الثلاثاء، 30 أبريل، 2013

محمد بن عبد الكريم الخطابي - صفحات من الجهاد والكفاح المغربي ضد الاستعمار - 1912-1927 كتاب للاستاذ الدكتور محمد علي داهش

محمد بن عبد الكريم الخطابي - صفحات من الجهاد والكفاح المغربي ضد الاستعمار - 1912-1927 كتاب للاستاذ الدكتور محمد علي داهش
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث- العراق

سبق وأن أشرفتٌ منذ عام 1981 ولغاية 1983 على طالب الماجستير في التاريخ الحديث الباحث محمد علي داهش (الاستاذ الدكتور في قسم التاريخ بكلية الاداب -جامعة الموصل حاليا ) في الجامعة المستنصرية / بغداد / العراق ، وعلى رسالته للماجستير الموسومة : " جمهورية الريف في مراكش 1921-1926" . وقد حصل الباحث على تقدير جيد جدا عن رسالته هذه التي تؤرخ لثورة الريف الغربية وقائدها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي . وبعد ما يقارب عقد من الزمان ، أضاف الباحث -على رسالته -معلومات جديدة ، ونشرها في كتاب بعنوان : "محمد بن عبد الكريم الخطابي.. صفحات من الجهاد والكفاح المغربي ضد الاستعمار" . وصدر الكتاب عن دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد - العراق عام 2002 . واليوم يصدر مجددا عن "الدار العربية للموسوعات في بيروت 2013 .
وتعُد هذه الدراسة الأكاديمية على حد علمي أول دراسة جامعية في العراق والوطن العربي ، عالجت موضوعا مهما يتحدث عن تجربة تحررية عربية إسلامية ، كانت وقائدها رمزا كبيرا من الرموز العربية التي تركت بصماتها في تاريخ الكفاح المسلح والنضال السياسي العربي المعاصر ضد الاستعمار وأعوانه .

على كل حال ، الكتاب يتحدث عن أوضاع المغرب عامة ، والشمال المغربي خاصة ، من النواحي الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فضلا عن الجوانب الكفاحية للتمدد الاستعماري الاسباني في المنطقة من معاقله التاريخية مليله وسبته . ويتابع المؤلف الدكتور داهش ، تجربة الحماية الاستعمارية الثنائية على المغرب ، إذ خضع الشمال المغربي (إقليمي الريف والجبالة) للاحتلال-الحماية-الاسباني ، فيما خضع القسم الجنوبي للاحتلال-الحماية-الفرنسي .
استعرض المؤلف التجربة الكفاحية التحررية التي قام بها المغاربة بعد إعلان الحماية الثنائية عام 1912 ، وتابعها في الشمال حتى عام 1919 حيث انطلقت من إقليم الريف ، ثورة عام 1921 ، مهدت للكفاح المسلح طوال عامين ، لتنطلق بعدها قوة عسكرية بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي ، الذي حقق في تموز/يوليو 1921 اكبر انتصارات الثورة في معركة أنوال على قوات الاحتلال الاسباني ، وهذه المعركة كما قال عنها عززت إمكانات لثورة بالمؤن والعتاد والأسلحة ، كانت من العوامل المضافة للكفاح التحرري الطويل الذي خاضته الثورة حتى حررت تقريبا كامل الشمال المغربي عام 1924 . وفي هذه المدة استطاعت الثورة التحررية أن توحد جهودها مع ثورة جبالة وقائدها الشريف احمد الريسوني ، وكادت أن تطرد الأسبان من جميع معاقلهم في الشمال المغربي .
إن استمرار وتصاعد العمليات العسكرية الريفية ضد قوات الاحتلال الاسباني ، لم يبعد الخطابي وهو العقل المثقف والمنظم- عن الاهتمام بالجوانب ،بإقامة نظام سياسي، وتشكيل حكومة وزارية متعددة الاختصاصات، وإعلان ميثاق قومي ، فضلا عن الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخدمية والصحة والمواصلات ، حتى أصبحت " دولة الريف "أو " حكومة الريف "أو "جمهورية الريف " مركز جذب واهتمام وإعجاب للزوار الأجانب ، مثلما أصبحت قطبا جاذبا للاهتمام العالمي ، ومركزا مؤثرا على الوجود الأجنبي الفرنسي في المغرب بأجمعه .
إن النجاحات العسكرية الباهرة التي حققها الأمير محمد عبد الكريم الخطابي ، والنضال السياسي الذي خاضه عبر العواصم العربية والعالمية، وصدى ثورة الريف مغربيا وعربيا وعالميا، أثار حفيظة الفرنسيين وقائدهم الجنرال ليوتي منذ عام 1925 ، وقاد ذلك إلى التقاء المصالح الاستعمارية وعقد الاتفاقات الاقتصادية والعسكرية وصولا إلى التحالف عام 1925 لمواجهة مشتركة حيث حشدت القوتان الاستعماريتان أكثر من نصف مليون جندي للقضاء على ثورة الريف المغربية،واستخدمت شتى أنواع الأسلحة وحتى المحرمة دوليا، وكان من حصيلة ذلك اضطرار الخطابي الى الاستسلام خوفا على شعبه من الإبادة الجماعية بالنابالم والغازات السامة، وكان استسلامه في 27 أيار/مايو 1926 ، بداية النهاية للكفاح المسلح في الشمال المغربي، وبداية النضال السياسي الملتحم بالنضال السياسي في الجنوب المغربي ضد الحماية الفرنسية .
لقد تركت ثورة الريف،بأسلوبها القتالي (حرب الكمائن – حرب العصابات ) وشخصية قائدها ، وعقليته العسكرية والسياسية والدينية والثقافية العامة ، أثرها على مسيرة بعض الثورات العالمية ومنها الثورة الصينية، مثلما أثرت على مسيرة النضال العربي ، حيث أصبح الخطابي رمزا للكفاح العسكري مثلما أصبح رمزا للكفاح السياسي بعد ذلك .
إن هذا الكتاب، بإصداره القديم ، وشكله الجديد ، يٌعد من الدراسات الجادة التي أرخت للثورة الريفية المغربية ، وأبرزتها ثورة تحررية، وتقدمية ، وذات نهج إصلاحي ، ونظام سياسي دستوري ، يعيد إلى الأذهان تجربة العرب في " الحكم الراشد " . انه إضافة نوعية للمكتبة العربية المعاصرة تستحق الاهتمام والقراءة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق