الخميس، 28 فبراير 2013

مستشفى مرجان في مدينة الحلة -محافظة بابل -العراق

مستشفى مرجان في مدينة الحلة
بقلم :الدكتور حسن احمد المعموري **
لقد قدمت الاسرة المرجانية العريقة في الحلة الكثير من الاعمال الخيرية الجديرة بالتنويه والتسجيل والتذكير ، فبنت العديد من المساجد ودور العبادة والمنشآت الخيرية وابرزت الدور الشعري والثقافي لمدينة الحلة وقدمت الدعم والعون والمساعدة المالية والمعنوية للمحتاجين والفقراء والمعوزين والمرضى.

وقد عبر الدكتور نعمة رحيم العزاوي عن اعجابه باعمالهم الخيرية بالقول "فمنذ ان وعيت ما حولي وانا ارى اعلام هذه الاسرة ورجالها يملؤون الحلة والعراق ذكراً حميداً، وينزلون من نفوس الناس منزلة كريمة، وان حب آل مرجان واحترامهم هما شعوران يدرج عليهم الناشئ في الحلة ويشيب الشاب ويشيخ الشيخ، لان المرء حين يدرك ما حوله يجد ان حب المرجانيين لديه جزءُ من الحب لابيه واهله وصورة من صور الوفاء لمدينته".
ومن هذه الباقيات لآل مرجان اعمال خيرية معروفة لابناء مدينة الحلة لا يحتاج الباحث عنها الى عناء كبير لمتابعتها حيث انها شواخص تشهد لهم دونما الحاجة الى سؤال ابرزها مستشفى مرجان للامراض الصدرية.
فعندما يدخل المسافر مدينة الحلة من مدخلها الشمالي يطالعه صرح حضاري شامخ عرف منذ عام 1957م (مستشفى مرجان للامراض الصدرية). وهو مفخرة انسانية باقية يزيدها مر الايام شموخاً ويكسوها كر السنين بقاءاً، انها الصرح الصحي الذي تبرع بانشائه عبد الرزاق جواد مرجان وعبد العباس محمد مرجان استجابة لحاجة الحلة والمناطق الاخرى الى انشائه

. وان اعظم ما يفخر به ويتمجد بشأنه، هو تلك المبرة العظيمة التي اصبحت مشاهد ناصعة تنطق بالخلود والرحمة الانسانية العربية لعميدي الاسرة اللذين قدَّماه هدية للحكومة سمي باسم العائلة، وان الحلة لم تشهد في تاريخها الطويل مثل هذه المبرة الانسانية الخالدة ، لتكون مصحاً لذوي الامراض الصدرية التي يذهب ضحيتها الآلاف من المواطنين اذا لم تدركهم العناية الصحية.
ولبناء المستشفى قصة رواها للباحث عماد عبد الوهاب مرجان ذكر فيها ان جده عبد الرزاق قد اصيب بمرض التدرن، وكان في حينها من الامراض الخطيرة القاتلة التي لا شفاء منها الا ارادة الله سبحانه وتعالى، وتم عرضه على اطباء بغداد ثم رقد معه في المستشفى في بغداد ولكن دون جدوى حيث بقى عبد الرزاق طريح الفراش اكثر من سنة.
وبعد ذلك سافر عبد الرزاق الى لبنان وسكن في داره في مدينة فالوغا في لبنان، وبعد مراجعة الاطباء في مستشفيات لبنان تم شفاؤه، ففكر ببناء مستشفى خيري في لبنان، فاختار لذلك الموقع الصحي المناسب المطل على وادي حمانا في جبل لبنان المشهور بطيب هوائه، وبعد ارتفاع البناء لما يقارب المتر اعترض بعض المسؤولين هناك ومنهم النائب اللبناني نجيب صالحة، باعتبار ان هذا المستشفى يشيد في منطقته الانتخابية، وسوف يؤثر على الاهالي في موسم الاصطياف ولهذا الغي البناء.
وبعد رجوع عبد الرزاق الى العراق قدم دعوى تعويضية على الحكومة اللبنانية مطالباً تعويضه عن الاضرار التي الحقت به. وبالفعل كسب الدعوى، وشاءت الاقدار ان يبيع ارضه بعد عدة اعوام باربعة اضعاف سعرها السابق. وبعد تطور الطب في العراق قرر ان يكون بناء هذا المستشفى في الحلة مدينته التي احبها.
وبعد ان اختار الارض التي قرر ان يقيم عليها المستشفى وهي محاذية للجهة الشرقية من نهر الحلة، بدأ بالبناء عام 1954. كانت مساحتها الكلية تبلغ 25.000م2، اما مساحة البناء فقد بلغت 6000م2. وقد شمل البناء طابقين متماثلين بالتنسيق بافخم بناء واحدث طراز، ضم اثنتي عشرة ردهة وقاعات للعمليات ومكاتب للادارة وداراً للاطباء واخر للممرضين. وقد بلغت تكاليف انشائه 120 الف دينار. وهو مبلغ كبير جداً في ذلك الوقت يدل على كرم هذه العائلة وسخائها.
وما ان اوشك بناؤه على الانتهاء حتى بعث عبد الرزاق مرجان برسالة الى وزير الصحة الدكتور محمد حسن سلمان يخبره ببناء المستشفى. وان البناء اوشك على الانتهاء كي تتسلمه الجهات الصحية الرسمية(.
وقد اجاب وزير الصحة رداً على هذا العمل الخيري بكتاب موجه الى عبد الرزاق مرجان معلناً قبول وزارته لهذا الصرح الحضاري والانساني وامر بتأليف لجنة استشارية تتعهد بتأثيث المستشفى وتجهيزه وادامته.
وفي يوم 21 آذار 1957م افتتح المستشفى ملكُ العراق فيصل الثاني وولي العهد عبد الاله كما وحضر الافتتاح نوري السعيد وعبد الوهاب مرجان ورئيس مجلس الاعيان وعدد من الوزراء والمتصرفين وحشد من الاطباء، فضلاً عن مشاركة خمسة آلاف مدعوا من مختلف انحاء العراق.
كان يوم الافتتاح يوماً مشهوداً من ايام الربيع، حيث عزفت الموسيقى ونشرت الورود ولبس الطلاب والطالبات من مدارس الحلة ملابس الكشافة واصطفوا خطين متقابلين من شارع بغداد حتى الباب الداخلية للمستشفى وكانت حناجرهم تصدح بالاناشيد الوطنية.
وما أن حلت الساعة العاشرة من صباح يوم الافتتاح حتى ازدحمت حدائق المستشفى بالمدعوين وبدأت الكلمات تعبر عن وجهة نظر اصحابها ومنها كلمة الدكتور عبد الامير علاوي وزير الصحة الذي اشاد من خلالها باسرة آل مرجان المخلصين لتشيدهم هذا المستشفى.
وقد القى عبد الوهاب مرجان كلمة شكر بها ملك العراق وولي عهده لافتتاحهما هذا المستشفى. كما القى عبد الله بكر رئيس الديوان الملكي كلمة الختام جاء فيها "امرني سيدي صاحب الجلالة الملك المعظم ان اعلن لكم ان الملك فيصل امر بمنح الحاج عبد الرزاق مرجان والحاج عبد العباس مرجان وسام فيصل من النوع المدني ومن الدرجة الثالثة تقديراً لخدماتهما الخيرية".
وذكر شهود عيان ان موائد الغذاء كانت حافلة وعامرة بكل مالذ وطاب وكانت الاهازيج الشعبية تعانق عنان السماء، فكان ذلك اليوم بحق يذكره الحليون بفخر واعتزاز.
وقد خلد عدد من الشعراء تلك المأثرة الكبيرة، ومنهم الشاعر الشيخ محمد علي اليعقوبي فعندما تدخل الباب الرئيس للمستشفى وتتجه نحو بنائه فستطالعك قصيدة
كتبت بالنقاشات على واجهة مدخل المستشفى مؤرخاً هذا الاثر الجليل قائلاً:
هذا هو الاثر العظيم الخالد
منه عليه للخلـود شواهـد
طالت به الفيحاء آفاق السما فحنت عليه الشهب وهي سواهد
من آل مرجان الأْلى بأكفهم شرعت مناهل للندى وموارد
يمضي الزمان وبابل تفنى وذا تاريخه اثر ببابـل خالـد
وانبرى الشاعر الحلي المعروف محمد علي النجار مؤرخاً انشاء هذا الاثر بهذه الابيات:
تخط الاجيال في صفحة الـخلد سطوراً مدارها من نور
هكذا تخلد الرجال مع الدهر وتغنى العصور بعد العصور
يوم شاد الوجيه ابو الوهاب مبنى يفوق اسمى القصـور
وبعد ثورة 14 تموز 1958م رفعت الدولة اسم آل مرجان من على واجهة المستشفى ووضعوا مكانها اسم (مستشفى الشعب). ولما وصل الخبر الى عبد الكريم قاسم رفض هذا التصرف وامر بارجاع اسم آل مرجان على واجهة المستشفى اكراماً لهم، وبقي مستشفى مرجان للامراض الصدرية عامراً الى يومنا هذا.
*اشكر الصديق الاستاذ فاروق زيادة الذي ارسل لي المقال عبر الايميل .

**الدكتور المعموري كتب رسالته للماجستير عن المرحوم عبد الوهاب مرجان بأشراف صديقنا الاستاذ الدكتور كريم الزبيدي  والدكتور المعموري يعمل الان مدرسا في قسم التاريخ - كلية التربية -جامعة بابل -العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق