السبت، 30 مارس، 2013

عام مضى على رحيله : الاستاذ غانم حمودات والكلمة التربوية الطيبة والصادقة


  عام مضى على رحيله : الاستاذ غانم حمودات والكلمة التربوية الطيبة والصادقة


أ . د . إبراهيم خليل العلاف


استاذ التاريخ الحديث -العراق


في الاول من نيسان سنة 2012  ، فقدنا الاستاذ الشيخ غانم سعد الله حمودات ..وها قد مضى عام ونحن نستذكره ونشيد بما قدم للناس وللوطن وللامة ..لقد كان - رحمه الله وجعله مع الصديقين والشهداء - من أبرز المربين في الموصل ، وأكثرهم حيوية واستقامة ، تتلمذت على يديه أجيال عديدة من الطلبة الذين لايزالون يفخرون به وبعلمه وما تعلموه منه من فضائل وخلق .. 

غانم سعد الله عبد الله حمودات من مواليد مدينة الموصل سنة 1930 ،  نشأ في بيت محافظ كان والده رحمه الله قارئا للقرآن ، غيورا على الدين ، وعمه من حفظة القرآن القلائل في الموصل آنذاك . وقد ختم غانم حمودات القرآن في أحد المساجد قبل أن يدخل المدرسة الابتدائية .. تلقى تعليمه الأولي في مدارس الموصل وتخرج في الثانوية وانتسب إلى دار المعلمين العالية ببغداد ( كلية التربية منذ 1958) وحصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية فيها بمرتبة الشرف سنة 1953 .

عمل في مدارس عديدة ، كان آخرها " الإعدادية الشرقية " المعروفة  في الموصل برصانتها العلمية ،وبجدية إدارتها وهيئتها التدريسية وعبر سنوات طويلة .. ولم يكن الأستاذ غانم حمودات بعيدا عن ما يجري حوله .. فلقد كان واحدا من الطلبة الذين هزتهم أحداث فلسطين الدامية واغتصاب اليهود لها وإقامتهم دولة على أرضها .. في نيسان 1948 اعتصم طلبة الإعدادية المركزية ،وهي المدرسة التي درس فيها ، وأعلنوا الإضراب وطالبوا بإرسال الجيش العراقي إلى فلسطين ، وتشير الوثائق المتداولة أن غانم حمودات هو الذي دعا الطلاب إلى الاعتصام والإضراب ، كما كان وراء مقترح لإنشاء صندوق لفلسطين يتبرع فيه الطلاب كل أسبوع ، وقد نشرت " جريدة النضال"  خبر تأسيس هذا الصندوق وأهابت بطلبة العراق جميعا أن يحذوا حذو طلبة الموصل .


كانت لغانم حمودات علاقة بجماعة الإخوان المسلمين . وقد ابتدأت هذه العلاقة سنة 1947 ، وتوثقت أيام كان طالبا في دار المعلمين العالية حتى انه صار مسئولا عن (الاخوانيين) في كليات بغداد وممثلا لهم في اللجنة المركزية وكثيرا ما وقف خطيبا باسمهم ونيابة عن زملائه من الطلبة ..


وبعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 ، وسقوط النظام الملكي وتأسيس جمهورية العراق وتفاقم المد الشيوعي ، وتشكل ( التجمع الديني القومي في الموصل ) لمواجهة ذلك .. كان الأستاذ غانم حمودات ممثلا للإخوان المسلمين في هذا التجمع ، وبلغ به الأمر انه كان يعد الخطب المناوئة للفكر الشيوعي وإرسال شباب الإخوان المسلمين لإلقائها في الجوامع بعد الانتهاء من صلاة الجمعة .


وبعد إخفاق ثورة الموصل المعروفة بثورة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف (آذار 1959) ـ اعتقل الأستاذ غانم حمودات يوم 14 آذار 1959 مع عدد كبير من شباب الموصل وسفر إلى بغداد للمثول أمام ما كان يسمى بـ( محكمة الشعب ) لكنه نقل بعد فترة قصيرة إلى موقف شرطة السراي وأعيد الى سجن الموصل وأفرج عنه بعدئذ وعوقب بسحب يده من الوظيفة ،واستمر الأمر أحد عشر شهرا وأعيد إلى التدريس ونقل من متوسطة الحدباء إلى الإعدادية الشرقية في شباط 1960 ومكث في هذه المدرسة حتى أواخر سنة 2004 أي انه مارس التدريس قرابة خمسين عاما وبضعة اشهر .


من الوثائق التي احترزعليها يتحدث رحمه الله  عن  الفترة الطويلة التي مارس فيها التدريس فيقول : " لازلت احن إلى التدريس ، ولولا عوائق من اعتلال الصحة وسواه لبقيت في هذه المهنة العظيمة"  . والمعروف أن الأستاذ غانم حمودات قد أحال نفسه على التقاعد في 30 حزيران1993 ، ولكنه أعيد إلى التدريس وعمل محاضرا لحاجة الإعدادية الشرقية إلى خبرته الطويلة في حقل اختصاصه وهو التربية الإسلامية واللغة العربية .


يقول الأستاذ غانم حمودات في رسالته المؤرخة 28 ذو العقدة 1426 الموافق لليوم 30 من كانون الأول 2005 والموجهة إلى زميلنا العزيز الأستاذ احمد سامي ألجلبي رئيس تحرير جريدة فتى العراق الغراء : "  واني لأذكر من باب التحديث بالنعمة ، حرصي الشديد على التدريس ، وألا تفوتني حصة واحدة ، واني في ذلك الحرص والنشاط أتفوق على زملاء كرام في المدرسة منهم من سبق أن درستهم على رغم تقدم السن ، واعتلال الصحة ، ومما وفقني الله عز وجل إليه إقامة ليلة القدر الشريفة في الإعدادية الشرقية أكثر من عشر سنين ، وقد جاوز عدد التلاميذ المقيمين لليلة الشريفة (170) تلميذا في بعض السنين ، ثم شرعنا نقيمها بعد ذلك في الجوامع . كما وفق الله سبحانه وتعالى ، فكان لنا السبق في بناء مسجد في المدرسة ، وما أسعدني وقد كنت أرى التلاميذ يتسابقون إلى الوضوء في البرد القارص ، ويؤدون الصلاة فرادى وجماعته في المسجد ، وما أسعدني وانأ أرى الوفاء من أبنائي التلاميذ واسمع ذكرهم لما كنت اهديهم إليه وأحثهم عليه .."  .


في الوثائق الرسمية وملفات المديرية العامة للتربية في محافظة نينوى ، وخاصة الملفة الشخصية للأستاذ غانم حمودات ، الكثير من تقارير مدراء التربية ، والمفتشين (المشرفين) التربويين عن نشاط وجهود هذا الرائد الكبير من رواد حركة التربية والتعليم في العراق ،ولايتسع المجال هنا لسرد ما تتضمنه تلك التقارير فعل سبيل المثال كتب مدير معارف (تربية) لواء الموصل نعمان بكر التكريتي (1955 ـ 1956) تقريرا في 14 آب 1955 ، عن الأستاذ غانم حمودات عندما كان مدرسا في متوسطة الحدباء التي عين فيها لأول مرة (13 تشرين الأول 1953) يقول أن الأستاذ غانم حمودات :" على جانب كبير من كرم الخلق وحسن السيرة ، هادئ الطبع ، قوي الشخصية ، رجل علم وعمل ، وصاحب دين وعقيدة ، غزير المادة ، واسع الاطلاع ، يحسن مهنة التعليم ويفتخر بها . يعمل متفانيا في غرس الفضيلة والعلم في نفوس النشء ، ممتزج مع إدارة المدرسة وهيئتها التدريسية ، ويحمل له الجميع الحب والاحترام والتقدير ، شديد الحرص على أداء واجباته ، ويعمل جهده في ميدان النشاط اللاصفي ، بعيد عن الآراء السياسية ، نرجو إبقاءه …" . وقد أيد الأستاذ صلاح الدين ألنوري مدير متوسطة الحدباء آراء المشرف التربوي وأعاد تأكيدها في تقرير خاص به وجهه إلى الأستاذ غانم حمودات مع اقتراح إضافة وهو " ضرورة تقديم الشكر والتقدير له ليكون مثلا صالحا يقتدي به " جميع أعضاء الهيئة التدريسية


وفي 25 من نيسان 1954 كتب الأستاذ عوني بكر صدقي مدير معارف لواء الموصل تقريرا عن الأستاذ غانم حمودات والذي لك يكن عمره آنذاك يتجاوز أل(24) سنة ، أي انه كان في بداية ممارسته للتعليم جاء فيه "شاب مثالي ، ذو خلق متين وسلوك حسن ، شخصية جيدة ، ومعلوماته غزيرة ، يحسن مهنة التعليم ويعتز بها ، قابلياته ممتازة ، كثير المطالعة والتتبع ، يعمل واجباته بكل حرص وإخلاص ، ويساهم كثيرا في مجال النشاط اللاصفي كثير من اللجان ، محبوب جدا ، ومحترم من الجميع ، ممتزج مع إدارة المدرسة وهيئتها التدريسية بالرغم من حداثته في سلك التعليم ، إلا انه اثبت جدارته وكفاءته لهذا العمل بنجاح" .


وكان مدير معارف لواء الموصل الأستاذ عبد المجيد حسن قد كتب جملة من الملاحظات عن الأستاذ غانم حمودات عندما كان في متوسطة الحدباء كذلك وكلها إشادة به وبطريقته في التدريس وعلاقاته الجيدة مع الطلبة ومما جاء في التقرير المؤرخ في 14 آذار 1955 أن الأستاذ غانم حمودات " حسن السيرة والخلق ، غزير المادة ، واسع الاطلاع ، يحبه طلابه كثيرا نظرا لإخلاصه وحرصه على فائدتهم ، يتعاون كليا مع إدارة المدرسة ، ويؤدي واجباته على اتم وجه ، بعيد عن الميول السياسية الضارة ، يستحق التقدير " . وفيما يتعلق بإشارة المشرفين التربويين ومدراء المدارس إلى الميول السياسية ينبغي أن نذكر هنا بنهم كانوا يحرصون ، وخاصة في العهد الملكي ، لإبعاد التعليم عن التوجهات السياسية والحزبية حفاظا على علميته وجديته ورصانته وعبث العابثين بمقدراته وفقا لأهوائهم وميولهم .


أما الأستاذ ناجي القشطيني المفتش الاختصاصي والأديب المعروف فقد قيم الأستاذ غانم حمودات في تقرير له مؤرخ يوم 7 آب 1956 جاء فيه :" مجيدا في أداء الواجب ، محبا لمهنته ، يشعر بالمسؤولية ، محبوبا من زملائه" .


وفي 18 نيسان 1957كتب مدير متوسطة الحدباء وكالة الأستاذ سالم داؤد الراوي عن غانم حمودات يقول بأنه " حسن السيرة ، كريم الخلق ، هادئ الطبع ، في شخصيته قوى متكاملة ، فهو رجل علم وعمل بالمعنى الصحيح .. صاحب دين وعقيدة" .


وكتب عنه مدير معارف لواء الموصل الأستاذ نعمان بكر التكريتي يوم 26 من مايس 1958 يقول : " ذو شخصية قوية وأخلاق فاضلة ، مادته غزيرة ، واطلاعه واسع "  .


وعندما زاره المفتش الاختصاصي الأستاذ أحمد حامد ألشربتي يوم 6 من نيسان 1967 كتب عن الأستاذ غانم حمودات يقول : " مظهره الخارجي وصوته جيدان جدا وكذلك حيويته ونشاطه ، ذو ثقة بنفسه ، يشعر بالمسؤولية ، حسن التصرف ، يعمل ويخلص في عمله ، يمتزج ويحب التعاون .. ذو قابلية في الضبط والهيمنة على الطلاب "  .


في 21 من حزيران 1967 كتب الأستاذ حازم عمر ( رحمه الله) مدير الإعدادية الشرقية وكان متخصصا باللغة الانكليزية وأستاذا ومديرا  للثانوية الشلرقية مطلع الستينات       عرفناه عن كثب ، كتب عن الأستاذ غانم حمودات يقول انه " مدرس ناجح، يترك أثرا طيبا في نفوس طلابه ، وقدوة حسنة في سلوكه وأعماله . معلوماته جيدة ، وله اطلاع واسع في حقل اختصاصه ، حريص على أداء
واجبه " .. وقد أيد مدير التربية آنذاك ما جاء في تقرير مدير المدرسة كما ورد في الهامش الموضوع على نص التقرير .

وفي 25 آذار 1969 قال عنه الأستاذ عبد المجيد الفلوجي المفتش الاختصاصي انه " ذو شخصية جيدة ، واضح الصوت ، ظاهر النشاط ، يشعر بالمسؤولية ، ضابط لصفه" .


وفي 2 مايس 1971 كتب الأستاذ حقي إسماعيل ياسين مدير الإعدادية الشرقية تقريرا عن الاستاذ غانم حمودات جاء فيه :"  قابليته في النواحي الدينية جيدة ... ونشيط في ذلك رغم مرضه ... علاقته بالطلاب والمدرسين والإدارة طبيعية .. هادئ جدا " .


كما كتب الأستاذ جاسم محمد طه الصوفي مدير الإعدادية الشرقية تقريرا عن الأستاذ غانم حمودات بتاريخ 30 من مايس 1989 جاء فيه :" مدرس جدير ومتمكن في عمله ، محبوب من قبل الطلبة والمدرسين ، متعاون مع الإدارة .." .


لقد عرفت الأستاذ غانم حمودات منذ أن كنت طالبا في المتوسطة المركزية وكنا نسمع به ونحضر محاضراته ونسمع آرائه وكان لي شرف التلمذة على يديه عندما كنت طالبا في الإعدادية الشرقية في مطلع الستينات من القرن الماضي وقد تأثرت بطريقته في التدريس ، حيث انه كان يحرص على إيصال المادة العلمية إلى الطلبة بيسر وسهولة ووضوح وكثيرا ما كان يرفع صوته ويخفضه تبعا للموضوع الذي يدرسه وما زالت وقائع محاضراته الرائعة التي شرح لنا فيها سورة الكهف (الآيات 32 ـ44) وقصة الرجلين اللذين دخلا مزرعتهما وكانت حافلة بالنخيل والأعناب ، فظن الأول أنها لن تبيد وذكر الثاني أن ما حصل عليه هو ببركة الله سبحانه وتعالى . واستطيع القول اليوم أننا كنا نتخيل الصورة والأحداث وكأننا نشاهد فيلما سينمائيا مدعوما بالصوت والصورة والحركة !!.

رحمة الله عليك أبا صهيب ، واسكنك الجنة ، وجزاك على ماقدمت خيرا ، والذكر للانسان حياة ثانية له .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق