعمال الفترة المذكورة ضمّها ديوانه ( عوالم متداخلة ) وهو الديوان الأحدث والأكبر للشاعر حيث سجل فيه أخطر وأهم تجاربه الشعرية . والقصيدة التي اخترناها هنا للنشر مستلة من هذا الديوان ، وهي تقدم مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة على قدرة الخلق الشعري عند هذا الشاعر الكوني . فهذه القطعة الشعرية الصغيرة ، البالغة الدلالة في بعدها الإنساني ، مثلما هي صالحة للقراءة الآن ، فأنها تصلح كذلك للقراءة بعد ألف عام من زمن كتابتها دون أن تفقد شيئاً من جمالها أو عمقها . كما أنها تتوجه في خطابها إلى الأجيال الشابة الصاعدة في هذا العالم ، والى الأجيال الآتية عبر امتداد المستقبل على حد سواء . وهذا هو سر الإبداع الشعري الذي يبقى مستعصياً على أي تصنيف أو تعريف . ولعل أجمل ما تطالعنا به ( الوصية ) هذا النداء المخلص الذي يطلقه الشاعر بحرارة من أجل أن ننفتح مجدداً على الأمل العريض : معانقة الحياة ، والأيمان بها رغم ما قد يعتريها أحياناً من آلام وخيبات . وهذه الدعوة إلى تعزيز أواصر الصداقة البشرية بين بني الإنسان من أجل أن يتوجه الجميع في هذا الكوكب المضطرب صوب معجزة حلمهم المشترك ( المستقبل ) هذا المستقبل الذي يأمل الشاعر بأن يكون أكثر عدلاً وإشراقاً ، وأوفر أمناً وحرية لعموم بني البشر .
عبد الله البريكان

القصيدة
لكم أن تكونوا صغاراً
وأن تنعموا بالشباب
وأن لا تشيبوا سريعاً
لكم كل شيءٍ : جمال العطاء
وكنز الصداقة
لكم كل هذا الوجود العريض
فلا تقنطوا
ولا تتبعوا الشعراء إلى الوهم .
لن تجدوا حكمة في البكاء .
تسيئون فهمي
إذا لم تروا غير حزني العميق
نشدتُ الفرح
ولكن حملي ثقيل
فكونوا أخفّ وأوفر حظاً .
لكم أبسط الكلمات
ستكفي .
لكم فسحة الوقت :
أن تصنعوا أجمل الذكريات
وأن تعرفوا للفصول مسراتها
وأن تتغنوا معاً .
ألا آمنوا بالحياة
ولا تفقدوا لون هذا الحضور :
عذوبة هذا الهواء
وحرية الأفق المترامي
ودفء اليد البشرية
ومعجزة الحلم المشترك .
تشرين الاول 1984
البصرة

-----------------------

الشاعر محمود البريكان بين العبقرية والصمت

صدام فهد الاسدي

الى الادباء الذين يعرفون البريكان ثروة بصرية كبيرة وشاعرا عملاقا قتل الصمت وانتصر عليه
,شاعرا للقناع الذي لبسه طوال عمره ولم يفصح عن سر ضياعه,شاعرا ظل مجهولا حتى على ابنه ماجد؟؟؟لو منحني الادباء شرف الخلافة لصمت هذا الشاعر؟فقد قررت الصمت الصمت ليس عن القراءة ولا النشر بل عن السقوط في دائرة الدروايش وقماقم السفهاء
انه شاعر امتهن الاعتزال النفسي والكتابي والصمت الشديد آخر لحظة من حياته,مال الى العزلة حتى ارهق العزلة ولم ترهقه , شاعر امتهن الاعتزال ليس عبثا ولاهربا ولاضعف قدرة بل حول صمته الى صرخة احتجاج على عالم عفن فجاءت العزلة لفظا وتطبيقا في شعره قال :
غرف المسرح الساكنة
ألقت من السكينة عزلة أشيائها
عزلة الجسم والهياكل عن روحها
البريكان يحتاج الى شاعر ناقد وليس ناقدا فقط لفهم مضامين شعره فالبحث عن البريكان وعزلته يعني البحث عن الوعي الباطن قل انه معري العصر الحديث بأسلوب جديد والبريكان أذن موسيقية عجيبة يتذوق الموسيقى ويتحدث عن ابعادها والبريكان كان محرضا فكريا للشعراء لكي يتمردوا مطالبين بحقهم الفكري قبل أربعين عاما من رحيله في أحياء ذكرى السياب ألقى كلمة قال فيها ما جدوى كلمات الرثاء والأنين وفي كل يوم يموت شاعر ودعا الشعراء لتثبيت هويا تهم الإنسانية في عالم ضائع وتساءل من ينقذ الشاعر من الجوع ومن يمنع السلطة من إعدامه وهو يرفض الكرنفال التهريجي للشاعر كما سماه ,والشعراء نسوا عزلتهم وصبوا جام غضبهم بالبكاء على أنفسهم الممزقة من خلال ذكرى السياب فأين اتحاد الأدباء حتى اليوم لا يجدون مكانا يستقرون فيه والدولة تصرف وتبذخ وتلقي الشعراء على قارعة الطريق,نعم ستبقى العزلة اشد من الزمن السابق لان الشاعر كان ينتفض على جلاده واليوم ينتفض الشاعر ليحمي نفسه أولا من الخنجر من القتل المباح من الضياع العسير, والبريكان مبدع كبير ,هو عيسى ابن ازرق النموذج الإنساني المضطهد ,شعره عميق يحتاج الى التأمل لانه شاعر ذهني من طراز خاص ,لقد عاصرته وكنت امشي معه في العشار وكان لا يقول الا كلمتين( نعم /صحيح )يشتري ولا يبيع يخشى الناس بل ليس له ثقة حتى بالكلمة يحسبها مسمومة في التسعينات وهو أستاذ درس في معهد المعلمين فلا تتعدى محاضرته الموضوع وكان يخرج من المحاضرة متعبا من اسقاطات طلابه وهو يرى العربية تنتحر في المعهد لسوء نطق الطلبة وضعفهم في العربية,ان عظمة البريكان في صمته في رموزه في شعره الذهني في شخوصه التي ينتقيها بعد تفكير أقول انه شاعر حولي لا يجهض القصيدة الا بعد صبر طويل والسمة الغالبة على شعره؟؟اولها/ القناع ما أبدع به البريكان فقد اخذ شخصية عيسى بن ازرق والبسها ذاته ,ثانيها /شاعر رائد للقصيدة القرائية وليس المكتوبة فالإلقاء من البريكان ينقلك الى صخور وماء وعزله إنها الوطن الكوني للشاعر بإيحاءات متنوعة, ثالثها الماء عنده رمز للطهارة والخلود فالخلق بدأ من الماء ويوتبيا البريكان صفة القداسة للبحر والسفن انه حارس الفنار الكبير وكما جاء عند السياب بويب ووفيقة رديفين جاء الماء والمرأة ام ابنه ماجد أو غيرها,حيث قال:
ترك امرأة مطفأة الوجه وطفلا/يحلم في مرقده /يترك كلبا لا يعرفه وخزانة كتب لم تقرا
/ورابعها رقمه(96)واحد من رموزه الكثيرة كما قلت عيسى بن ازرق وحارس الفنار وشاعر الصمت وهذه القصيدة من اعمق ما كتبه البريكان عندما كان سجينا وهو يحمل هذا الرقم الذي ظل في ذاكرته طويلا لا ينساه,وفي قصيدة إنسان المدينة الحجرية نجد هذا السر مدفونا حيث يقول
في العالم المغمور تحت الأرض
/حيث يمد عنكبوت الخوف والضجر خيوطه/
في طرق الصمت ولامفر /أنت هنا تدور كأنما تلهث في لهاثك العصور
وقد أدليت دلوي؟ومن الذي لا يدلي بدلوه للبريكان وهو البحر وليس البئر,وكيف أنسى هذا الشاعر الكبير وقد عاصرته ورايته وسمعته وقد كتبت له الكثير في أطروحتي للدكتوراه عام 1998درست قصيدته الرائعة مصائر قال فيها :
السفينة راسية بجوار الرصيف تستقر بهيكلها المتآكل
تخفي بداخلها صدأ الأزمنة
الشاعر فيها يؤكد السمة المحلية للبصرة ام السفن وصيد السمك وقد حملت القصيدة ايحاءات واسعة وهو يرمز الى توقف التجارة في البصرة,وقد قدمت قصيدتي الخيمة لحظة سماعي خبر قتله :
ان خيمتي سقطت فما نفع الوتد
وإذا الحروف تنفست بالخوف ما نفع المدد
وإذا الحضارة حرفت مدور بابل او اكد
وإذا الكلاب تلاعبت بالغاب مادور الاسد
ونشرت في مجلة عربية قصيدتي(موت الشاعر)
الشعر مات ومات حتى الشاعر وعليك تحزن في العراق منائر
ونشرت في مجلة المواني العدد الثاني 2005قصيدة شهيد الصمت قلت فيها:
اعني لاقرأ فيك الفجيعة شعرا صريح
أعرني يديك اللتين كتبت لنا بهما لغة الصمت فوق الضريح
أحقا ذبحت بسكين هذا الزمان القبيح؟
وحزوك بالذبح والطعنات قتلا مريح؟
فموتك كان نذيرا الى الشعراء وسيصلب مثل المسيح""""
اتفتح عينيك لهذا الزمان العجيب اذن تستريح
وتعرف ان الطغاة لقد رحلت ,فلا تشرب الخوف في كل ريح
وقد درس البريكان في رسالة ماجستير عام 1991 للدكتور ضياء الثامري ونشر عنه الكثير من البحوث ودرس البريكان في رسالة ماجستير في كلية الآداب وكتب الدكتور فهد محسن فرحان الأستاذ في كلية الآداب في رسالته في الدكتوراه وكذلك الأديب البصري الأستاذ رياض عبد الواحد دراسة عنوانها البذرة والفأس عام 2000م وهي دراسة رائعة ونشر عن البريكان ملف خاص في مجلات عراقية واحتفل اتحاد الأدباء بالشاعر اكثر من مرة دون ان يقدم لي دعوة للمشاركة وأنا صوت بصري أذوب احتراقا بحب مدينتي وشعرائها ولكن هل اخذ البريكان حصته واستحقاقه لاحيا ولاميتا فما زال ابنه ماجد على قارعة النسيان
------------------------------
محمود البريكان.. شاعر الفكرة،والسؤال الفلسفي

علي حسن الفواز
 
محمود البريكان الشاعر والظاهرة والغموض يشكلون فضاء واسعا لجدل ثقافي اكثر مما هو نقدي،  اذ ظل الشاعر البريكان خارج السياق دائما ،يؤسس عبر عزلته سؤالا يرتبط بجدل الحداثة الشعرية العربية ،وباسئلتها والباساتها  المبكرة التي حملت معها  اغواءات وحساسيات جعلت من البريكان الضحية التراجيدية في اجندة المشغل الحداثوي الشعري ....
قال عنه  الشاعر بدر شاكر السياب،(ان محمود البريكان شاعر عظيم،لكنه مغمور بسبب عزوفه عن النشر) هذا الرأي يؤشر حقيقة حضور البريكان في الفاعلية الشعرية العراقية والعربية ،مثلما تعكس اهمية النشر كظاهرة وجود في مرحلة صخب ثقافي كثر فيه المتنافسون على كسب الرهان التأسيسي فيما سمي ب(قصيدة الشعر الحر) الذي ظل ملتبسا على مستوى المصطلح والمفهوم  خاصة في الفضاء الثقافي العربي،رغم ان هذه القصيدة كظاهرة شعرية هي جزء حيوي من المنجز الشعري الغربي  ومزاجه التجديدي منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين..
ولاشك ان محمود البريكان وبسبب طبيعته الشخصية التي تميل الى العزلة والانطواء والخوف من الاخرين قد وضع نفسه خارج هذا الصخب واستأثر بنوع من الصيرورة الداخلية التي منحته احساسا غرائبيا بالتوازن الوجودي الداخلي ،،  رغم ما يشوب ذلك من احساسات قد يفسرها البعض بانها تعكس طبائع  شخصية مضطربة تعاني من فوبيا الاخرين !! او قد يفسرها البعض الاخر بانها جزء من نظرته العدمية والعبثية  للحياة والتي  عبّرت  قصيدته (خذع يا ضياع حقيقتي واسمي) الكثير عن  سياقتها التعبيرية والفلسفية...
ومن هنا نجد ان محمود  البريكان كان يمثل نقطة جذب للكثير من الشعراء التجديدين الذين وجدوا في شعريته نمطا من الكتابة الباعثة على الاسئلة،بدءا من الخاصية الفنية لهذه الشعرية وانتهاء بانماطها الشكلية التي وجدت في تفكيك السياق التقليدي/البنائي مشغلها الواسع عبر انحنائه على اليات التنوع في استخدام القوافي والبنيات الموسيقية  والرؤية الاشمل والتي جسدها في قصيدته المشهورة (حارس الفنار).. اذ كان البريكان يطأ ارضا شعرية مليئة بالافكار والنزوع الى التجريب ،وان صياغاته تتكأ على وعي متجاوز يشخصن فيه خصوصية كتابته التي توحي بوعيه لعبة الشعر جيدا..
ان اهتمام البريكان بالافكار في شعريته يؤكد حيوية المخيلة اللغوية الحاضرة التي تنسج من الحكاية فكرة متوترة تتراكب فيها التفعيلات لتؤدي وظيفة صوتية راوية تمثل  في صياغتها علاقات وتراكيب هي في  الاصل جوهر الشعر..

                          اروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
                          يسير في المنام احيانا ولايفيق
                          اصغوا الي اصدقائي! وهو قد يكون
                           أي امرىء ترونه يسير في الطريق
                           في وسط الزحام..
                          وقد يكون بيننا الان،وقد يكون
                            في الغرفة الاخرى،يمط حلقه العتيق

ان هذه النبرة الوجودية التي حملتها قصيدة (حارس الفنار) تؤكد الوعي الفلسفي الوجودي الذي ادركه الشاعر مبكرا ،والذي وضعه في مشغله الشعري كسؤال اشكالوي موجّه لانشغالات معرفية وتجريدية وجدت اهتماماتها في انحيازه العميق للموسيقى العالمية، مثلما استغرقه  كفضاء محرك للكثير من الدلالات والافكار التي لم تضع في حسابها  كامل الخصائص الفنية التي اعتاد الشعراء من مجايليه الاهتمام بها وبصياغتها التزيينية،ولعل هذا المنحى الفكري الفلسفي في شعرية البريكان هو احد اسباب عزلته وتمركزه حول اسطورة الذات المتعالية ،والتي تحولت فيما بعد الى عبء وجودي على الشاعر لم يستطع تجاوزه مع عودته الى النشر الشعري خاصة مع قصيدة (اساطير) التي كتبها عام 1984 ،اذ بدى الشاعر اقرب الى الفضاءات السيابية الخمسينية ذات البناء النبروي العالي..

                         على مقلتيك انتظار بعيد
                          وشيء يريد
                          ظلال يغمغم في جانبيها سؤال
                          وشوق حزين
                          يريد اعتصار السراب..

ازاء هذا لانجد ان ثمة منحى محدد  لتطور شعرية البريكان،ولا  منظور خاص  يملكه لتمثل تحولاته الشعرية في اطار تحولات الزمن الشعري العربي، فهو شاعر خالص الانحياز لكينونته الشعرية/الثقافية التي جعلته امام السؤال الشعري بهوس !!اذ يختصر هذا السؤال وعيه الفلسفي ورؤيته التي يضعها في جدل دائم مع الافكار،،فضلا عن ان  البريكان يمنح شعريته وهجا خاصا من افكاره وليس من لغته!!حيث تبدو اللغة عن السياب ونازك الملائكة وعند بلند الحيدري مثلا مصاغة بشكل اكثر حذاقة ومهارة وفيها تلوينات تزيينية كبيرة ،وهي التي تغيب عند  شعرية البريكان الذي تبدو شعريته اقرب الى هندسة الافكار والصور الخالية من التلوينات المفرطة التي نجدها عند السياب خاصة....
يكتب البريكان القصيدة البسيطة التي لاتوغل في متاهات التجريب او غواية التقعير الاسلوبي الذي تحوّل فيما بعد الى مهيمنة مركزية في الاحتيال اللغوي ،ولعل هذه الخاصية هي الاكثر اثارة في مواقف البعض من شعرية البريكان الذين اسهبوا في اطلاق النعوت حول القيمة الفنية لشعريته،واسقاط الكثير من الطروحات مقابل الانشداد الى عزلته الاسطورية التي نسجت حوله عالما من السحر والغموض.....ز
ان البريكان شاعر اللحظة التاريخية التي وجدت فيها الشعرية العربية انها امام انزياح اسلوبي وبنائي،وشاعر الافكار التي ظل مخلصا لها لانها جوهره المعرفي الذي يجعله شاعرا يؤمن بالتجاوز الفكري الخالص غير المتورط بالايديولوجيات!!تلك التي تحولت عند العض من الشعراء الى شعارات وافكار محلية وقطعت العديد من خيوطها مع الجوهر الفكري..كما انه شاعر التشاؤم القريب من فكرة العدم ،تلك التي جعلته باعث اشكالوي عن لحظة وجودية خالصة استأثرها في نزعته الذاتوية العميقة ....وربما كانت لحظة موته المفارقة هي قمة هذا الاحساس المتعالي  والمرعب في آن معا بالعدم الذي استبطنه كعلاقة وجودية مرعبة تركته عند المتاهة او الفنار الذي لم يعد حارسه الاليف..........

أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
يسير في المنام أحيانا، ولا يفيق
أصغوا اليّ أصدقائي! وهو قد يكون
أي امرئ يسير في الطريق
في وسط الزحام.
وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون
في الغرفة المجاورة. يمط حلمه العتيق!

***

اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعة
دقاتها السبع، ويعلو صخب الباعة
يفتح مذياعه
يصلح شاربيه أو يدهن عارضيه
ويرسم ابتسامة غبراء خداعه
على زوايا شفتيه، ثم في عجل
يمضي إلى العمل.
يمر بالناس الكثيرين وبالأشجار
فلا يرى شيئا.. وقد يبتاع في الطريق
جريدة يقرأ منها آخر الأخبار
وهو غريق يعد في سباته العميق...

***

إن له وجها كوجه الناس أجمعين
لكن إذا رأيته يلهث في العتمة
تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمة
أسراره، فهو مخيف خشن حزين

***

ماضيه لا يعرف الا انه بعيد
بداية غامضة من حلم مديد
ليس له مدى.
حاضره ليس له صوت ولا صدى.
منشودة! يفلت من كفيه ما يريد.
فهو هنا شبح
وكائن وحيد
لا يعرف الفرح!
وهو نداء ميت أبح
في مجهل بعيد...

***

يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق
الشاحب الذي يجف صوته المخنوق؟
الكائن المخدر الهائم في المنام؟
الكائن الذي تبثّ كفه الصفراء
من حوله أشياء
ترعبه
أشياء
لا يمكن القبض عليها مرة أخرى!؟
يعرفه الظلام
تعرفه برودة الليل! وقد يكون
أي امرئ ترونه يسير في الطريق.
* من مجموعة الأولى «حارس الفنار» (1958 -1969)

------------------------------

البريكان .. شعرية الزمن و المصائر الالتباس الـــذي يظهــر ثالثـةً
   
حسين عبد اللطيف
نسبت قصيدة (لحاء)التي تعود للشاعر مجيد الموسوي الى البريكان،عن طريق السهو او الخطأ وذلك من خلال الموضوع الذي كتبه عبدالرزاق المانع بعنوان "هذا هو البريكان، الشاعر الرائد،الفنان الانسان"المثقف الموسوعي" المنشور في جريدة "المنارة" العدد161-اذار-2005 ضمن ملفها الذي اصدرته بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر،اذ احالنا الكاتب الى الهامش الرابع من هوامشه العديدة حيث سنجد هذه القصيدة -- كما قال - منشورة باسم البريكان في العدد الثاني من مجلة الفكر الحي الصادر عام 69 وفي الصفحة (36) منه بالذات.
والحقيقة ان لا اثرلهذه القصيدة هناك،وانما هناك بدلاً منها قصيدتا البريكان "هواجس عيسى بن ازرق في الطريق الى الاشغال الشاقة"و "فن التعذيب”.
اما في العدد الاول من هذه المجلة والذي صدر عام 68 فقد نشر فيه البريكان قصيدته "انسان المدينة الحجرية"، كما ان هذه المجلة التي تقاسم البريكان ومحمد جواد الموسوي رئاسة تحريرها لم يصدر عنها سوى هذين العددين توقفت بعدهما عن الصدور، فكيف كان هذا التوهم منه!؟
وفي الحال نبهت الشاعر طالب عبد العزيز الى هذا الخلط الجسيم بصفته مديراً لتحرير "المنارة" والمشرف على صفحتها الادبية ليبادر وينبه الى ذلك، من جانب اخر اشرت على الشاعر مجيد الموسوي صاحب القصيدة الفعلي ان يكتب توضيحاً يزيل فيه هذا الالتباس فهو الاولى بذلك لان الامر يخصه والقصيدة قصيدته. وفعلاً كتب مثل هذا الايضاح وارسله الى المنارة الا ان المنارة وقد نشرت تنويهاً مقتضباً عن هذا الالتباس،  ولم تنشر الايضاح الذي كتبه الموسوي،  فقد عدت المسالة منتهية واكتفت بذلك.
وكذلك فانها لم تنشر تنويهها ذاك في العدد الذي صدر بعد الملف مباشرة وانما في عدد لاحق من اسبوع تالٍ صدر في 16-19 - اذار- 2005 وفي زاوية ميتة مما باعد الربط بين وقوع الاشكال والتنبيه اليه.
ولم تنته المسألة عند هذا الحد - كما اردنا- بل ان الالتباس عاد واشرأب بعنقه ثانية ناقلاً عدواه هذه المرة من "المنارة" الى"الصباح"في عددها 642- 31- اب- 2005 من خلال الموضوع الذي كتبه كريم الفارس بعنوان "قراءة سايكلوجية في نصوص محمود البريكان" والذي راح فيه يحلل شخص الشاعر - هكذا- اعتماداً على القصيدة المنسوبة اليه خطاً!
والتي استمدها - وانا اقطع بذلك- من ملف المنارة ذاك،بدلالة مااقتطفه من كلمة الاستاذ محمود عبدالوهاب "كتابة الذات" المنشورة في الملف نفسه ليقدم بها لموضوعه ويدعمه- ثم ليعود اليها ثانية في موضوعه (قلق الشعر ام قلق النفس؟)المنشور في ملف الصباح  1059-اذار -2007- والخطا يجر الى الخطا حتماً...، مما جعلني انبري متصدياً لقطع دابر هذا الالتباس من استمراره في الظهور فكتبت الى "الصباح" ردا عقبت فيه على الموضوع والظاهر ان ردي لم يصلها… فعدت وكتبت تعقيباً ضافياً اخر نشرته في عدد المنارة 219 اواخر ايلول 2005 وضحت فيه كيف وقع الخطا الاول ليجر الى الثاني وفندت فيه نسبة قصيدة "لحاء" الى البريكان التي قال بها المانع في موضوعه - والتي ابدى تراجعاً عنها حين التقيته في ملتقى الشعر العراقي الاول في الكويت الذي دعت اليه مؤسسة البابطين للابداع الشعري مطلع ذلك العام - ولأرجعها الى صاحبها الشرعي مجيد الموسوي، فقد اطلعت عليها،اولاً، منشورة في "الثورة" 5- تشرين الثاني-1993 من ضمن ثلاث قصائد نشرت تحت عنوان "قصائد لطبيعة صامتة" هنّ " رخام، زهرة مجففة، لحاء" باسم الشاعر مجيد الموسوي ثم عدت فقراتها في مجموعته الاولى "مخاطبات العشب" الصادرة عن اتحاد الادباء - بغداد- 2000، كما انها وردت في كتاب " الابلاغ الشعري المحكم - قراءة في شعر محمود البريكان" للدكتور فهد محسن فرحان - الصادر عن دار الشؤون الثقافية بغداد 2001 على الصفحتين 26، 27 ليقارن تشكيلاتها العروضية بما في تشكيلات قصائد البريكان-
واظن ان المانع قد التقطها من هنا متوهما انها للبريكان - ولو كانت له فعلاً- وانا الاعرف - كما ازعم - بقصائده واحدة واحدة وبقصائد الموسوي كذلك - لما اقدم الموسوي - ولاحجم - من تقديم مخطوطة مجموعته الشعرية " مخاطبات العشب" - قبل طباعتها- الى البريكان لينظرها وفيها قصيدة باسمه وهي من نتاج البريكان ولما عاد مرة اخرى ليقدمها له على سبيل الاهداء بعد طباعتها في كتاب ولألمح البريكان الى ذلك لخاصته ثم ولانفكت عرى زمالة وطيدة ووشائج تجمع الاثنين خاصة وانهما يعملان في مكان واحد يتقابلان فيه يومياً وقد تحدث بينهما مواجهة - لاشك- بسبب ذلك، ولكن ذلك لم يحصل - لان الامر لم يكن كذلك- وكلاهما ارفع من ان يمد يده او نظره الى مائدة الاخر فليسا بمحتاجين الى هذا مطلقا!
فقد رجع هذا الالتباس وطرق الباب ثالثة وبقوة وكانه عنقاء او كائن اميبي يتوالد بالانشطار وكانه عدوى سارية والمفاجاة ان فايروسه ظهر هذه المرة في جريدة "الصباح" ايضاً من خلال ماخصصته من صفحات لذكرى رحيل البريكان الخامسة - في ملحق "ادب وثقافة" 1059- اذار 2007 - لا ليعود وحده بل مع التباس اخر يعزو فيه الغوار  قصيدة "اساطير" التي للسياب الى البريكان ايضاً!
وهذا مالايمكن تجاوزه البتة فبسبب السهووالارتجال والتسرع والتساهل في النشر والبناء على " الشائعة" وعدم التثبت والتمحيص تتكرر مثل هذه الالتباسات وتنقلب الى سلسلة،على الرغم من وجود النيات الحسنة، فما اشبه الليلة بالبارحة!حين نعود لتسقط الهفوات او نصحح بعض المعلومات غير الدقيقة او الوثيقة التي وردت في ملف "ادب وثقافة" العدد 1059/اذار/2007 ومن ذلك ماجاء في المتابعة الصحفية التي كتبها كاظم حسوني - المحرر في الجريدة- لتغطية محاضرة زعيم النصار (محمود البريكان...شعرية الزمن والمصائر)التي افتتح بها منهاج دار الشؤون الثقافية- بغداد في 2007/2/26 احتفاء بالشاعر الراحل الذي ازهقت روحه البريئة جريمة نكراء وسلبت نتاجه الشعري يد مجهولة!
فكتاب "شعر محمود البريكان :دراسة فنية"لاسامة عبد الرزاق الشحماني، لم يطبع في البصرة،كما يذكر المتابع، وانما في بيروت،واصله رسالة لنيل درجة الماجستير قدمت الى كلية الاداب- جامعة البصرة وقد زودت الباحث بما انتفع به من مصادر وقصائد كما وامنت له جلسه او جلستين مع الشاعر البريكان قبل اعداده للرسالة.
اما كتاب رياض عبد الواحد فليس "الفاس" بل ان عنوانه "البذرة والفاس" وقد صدر في البصرة،لا في بغداد،اواخر 1991.
وعن فهرس "مجاميع" البريكان الذي اعده النصار على وفق اوقات نشرها الزمني فلا ندري ان كان يتحدث عن قصائد! ام مجموعات؟ فاذا كان كذلك، فستختلف عنواناتها والعنوانات التي وصفها البريكان نفسه لمجموعاته الشعرية وهي: (الرقص في المدائن ) (ارض العبيد) (سجن الظلام) (اكليل الحب)...والتي اوردتها في البيلوغرافيا او الثبت الذي اعددته عن قصائده المنشورة منذ 48 حتى 92 "انظر الاقلام 3-4/1993" والذي ادرجت فيه اسماء القصائد وزمن كتابتها ومحل نشرها وتاريخه حتى الحين الذي نشرت فيه قصائد "عوالم متداخلة" بصفتها قصائد مجتمعة لا مجموعة بمعنى ديوان!
اما في كلمته "جلسة الاشباح" قصيدة الفقدان والاغتراب فان النصار - الذي فهرس مجاميع البريكان او قصائده،بدقة - كما يزعم ويدعي- فهو يقول ان: (قصيدة البريكان ..."جلسة الاشباح" نشرت لمرة واحدة في مجلة المثقف العربي في حزيران عام 1970.)والصحيح انها نشرت في مجلة الاقلام ايار 1970، لافي المثقف العربي، وقد نشرها المرحوم عبد الجبار داود البصري، كما اخبرني البريكان نفسه!
كما ان الشاعر صاحب السماوي كان قد اشار الى اهميتها ونوه عنها ملفتاً اليها النظرومطالباً النقاد بدراستها في كلمة نشرها في احدى صحفنا المحلية واظنها (الاخبار).
وقد قمت انا بمثل هذه الدراسة - لااثراً لمطالبة السماوي التي قراتها لاحقاً- بل وجدت فيها مايتطابق واغتراب الشاعر وقلق حياته ومحنته في الوجود وقد اطلع البريكان على هذه الدراسة التي نشرتها بعد رحيله في مجلة الرافد الاماراتية والتي ناقشني في بعض فقراتها مشيراً برفع جدول احصائي اتحدث فيه عن النسق الثلاثي، وجد هو فيه تذاكياً شكلياً بينما وجدت فيه تحصيلاً ذكيا فثبته الا ان المجلة ودون سابقة تكفلت بالاختصار وكانها عملت بمشورة البريكان.
ومرة اخرى فان هذه القصيدة من بين قصائد البريكان التي نشرت في كتاب باسم المرعبي "متاهة الفراشة" دار الجمل- المانيا 1993.
اما في تقليبنا لورقة علي حسن الغوار "شاعر الفكرة والسؤال الفلسفي" التي هي مداخلته على محاضرة النصار فسنقف عند قوله: " لعل هذا المنحى الفكري الفلسفي في شعرية البريكان هو احد اسباب عزلته وتمركزه حول اسطورة الذات المتعالية التي تحولت فيما بعد الى عبء وجودي على الشاعر لم يستطع تجاوزه مع عودته الى النشر الشعري خاصة مع قصيدة "اساطير" التي كتبها عام 1984”..!
وهذا مايثير الاستغراب اولاً  لان البريكان لم ينشر في هذا العام اي قصيدة وانما له من نتاج هذا العام قصيدتان هما "نوافذ" و "الطارق" نشرتا ضمن قصائد عوالم متداخلة- في الاقلام اذار- نيسان 1993، فهو منذ نشره (قصائد تجريدية) في المثقف العربي ايلول 1970 قد توقف عن النشر لمدى اثنتين وعشرين سنة حتى عاد الى النشر في عام 1993بعوالم متداخلة. ولاقصيدة له بهذا الاسم بالمرة.اما الاسطر الشعرية التي عزاها للبريكان، توهماً، وقال بان ايقاعاتها ذات بناء نبروي عال يماثل مالدى السياب، في فضاءاته الخمسينية، من ايقاعات جهرية عالية الجرس او رنانة.
وليست هي  الا المقطع الاخير من قصيدة السياب نفسه "اساطير"! التي كتبها في 1948/3/24التي ربما تصفحت الــ48 - بسبب العامل الطباعي- فانقلبت الى 84 العام الذي لم تصل اليه حياة السياب .وفي هذا حسب سنجد له تبريراً وعذراً.
وعلى الرغم من تحفظنا على بعض ارائه او بقية طروحاته الا اننا هنا في سبيل تصويب هفوات او معلومات غير وثيقة لا مناقشة اراء قد نختلف عليها وقد نتفق ....واذا ما تجاوزنا- بعدهذا- كل هذا فلا يمكننا ان نتجاوز الموضوع الموقع باسم "ادب وثقافة" : "قصيدتان من التبرعم الى الزوال" الذي اختيرت فيه قصيدة "لحاء" وقصيدة"فقدان ذاكرة" على افتراض ان الاثنتين للبريكان وقدم لهما باسطر قليلة تقول: (...اما في قصيدة "لحاء" - غير منشورة من قبل- اتراه- اي الشاعر البريكان- يرصد ويراقب ويسجل حركة هذا الجزء المتناهي في الصغر من الشجرة وهو يبتدي حياته برعماً اخضراً..(هكذا)!...الخ.
فاذا كانت قصيدة (فقدان ذاكرة) للبريكان حقاّ - وهي كذلك فعلاً- فان "لحاء" ليست له قطعاً وقد اقمنا الدليل على ذلك كما سبق. وان لم تكن قد نشرت من قبل كما قيل فمن اين نقلت!!
(افلم تظهر سابقاً في الصباح وفي موضوع كريم الفارس؟قراءة سايكولوجية في نصوص محمود البريكان)!؟
ان كلاما، هنا، ًيلقى على عواهنه والمتكلم يتحدث من فوق تل وهمي،فاين الموضوعية والامانة التاريخية والتثبت والدقة في تحري الحقائق!
لقد ظهر البريكان - في ظل ثقافة متطورة نسبياً في اواخر 1969 بعد معاودة النشر - بالتقسيط- مجدداً،ومنذ ذاك ابدى الوسط الادبي اهتماماً متلاحقاً به - لاسيما بعد رحيل السياب - اذ كان يبحث عن (مشجب) اخر يعلق على سلالمه عروباته وزخارفه، ومن هنا جاءت ارتجالاته اللحنية وتاويلاته وشائعاته وحتى تخرصاته التي جعلت من الرجل اسطورة!
حتى ان الكثيرين تحدثوا عن صمته وعزلته او شخصه اكثر بكثير مما تحدثوا عن شعره... مع انهم مؤمنون بمقولة اقصاء المؤلف البارتية!
ويبدو ان موقف البريكان نفسه - بعدم الرد على مايستدعي الرد او التغاضي والسكوت - كان يغذي مثل هذه النزعة عند الاخرين فقد كان غير ميال - بطبيعته- الى المماحكات وردود الافعال معولاً على الزمن في اظهار الحقائق ! اما اعتراضاته فهو يبديها للمقربين جداً منه وبالتلميح اغلب الاحيان.. فكم من مرة اراد ان ينفي مزاعم او يدحض تقولات او يرد على تخرصات...
ومنها تخرصات  احمد فرحات في (الكفاح العربي) 711/ 1978، مثلاً او تضاربات عبد الرزاق عبد الواحد عنه في (القادسية)فينتهي الى الارجاء وصرف النظر فهو لم يرد الا مرة واحدة حينما عقب في المثقف العربي ايلول- تشرين الاول- 1969 على مقالة عبد الرحمن طهمازي "محمود البريكان..الاحتكام بالاسرار”.
على امتداد السنوات في حياته كان يناسبه ان يتحرك وحيدا ويشتق قارئاً على غراره، تاركا الاخرين احراراً ايضاً،فهو لم يتلاءم مع مطالب الوسط الادبي، لاسابقاً ولا لاحقاً، افتراه، يستجيب،الان، وهو في ابديته!.
----------------------------
الشاعر القتيل حل محل شاعر آخر في جريدة «الاستقلال» في الأربعينات
رجب بركات

تحل اليوم الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر العراقي محمود البريكان، الذي اغتيل في ظروف غامضة في بيته بمدينة البصرة.
أحد الذين زاملوه منذ 1947، يكتب هنا عن فترة غير معروفة في حياة الشاعر، وهي علاقته بحزب الاستقلال، وكتابته قصائده باسم «برق» في جريدة الحزب.
كتب إحسان السامرائي في مجلة «الأقلام» العراقية بعددها الثالث لسنة 2002، مقالا بعنوان «قداس القتلى»، سجل فيه ما قاله له الشاعر المغدور محمود البريكان عني وعن الشاعر مقبل الرماح، كما يلي:
«كانت لي علاقة قوية مع السيد رجب بركات منذ عام 1947، وقد سلمته قصيدة عمودية (من وحي الكفاح) ألقاها بالنيابة عني الشاعر مقبل الرماح في احتفالية لحزب الاستقلال ونشرت في جريدة «اليقظة» باسم «برق»، وفي جريدة «لواء الاستقلال» و«الناس» البصرية، إلا أنني لم أنتم إلى أي تنظيم سياسي، لأنني كنت أخاف من الحكومة ومن أبي!»، واضاف احسان، ما قلته، في تلك المذكرات التي كتبها «ان الشاعر مقبل الرماح قدم قصيدة البريكان بقوله هاكم من البرق فيض من النور.. لقد أطلقنا على البريكان اسم (برق) كما كنا نطلق اسم (صقر) على الشاعر عبد الحسن زلزلة.. وأول قصائده تجاوزت 49 بيتاً من الشعر عام 1947، وكانت قصائده تحمل أسماء من (وحي الكفاح) و(الطوفان) نشرت في ملف (ثورة العشرين) و(نداء الكفاح) و(حكمة الكوخ)..
وفي حديث للدكتور صلاح نيازي، عن محمود البريكان، ذكر «ان الشاعر الذي لا يمتلك الفضول المتميز تعوزه الموهبة الحقيقية، ما الفرق بين شاعر وجاهل يعيشان في براغ ولندن غير الفضول المبدع وشهوة المعرفة والكشف.. اننا بحاجة إلى إعادة تقييم واقعنا الثقافي.. ان سبب بروز أسماء ورموز في ثقافتنا هو تبني مؤسسات حزبية وإعلامية وثقافية لها..».
ولكي لا ننسى الشاعر محمود البريكان، استذكر موقفا أملته (الموهبة الحقيقية) للشاعر الذي تجاهلته الحركة عندما وضع طاقاته المتميزة كشاعر ليحل بدلا من شاعر، في حزب الاستقلال العراقي، الذي تطارده السلطة.. و(تتبنى) المؤسسة الحزبية البديل وهو لم يزل في عقده الثاني من العمر أو يزيد قليلا!، لقد وقف بجدارة كشاعر وبكل ثقة في جريدة الحزب «اليقظة»، التي صدرت بعد تعطيل جريدة «لواء الاستقلال» وملاحقة الشاعر (صقر) عبد الحسن زلزلة، لنشر تلك المقطوعة الشعرية (تمثال)، التي اعتبرت قذفاً بالذات الملكية.
ان مسارعة محمود البريكان ليحل محل الشاعر زلزلة، كان موقفاً يدخل ضمن المفهوم الذي حدده صلاح نيازي باعتباره (الفضول المتميز) المتمثل بتلك المسارعة، كشاعر على صفحات جريدة الحزب ويطل منها على جماهيره.
كان ذلك في مطلع عام 1948، ومحمود البريكان طالب في السنة الأولى من دراسته بدار المعلمين العالية، حينما عطلت (جريدة لواء الاستقلال)، لسان حال حزب الاستقلال.. من قبل الإدارة العرفية المعلنة آنذاك، بإيعاز من مديرية الدعاية العامة في وزارة الداخلية، لنشرها المقطوعة التي أشرنا إليها للشاعر صقر.
وسارعت بدورها إلى تعطيل جريدة الحزب وإلقاء القبض على مديرها المسؤول المحامي قاسم حمودي (المرحوم) وتوقيفه في مركز شرطة السراي، وإحالته إلى محكمة جزاء بغداد لكنه وفقا لمرسوم المطبوعات النافذ، لعدم معرفة هوية الشاعر (صقر). وبعد إحالة الموضوع من قبل المحكمة على لجنة من الخبراء لتفسير تلك المقطوعة، بالنحو الذي تريده وزارة الداخلية، باعتبارها قذفاً بتلك الذات، خلافاً لما ورد فيها، ان المقطوعة التي أثيرت حولها الضجة لم تعن ما عنته تلك الجهات، إذ من فحواها نجد الشاعر يشير إلى:
تمثال..
* لمن التمثال في الكرخ تباهى وتبختر ـ وازدرى بالشعب لما أن تعالى وتكبّر
* لمن قاد جيوش العرب للنصر المظفر ـ ويلهم.. إن تنادى الشعب الله أكبر.
(صقر).
وتحسباً من أن تطول إجراءات المحاكمة ويستمر ذلك التعطيل والتوقف للجريدة، تقرر إصدار جريدة بديلة عن الجريدة المعطلة، صدرت «اليقظة» باعتبار صاحبها سلمان السفواني عضواً في الحزب وفي اللجنة العليا.. اتصلت به مستفسراً لمعرفة ما إذا كان سيستمر (صقر) بنشر مقطوعاته، فأخبرني ان القرار هو (الاستمرار بنشر مقطوعات شعرية، على غرارها، لشاعر غير صقر، تحسبا من ألا تعرف هويته، ويلقى القبض عليه، ومن المستحسن ألا يكون من أعضاء الحزب في بغداد كي لا تسهل معرفته)، فطرحت، لهذا الاعتبار، أن يكون الشاعر من البصرة ومن شبابنا القومي في حزب الاستقلال، ومن طلاب دار المعلمين العالية هو الشاعر محمود البريكان، وقد لاقت الفكرة قبولا حسنا من قبل الصفواني، وعندها اجرى اتصالا مع أمين السر العام للحزب فائق السامرائي المحامي (المرحوم)، وكذلك مع محمد صديق شنشل المحامي (المرحوم) رئيس لجنة الدعاية وعضو اللجنة العليا وجاء ردهما بالموافقة والمباشرة بالنشر.. وباستعجال عدت من إدارة الجريدة الى دار المعلمين العالية للاتصال بمحمود البريكان لإبلاغه بما تقرر ولنعود منها معا الى ادارة جريدة «اليقظة»، ليتحمل مسؤوليات ما كلف به، أصبح الشاعر محمود البريكان يعرف باسم (برق) بعد أن حددنا الاسم الذي يطلق عليه.
ألغي قرار التعطيل لجريدة الحزب وأغلقت القضية الجزائية وصدر قرار الخبراء عمن تعنيه تلك الأبيات خلافا لما أرادته وزارة الداخلية، مؤكدين ان المعني بها هو تمثال (مود) الجنرال البريطاني الذي احتل بغداد في الحرب العالمية الأولى، وقد شيد له تمثال بجانب الكرخ مقابل دار الاعتماد البريطانية وفي ميدان محلة (الشواكة)، وليس هناك في المقطوعة اشارة الى تمثال المغفور له صاحب الجلالة فيصل الأول المنتصب في جانب الكرخ بمدخل جسر الشهداء، وكان يعرف آنذاك بجسر مود.
تعاون محمود البريكان بكل جهده للنشر بجرائد الحزب في البصرة، قبل تخرجه في دار المعلمين العالية وقد خص جريدة «نداء الناس»، وهي لسان الحزب لصاحبها المحامي الراحل حمد موسى الفارس، البديلة عن «جريدة الناس» لسان حال الحزب التي كان يصدرها عبد القادر السياب معتمد الحزب. شارك محمود البريكان، بافتتاح فرع الحزب في البصرة بقصيدة عمودية، وبتوقيع (برق)، لكي لا تنكشف هويته كشاعر بديل في جرائد الحزب، وقد ألقاها نيابة عنه الشاعر مقبل يوسف الرماح (المرحوم)، ونشرت في «صوت الناس» قدمها مرحبا بالحزب ورئيسه الشيخ محمد مهدي كبة ورفاقه الذين حضروا الافتتاح وجاء بهذه المقدمة: (بين يدي خريدة من أفاضل الشعراء، انه برق.. وهاكم من البرق فيض من النور). وكأن الأمر رسم أن يكون البديل للشاعر (صقر) في افتتاح الحزب المقر العام الشاعر الراحل عدنان الراوي، وفي البصرة كان البديل للشاعر (برق) الشاعر مقبل الرماح.

هناك تعليقان (2):

  1. يا دكتور من فضلك صحح تاريخ قتل البريكان إنه 28/2/2002

    ردحذف
    الردود
    1. الاخت ولاء شاكر شكرا وقد صححت التاريخ

      حذف