الأربعاء، 31 يوليو 2013

ذكريات الاستاذ سامي مهدي






                 


                   ذكريات سامي مهدي




ذكريات (1)
عالم الكلمات
عالم الكلمات عالم مدهش عجيب ، وأبي هو الذي قادني إلى أبوابه . كان شبه أمي ، معرفته بالقراءة والكتابة جد ضئيلة ، ولكنه علمني أن أكتب اسمي واسمه ، وكلمات أخرى قليلة ، وأنا بعد في أواخر العام الرابع من عمري . يومها حسبت الكتابة لعبة من اللعب فأحببتها واستمرأتها . جعلتني أحس إحساساً غامضاً بأن وراء كل كلمة سراً من الأسرار ، وباباً يختفي وراءه عالم سحري غريب ، فصرت ألح على أبي ، المرة بعد المرة ، بأن يشتري لي قلماً ودفتراً لأخط على الورق ما يحلو لي خطه . وأظن أن هذا لم يكن يضايقه ، بل يسعده ، فكان يستجيب لطلباتي وعلامات الرضا بادية على وجهه .
في العام الخامس من عمري قرر أبي أن يلحقني بكتّاب من كتاتيب ذلك الزمان . كانت الكتاتيب يومئذ تقوم بالمهام التي تقوم بها اليوم رياض الأطفال وأكثر . فتعلمت في ( كتاب الملا قاسم في باب السيف ) القراءة والكتابة ، و العمليات الحسابية الأربع بأشكالها الأولية البسيطة ، وحفظت أجزاء كثيرة من القرآن ، وصرت أردد آيات من سورة الكهف ، وآيات سورة النجم كلها ، بطرب واستمتاع يبلغ حد النشوة . ورحت أقرأ بلا صعوبة كل ما يقع في يدي من الصحف والمجلات التي كان خالي يحملها معه إلى بيتنا في زياراته الأسبوعية ، ومنها مجلة المختار الأمريكية ( النسخة العربية من مجلة : ريدر دايجست ) ومجلة الهلال المصرية ومجلات خفيفة أخرى . وهكذا تعلقت بعالم الكلمات حتى صرت من أهله .
ما كان أجملها من أيام !

ذكريات (2)
النشأة والتكوين
ولدت في كرخ بغداد عام 1940 . كانت الحرب العالمية الثانية قد استعرت قبل ذلك بعام ، وكانت حياة الناس في ضيق شديد . ولما انتهت الحرب عام 1945 شهد العالم تحولات عميقة  على كل صعيد ، ولم يكن العراق في منأى عن ذلك ، فقد بدأت فيه مرحلة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية امتدت حتى عام 1958 .
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي كان النظام شبه الإقطاعي يؤول إلى التفسخ والانحلال . وكانت الشرائح البرجوازية والعمالية تنمو باطراد وتتقدم ، في حين بدأ المجتمع يتخلص من وطأة الظروف المعيشية القاسية التي ساءت كثيراً خلال سنوات الحرب ، ويشهد تغيراً عميقاً في عاداته وتطلعاته . وفي الوقت نفسه اتسع نطاق التعليم ونمت قاعدته البشرية وبنيته التحتية ، وكثر عدد المبعوثين إلى الدراسة في الخارج ، والعائدين من البعثات بشهاداتهم العالية ومعارفهم وتطلعاتهم الجديدة ، وتعالت الأصوات المطالبة بإصلاح مناهج التعليم وتأسيس جامعة عراقية ، وأخذت السوق العراقية تستقبل أعداداً  متزايدة من الكتب والصحف والمجلات والأفلام العربية والأجنبية ، واتسع نطاق السفر إلى الخارج ، وكان لكل ذلك تأثيره الكبير في الأذواق والميول والرغبات والاتجاهات ، حتى ليمكن القول : إننا بدأنا في حينه مرحلة جديدة من التمدن ، رافقه دخول نظريات ومفهومات جديدة على صعيد الفكر والأدب والفن ، أفضت ، في ما أفضت إليه ، إلى تحديثها على أيدي جيل جديد من المفكرين والأدباء والفنانين . وكان هناك نضال وطني يتصاعد حيناً ويتراجع حيناً آخر ، تفجرت خلال فترات صعوده انتفاضات ومظاهرات وإضرابات واحتجاجات في شتى المناسبات ، وكان إلغاء معاهدة 1930 المعقودة مع بريطانيا ، والمطالبة بالحريات الديمقراطية ، وتعديل قانون الانتخابات ، وتحسين الظروف المعيشية ، ومناهضة الأحلاف العسكرية الاستعمارية ، والدفاع عن عروبة فلسطين ، أهم شعاراته .
الصحافة العراقية ، لاسيما الصحافة الحزبية المعارضة ، لعبت دوراً مهماً في هذا النضال ، فقد كانت وسيلة من وسائل الكشف والتوعية والتحريض والتعبئة ، ولذا كان نصيبها من الإجراءات القمعية وافراً جداً ، فما أكثر ما ألغيت امتيازاتها ، أو عطلت عن الصدور لمدد محددة ، أو صودرت أعدادها ، أوعُدّت مادة جرمية . ورغم ذلك كان إصدار المجلات الثقافية هماً دائماً من هموم الأدباء والمثقفين . كانوا في فورة ، وكانت بهم حاجة ماسة إلى نشر نتاجاتهم الفكرية والأدبية والفنية ، وكان ما يصدر من مجلات ثقافية في مصر ولبنان وسورية يحفزهم على إصدار مجلات شبيهة بها ، فصدرت خلال الحقبة الممتدة من عام 1945 حتى عام 1958 مجلات ثقافية وأدبية وفنية كثيرة ( بالعشرات ) ولكنها كانت قصيرة الأعمار ، فلم تتمكن من بلوغ أهدافها ، إذ ما يكاد يصدر منها عدد أو عددان أو عدة أعداد حتى تغلق ، لأسباب سياسية أو مادية . وكان أكثر السنوات إزدهاراً بالمجلات هي السنوات 1945 – 1946 و 1953 – 1954 ، والتي صدرت في هاتين السنتين الأخيرتين كانت هي الأنشط ، وهي الأهم كماً ونوعاً ، أعني مجلات مثل : الأسبوع ، والثقافة الجديدة ، والكاتب العربي ، والفصول الأربعة ، والرسالة الجديدة .
لم أكن في حينها بعيداً عما كان يحدث ، فالمصادفات حكمت بأن تزرعني في صفوف أكثر من تظاهرة . وكنت منذ صغري مولعاً بقراءة الصحف اليومية ، الصحف التي يصدرها الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والجبهة الشعبية ، وقلما قرأت صحف البلاد والزمان والشعب . وكنت مواظباً على اقتناء الكتب والمجلات الثقافية ، وزيارة المعارض التي تقيمها الجماعات الفنية ، ومتابعة ما يجري من مناقشات في قضايا الأدب والفن ، لاسيما ما كان يدور من نقاش حول الحركة الشعرية الفتية : حركة الشعر الحر ، وانحزت منذ البدء إلى هذه الحركة ، وكتبت قصائد من هذا الشعر ونشرتها في مجلة فنون وغيرها ابتداء من عام 1957 .
إذن فقد نشأت في مرحلة هذه طبيعتها ، وتلوّن تكويني الثقافي الأساسي بألوانها ، واعياً أو غير واع .


ذكريات (3)
مجلة الآداب
صلتي بعالم الثقافة والأدب انعقدت وأنا في عامي الثالث عشر ، وارتبطت بمجلة الآداب اللبنانية دون غيرها . اكتشفت هذه المجلة حين جاء بأحد أعدادها إلى صفنا مدرس اللغة العربية القدير الأستاذ عباس علي القرغولي . كان الدرس درس مطالعة ، فوضع المجلة أمامي وطلب مني أن أقرأ على زملائي قصيدة عن فلسطين كانت منشورة فيها ، أظنها كانت للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد ، فقرأتها ، وبعد أن قام هو بشرح القصيدة والتعليق عليها ، طلب منا الانصراف إلى كتابنا الغني الجميل المقرر أيامئذ لدرس المطالعة . ولكنني رجوته أن يسمح لي بالقراءة في المجلة حتى نهاية الدرس ، فوافق وهو يبتسم ابتسامة عريضة وتنفرج نواجذه عن سنه الذهبية . وعندها رحت أقرأ في المجلة سطوراً من هنا وأخرى من هناك ، فوجدتني أشبه بمن يدخل غابة مجهولة غامضة ، ولكنها مغرية بما تنطوي عليه من سحر الغموض ، ومن يومها ، من يومها تماماً ، صرت أجمع الفلس إلى الفلس حتى أقتني أعدادها بلهفة وانتظام .
كان ذلك في أواخر عام 1953 ، وكنت في الصف الأول المتوسط ، وكانت المجلة ما تزال في سنتها الأولى ، فصرت أترقب صدور كل عدد من أعدادها بلهفة ، وأقرأه من الغلاف إلى الغلاف بلا ملل ، بما في ذلك ما نشر فيه من إعلانات عن الكتب الجديدة ، وكثيراً ما كنت أعيد قراءة بعض موضوعاته وقصصه وقصائده مرة واثنتين . فأنا لم أكن أفهم الكثير مما يرد فيها ، ولكن كان حسبي ما كنت أفهمه منها . وكان هذا الذي أفهمه ينمو ويتسع عدداً بعد عدد وقراءة بعد أخرى .
في وسعي الآن أن أقول : إن هذه المجلة هي التي فتحت لي باب الأدب وأغرتني بدخوله ، وهي التي دربتني على الصبر والتساؤل والتفهم في أثناء القراءة ، وأدخلتني عالم الأدب الحديث دون مقدمات ، وأثرت في ذوقي وفي تكويني الثقافي . فقد صرت أقتني ما يلفت نظري من كتب تعلن عن صدورها أو تنشر عروضاً لها أو نقوداً عنها . وهي لم تهدني إلى كتب بعينها فقط ، بل قادتني إلى مجلات أخرى بما أثارت في من فضول ومن رغبة في المعرفة ، فرحت أقتني ، إلى جانبها ، شتى المجلات الأدبية : عراقية ولبنانية ومصرية وسورية . وهكذا اتسعت دائرة اهتماماتي وتنوعت ، ولكن الآداب بقيت مجلتي الأولى ، وبقيت هي الأساس والمحور ، مثلما كانت هي نقطة الانطلاق .
آه كم أحسست بالألم يوم أعلن الدكتور سماح إدريس بعد عقود اضطراره إلى إيقافها عن الصدور !

ذكريات (4)
 سبيل الرشاد
قضيت كل سنوات حياتي العملية تقريباً في الصحافة وما جاورها ، وكنت قريباً منها حتى وأنا بعيد عنها ، وتوليت خلال تلك السنوات رئاسة تحرير عدة صحف ومجلات ، ولكن أول صحيفة توليت رئاسة تحريرها كانت نشرة مدرسية اسمها : سبيل الرشاد ، فهل كان هذا فألاً لحياة قادمة ؟!
سبيل الرشاد ، هكذا شاء مرشد الصف ، مدرس الرياضيات في متوسطة فيصل ، الأستاذ قاسم محمد عبد الله ، هكذا شاء أن يسمي النشرة ، وطلب مني أن أكتب تحت الاسم آية قرآنية تفسره ، آية ما زلت أتذكرها ولكني لا أتذكر من أية سورة هي ، آية تقول ( وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد ) .
علمت في ما بعد أن الأستاذ قاسم اختارني لمهمة إصدار النشرة باقتراح من مدرس اللغة العربية الأستاذ عباس علي القرغولي . قال لي ذلك هو نفسه ، وأخبرني بأن القرغولي ذكر له أنني ( أفضل من يمكن الاعتماد عليه في هذا الأمر ) . وكان لهذا بالغ الأثر في نفسي .
كنت يومئذ في الصف الثاني متوسط ، فرحت أقترح على طلبة الصف موضوعات يكتبونها ، وأكتب أنا نفسي ما تعن لي كتابته ، حتى إذا جمعت من المواد ما يكفي لإصدار النشرة ، رحت اقرأها وأصحح بكل اعتداد أخطاءها النحوية والإملائية ، وأفرز ما يصلح منها للنشر وأستبعد ما لا يصلح ، ثم وضعتها كلها بين يدي الأستاذ قاسم ليقول فيها كلمته الأخيرة ، وما إن قالها حتى كتبت النشرة على صفحة كبيرة بيضاء من الورق المقوى بعناية فائقة ، وزينت بعض المواد برسوم رسمتها وصور لصقتها ، فظهرت في صورة بهية تعجب الناظرين .
حررت من هذه النشرة عددين ، الأول في النصف الأول من السنة الدراسية ، والثاني في النصف الثاني من السنة نفسها ، وكان الجميع راضياً عنهما : مدير المدرسة ، ومعاونه ، ومرشد الصف ، ومدرس اللغة العربية ، وطلبة الصف ، وكان هذا يفرحني . وفي نهاية السنة أهداني الأستاذ قاسم كتابين ما زلت أحتفظ بهما حتى اليوم ، أحدهما لأحمد أمين ، والآخر لمحمد الغزالي .
أنهيت دراستي المتوسطة عام 1956 ، وانتقلت من متوسطة فيصل إلى ثانوية الكرخ ، وصادف أن نقل الأستاذ قاسم إلى هذه الثانوية أيضاً ، ولكن صلتي به انقطعت فقد كلف بالتدريس في الصفوف العلمية . وفي العام نفسه وقع العدوان الثلاثي على مصر انتقاماً منها لقيامها بتأميم قناة السويس ، فتحولت ثانوية الكرخ إلى بؤرة نشاط ثوري لا يخمد : مظاهرات واعتصامات وهتافات في ساحة المدرسة تنتصر لمصر وتدين العدوان وتندد بالحكومة . ولم يتوقف هذا النشاط إلا بعد أن منعت إدارة المدرسة عشرات الطلاب من الدوام ، واشترطت عليهم أن يوقعوا هم وأولياء أمورهم على تعهد يلزمهم بـ ( حسن السلوك ) . وكنت واحداً من هؤلاء !
ولأنني كنت أتهيب من أن أطلب من أبي التوقيع على تعهد كهذا ، فكرت بعرض مشكلتي على الأستاذ قاسم نفسه ، وفعلت ، ورغم أن الشائع عنه بين الطلاب أنه من جماعة الأخوان المسلمين ، لم يكن منه إلا أن يوقع التعهد دون تردد ، ودون أن يلومني أو يوصيني ، وقعه بثقة مطلقة ، فأنقذني من موقف شديد الإحراج .
رحم الله هذا المربي الفاضل ، فقد كان رجلاً فذاً ونبيلاً .
ذكريات (5)
القصيدة الأولى
هل يتذكر الشعراء قصائدهم الأولى ؟ أعني القصائد التي كتبوها أول مرة ، ونالوا بها الاعتراف بأنهم شعراء من عارفين موثوقين ؟ لا أدري ، أما أنا فأذكر قصيدتي الأولى جيداً .
في صباي المبكر نظمت أبوذيات جميلة . تعلمت نظمها من أبي ، فقد كان ممن ينظمونها ، وإن على قلّة . تعلمت بالسماع ونظمت أبوذياتي . وكتبت قصائد باللهجة البغدادية في هجاء الحزب الدستوري ، حزب نوري السعيد ، وحزب الأمة الاشتراكي ، حزب صالح جبر ، لكنني لم أكتشف أنني شاعر إلا عام 1954 . فقد فاضت دجلة في ذلك العام فيضاناً مرعباً أغرق ضواحي بغداد ، وكادت بغداد نفسها تغرق ، حتى أُخِذ الرجال سخرة لإعداد السداد وحماية المدينة . فكتبت عن هذا كله قصيدة موزونة مقفاة بلغ عدد أبياتها نحو ثلاثين بيتاً ، على ما أّذكر . كانت قصيدة رائية ، على البحر السريع ، نظمتها على السليقة ، فلم أكن أعرف شيئاً من قواعد النظم ، لا الأوزان ولا التفاعيل ولا الزحافات والعلل ولا غيرها .
أخذت القصيدة إلى مرشد الصف الأستاذ قاسم محمد عبد الله وعرضتها عليه ليوافق على نشرها في العدد الثاني من نشرتنا المدرسية ( سبيل الرشاد ) . فلما قرأها ظن أنني نقلتها من مصدر ما ، مع أنها كانت قصيدة ضحلة تصب اللوم على دجلة وتتهمها بالغدر ، قصيدة صبي كان ما يزال قاصراً في معرفته وخبرته . ورغم أنني أكدت له أنها من نظمي ظل يتوجس ، ثم أخذها إلى مدرس اللغة العربية الأستاذ عباس القرغولي ليفتي في أمرها . وكان هذا الأستاذ الرائع يعرف مدى تفوقي في درسه وشدة شغفي بالأدب فاستدعاني ، وسألني عما إذا كانت القصيدة قصيدتي فأقسمت له بـ ( روح خالي العزيز ) أنها لي ، ثم سألني عما إذا كان هناك من ساعدني في نظمها أو تعديلها ، فقلت : لا أحد ، وسألني أيضاً عما إذا كنت أعرف أوزان الشعر فنفيت معرفتي بها وأوضحت له أنني نظمت قصيدتي على السليقة . فتهلل وجهه أخيراً وأثنى علي ، وأخبرني بأنها تخلو من أي خطأ نحوي أو عروضي ، وقال لي بلغته التي يحرص على فصاحتها حين يحدث تلاميذه : هيا اذهب يا فتى فأنت شاعر !
وعندئذ نشرت القصيدة في النشرة وذاع بين المدرسين والطلبة أنني شاعر ، وهذا ما صرت أحس به وأدعيه لنفسي منذ ذلك اليوم !                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     
ذكريات (6)
المنشورات الأولى
ما أن نلت اعتراف أستاذي القرغولي بأنني شاعر حتى اندفعت أكتب برغبة عارمة . لم أكتب قصائد فقط ، بل كتبت معها قصصاً قصيرة وقطعاً نثرية أدبية كثيرة ، ورحت أجمع ما أكتبه في دفتر خاص بها حتى بلغ ما كتبته العشرات . وحدث ذات يوم أن طلب الدفتر مني أحد زملائي ، وكان أقربهم إلي ، فأعرته إياه  . مكث الدفتر عند زميلي أياماً عدة ، وحين طالبته به وعدني بإعادته إلي ولم يعده ، فساورني قلق وشك ، ولما ألححت عليه أخبرني بأن الدفتر عند أخته الكبرى ( واسمها نجاة ) . وعندئذ أصررت على مرافقته إلى  بيته في كرادة مريم لاستعادته وهذا ما كان . ولكنني فوجئت بعد أكثر من شهر بأن أخته ( استعارت ) من الدفتر بعض ما كان فيه من قطع نثرية رومانسية وراحت تنشرها في مجلة أسبوعية كانت تصدر يومئذ باسم : الحياة العراقية !
لم أكترث يومها لهذه الفعلة ، لأن تلك القطع لم تكن تعني الكثير عندي ، ولكنها لفتت نظري إلى ما لم أكن أفكر فيه ، وهو أن ما أكتبه قابل للنشر في الصحف والمجلات ، فأرسلت ، على سبيل التجربة ، قصة قصيرة إلى إحدى الصحف الأسبوعية . أرسلتها بالبريد . ولم يمض على إرسالها سوى أسبوعين حتى وجدتها منشورة في صدر صفحتها الثقافية . ففرحت لذلك أشد الفرح . كان ذلك في أواخر عام 1955 ، ثم أرسلت للصحيفة نفسها قصة أخرى فنشرت كسابقتها . وبعدها نشرت لي الصحيفة قصيدة عنوانها ( أسقنيه ) وكانت تتكون من عدة مقاطع متنوعة القوافي ، ثم نشرت لي قطعة من سبعة أبيات عنوانها ( صاحبي ) ، ولكنها لم تلبث أن توقفت عن الصدور لسبب لا أعلمه ، فتوقفت عن النشر بعدها . كان اسمها ( المجتمع ) وعلمت في ما بعد أن المحرر الذي كان ينشر المواد التي أرسلها هو الصحفي المخضرم والأديب : خضر الولي ، رحمه الله .
توقفت ( المجتمع ) عن الصدور فتوقفت عن النشر ، ولكنني لم أتوقف عن الكتابة ، وصرت أغتنم فرص النشر هنا أو هناك دون تردد . لم أكن أعرف أحداً يعمل في الصحافة ، كنت أغامر فأرسل ما أريد نشره بالبريد ، ونادراً ما خاب ظني في ما أرسلته . غير أنني حرصت على النشر في المجلات وعزفت عن النشر في الصحف اليومية ، فالشعر مكانه الكتاب والمجلة وليس الجريدة ، وما نشرته في ( المجتمع ) كان مجرد تجربة .
عدت إلى النشر بقوة عام 1957 ، فنشرت في مجلتين عراقيتين هما : ( الأسبوع ) و ( فنون ) وفي مجلتين لبنانيتين هما ( المجلة ) و ( الورود ) ، نشرت فيها قصائد ومقالات نقدية كثيرة ، ثم توقفت عن النشر مرة أخرى بعد ثورة 14 تموز عام 1958 .وتوقفت عن الكتابة أيضاً !


ذكريات (7)
المكتبة الأولى ، الكتاب الأول
كان بيتنا بلا مكتبة ، ولم يكن فيه كتاب غير القرآن ، ولذا كان علي أن أنشيء مكتبتي بنفسي كتاباً فكتاباً . غير أن معاناتي في توفير أثمان الكتب والمجلات التي أريد اقتناءها كانت كبيرة ، حتى اضطررت ، وأنا بعد صبي ، إلى مزاولة أعمال شتى ، بأجور متواضعة ، بعلم أبويّ ، وبدون علمهما أحياناً ، لأحصل على ما أريد . وربما كان جهل أبويّ نعمة لي في حينها ، فلم يكونا يتدخلان في شؤوني الثقافية ، ولا يسألانني عن هذا الكتاب أو تلك المجلة . كان حسبهما أنني أنجح بتفوق عال في نهاية كل عام دراسي ، وهذا ما وفر لي حرية مطلقة في اختيار ما أقتني وما أقرأ من كتب ومجلات ، دون رقابة ، ولا منغصات .
خميرة مكتبتي كانت كتباً بيعت لنا في المدارس التي درست فيها ، وأخرى أهديت لي من إداراتها ، ولم يكن عددها كلها يزيد عن عشرة . أما أول كتاب اشتريته من السوق بنقودي الخاصة فكان رواية مكسيم غوركي الشهيرة ( الأم ) . اشتريته بـ ( 600 ) فلس من كشك كان يقع عند رأس جسر الشهداء من جهة الكرخ ، بعد أن قرأت إعلاناً عنه في مجلة الآداب . ثم قرأت الرواية كلها ، وأعجبت بها ، وضممتها إلى مكتبتي الناشئة باعتزاز .
كان ذلك في أواخر عام 1954 ، وكنت ما أزال في الصف الثاني من دراستي المتوسطة ، ولي يومئذ زميل مندائي ، يجلس في الصف إلى جانبي ، اسمه : فاروق جاني ، لم أره ، ولم أسمع شيئاً عنه ، منذ أن تفرقت بنا السبل بعد انتقالنا إلى الدراسة الثانوية . كان فاروق من عائلة شيوعية ، وكانت بيني وبينه علاقة صداقة وطيدة ، وما أن حدثته عن رواية غوركي حتى دهش ، وقال لي إنه سمع بها ولم يقرأها ، فهي كتاب ممنوع ، واقتناؤه أمر خطر ، ولذا نصحني بالتخلص منه . ولما أخبرته بأنني اشتريته من السوق رد عليّ بما مفاده : إن يكن هذا الكتاب مسموحاً بتداوله اليوم فسيصبح في الغد وثيقة جرمية . ولأنني كنت أعرف كيف كانت الحكومات تعامل الشيوعيين صدقت صديقي وخفت ، وبلغ بي الخوف حداً جعلني أفكر بالتخلص من الكتاب ، رغم أنني شقيت في جمع ثمنه وشرائه .
مرت عدة أيام وأنا قلق متردد بين الاحتفاظ بالكتاب والتخلص منه . وصادف في حينها أن تلبد المناخ السياسي بعد انفراج نسبي قصير ، وأغلقت مجلات ثقافية كنت أحرص على متابعتها واقتنائها مثل الثقافة الجديدة والكاتب العربي ، فاشتد قلقي وخوفي ، وما كان مني إلا أن أحمل الكتاب ذات ظهيرة تحت ( دشداشتي ) وألقي به في خربة كانت تقع خلف ( جامع حنّان ) ثم أعود إلى البيت وأنا جد حزين .



ذكريات (8)
في ثانوية الكرخ
لا أدري لم اخترت الدراسة الأدبية ولم أختر الدراسة العلمية . كنت متفوقاً تفوقاً عالياً في جميع الدروس ، كنت الأول في الصف دائماً ، وكان من هو مثلي يفضل الدراسة العلمية حسب المزاج السائد في المجتمع ، غير أنني خالفت هذا المزاج واخترت الدراسة الأدبية .
لم يكن في ثانوية الكرخ سوى صفين أدبيين هما : الرابع والخامس ، وكان جميع طلاب الصف الرابع جديدين عليّ عدا واحداً هو زميلي في متوسطة فيصل وصديقي : سامي حنا . وكان البغداديون في هذا الصف قلة ينتمي أفرادها إلى جميع أحياء الكرخ ، من كرادة مريم حتى الجعيفر . أما الغالبية فكانت تنحدر من شتى مدن المحافظات المحيطة ببغداد ، يوم لم يكن ثمة من يسأل المرء عن منبته ودينه أو طائفته . كنا خليطاً متنوعاً ، وكذلك كان أساتذتنا . وأشهد أن خلافاتنا كانت جد قليلة ، وهادئة ،  ولم يكن أي منها يتعلق بالدين أو الطائفة أو الحزب أو العشيرة ، ولا أدعي قط إذا قلت : إننا كنا متآلفين متحابين متعاونين .
كان عدد طلاب الصف الرابع حوالي الأربعين طالباً ، غالبيتهم تحب الأدب وتتبارى في حفظ النصوص ، ولكن عدد الواعدين منهم بمستقبل أدبي لم يكن يزيد عن خمسة هم : موفق خضر ، ومثنى حمدان ، وعبد الأمير الأعسم ، وسامي حنا ، وسامي مهدي . كان موفق خضر يكتب القصة ، ومثله كان الأعسم ، أما مثنى حمدان فكان شاعراً مثلي ، وأما سامي حنا فاختار الترجمة من الإنكليزية .
حين أنهينا الدراسة الثانوية عام 1958 دخل ثلاثة منا ، نحن الخمسة ، كلية الآداب : موفق خضر وسامي حنا اختارا الدراسة في قسم الاجتماع ، واخترت أنا دراسة الاقتصاد ، أما الأعسم فاختار كلية أصول الدين ، وأما مثنى حمدان فدخل الكلية العسكرية ، فكان لكل منا شأن :
_ موفق نشر رواية عنوانها ( المدينة تحتضن الرجال ) كتبها ونحن بعد في الصف الخامس الثانوي ونشرها ونحن في سنتنا الجامعية الأولى .
_ سامي حنا نشر كتاباً عن آرنيست همنغواي كان قد ترجمه في ذلك الحين ، ثم ترك الترجمة واتجه في الحياة وجهة أخرى .
_ عبد الأمير الأعسم ترك كتابة القصة وتفرغ في ما بعد لدراسة الفلسفة ونال فيها شهادة الدكتوراه .
_ مثنى حمدان دخل الكلية العسكرية واستشهد عام 1963 ، ثم تولى صديقي اللامع جليل العطية ( الدكتور ) نشر مجموعة شعرية له عام 1965 .
_ أما أنا فتوقفت عن الكتابة وكرست نفسي للقراءة .
وكذلك هي تصاريف الحياة .



ذكريات (9)
كانوا رائعين
أتذكرهم كلهم ، أتذكر أسماءهم ، وأشكالهم ، وعاداتهم في التدريس ، وما كان لبعضهم من لازمة يرددها في أثناء قيامه بشرح الدرس ، أو خلال أحاديثه معنا . أتذكر الأستاذ عبد الحميد الهيتي معلم اللغة العربية في مدرسة الأماني الابتدائية وعينيه السابحتين في الفضاء البعيد ، أتذكر الأستاذ عباس علي القرغولي الذي درسنا هذه اللغة في متوسطة فيصل ، أتذكر الأستاذين حسين البياتي ومظفر بشير اللذين درسانا إياها في ثانوية الكرخ ، وأتذكر أيضاً الأستاذ عبد الحليم اللاوند ، الشاعر ، الذي طبق في مدرستنا مدة شهر واحد قبل تخرجه في دار المعلمين العالية .
كانوا مدرسين رائعين ، على درجة عالية من الكفاءة المهنية والرصانة الأخلاقية ، وكانوا متنورين ، متفتحين ، متفانين في أداء رسالتهم التعليمية والتربوية ، يؤدونها عن إيمان بها وإخلاص لها ، فهم لا يقصرون ولا يتقاعسون ، وكانوا إذا ما وجدوا في أحدنا موهبة رعوه وشجعوه ووجهوه وتبسطوا معه في الحديث . وكنت أبتهج وأكاد أضحك وأنا أسمع القرغولي وهو يردد لازمته الشهيرة في المدرسة ( زين بابا  .. زين ) حين يشعر بالرضا ، وكنت أشفق على البياتي ، ذي الجسد الضامر النحيل ، وأنا أرى شفتيه تتيبسان لشدة ما يبذل من جهد في شرح دروسه .
لم أنسهم قط ، بل بقيت أتذكرهم ، وأشعر نحوهم بالامتنان ، فهم علموني قواعد اللغة ، ومهدوا لي الطريق لأكون ما أنا عليه ، وإن أنس فلا أنسى تشجيعهم لي ورسائلهم في توجيهي ، وخاصة رسائل الأستاذين البياتي والبشير .
في يوم من أيام 1987 ، كنت في مكتبي في جريدة الجمهورية حين اتصل بي موظف الاستعلامات وأبلغني بأن رجلاً يدعى مظفر بشير يريد زيارتي ، فتذكرت في اللحظة الرجل الذي ما عدت رأيته منذ تسعة وعشرين عاماً ، وطلبت من موظف الاستعلامات أن يصحبه فوراً إلى مكتبي .
كان هو ، أستاذي المبجل نفسه ، مظفر بشير ، فهببت لاستقباله والترحيب به . وبعد حديث جميل تبادلناه عن الماضي وذكرياته ، والحاضر ومتاعبه ، قال :
_ أتدري لم زرتك اليوم ؟
_ لا والله يا أستاذي !
_ زرتك لأقدم لك هذه الهدية !
قالها وهو يمد إلي يده بدفتر قديم ..
_ هذا دفترك الذي كنت تكتب فيه مواضيع الإنشاء التي أكلفكم بكتابتها .
وتذكرت . تذكرت أنه أخذ هذا الدفتر مني في نهاية السنة الدراسية 1957 – 1958 ، وهي السنة التي أنهيت فيها دراستي الثانوية ، وأخذ معه دفتر زميلي الراحل القاص موفق خضر ، على سبيل الاعتزاز بتلاميذه النابهين .
ترى كم يوجد اليوم من أمثال هؤلاء المدرسين ؟!


ذكريات ( 10 )
القراءات الأولى
لم يكن في بيتنا مكتبة ، وما كان فيها من كتاب سوى القرآن ، ولذا كان علي أن أنشيء مكتبتي بنفسي وأختار بنفسي الكتب التي أقتنيها وأقرأها . هذا ما قلته في إحدى الذكريات .
وأقول الآن : إنني لم يكن لي من دليل في البداية سوى ما ينشر من إعلانات وأخبار ومقالات نقدية عن الكتب ومؤلفيها في مجلة الآداب . ولكن لم تمض سوى شهور على معرفتي بهذه المجلة ، حتى صرت أتابع مجلات أخرى ( عربية وعراقية ) وأحرص على اقتنائها . وكان ما يصدر من مجلات وكتب في القاهرة وبيروت ودمشق ، في تلك الحقبة ، أعني الحقبة الممتدة من عام 1953 حتى عام 1958 ، كان يوزع في بغداد بعد مدة وجيزة جداً من صدوره . وبذلك اتسع أفقي وتعددت اختياراتي وتنوعت قراءاتي . وحين أراجع اليوم ما كنت اخترت واقتنيت أجد أنني لم أخفق فيه إلا نادراً ، بل نادراً جداً .
قرأت الكثير خلال تلك الحقبة ( 1953 – 1958 ) . كنت أقرأ يومياً عدداً من الساعات المتصلة حتى لأجور أحياناً على واجباتي المدرسية . كانت القراءة تساعدني في أمرين : التخلص من الشعور بالوحدة داخل البيت ( كنتُ وحيدَ أبويّ ) واكتشاف ما لا أعرفه عن نفسي وعن العالم . كنت أشعر بالسعادة وأنا أكتشف وأتعلم فأزداد نهماً للقراءة ، حتى صرت أعزف عما يستهوي أقراني في المحلة من ألعاب كنت ألعبها معهم ، وتخليت شيئاً فشيئاً عن هواياتي القديمة الخاصة ( عن جمع الطوابع مثلاً ) عدا السباحة في دجلة صيفاً والنزهة عصر كل يوم على ظهر دراجة مستأجرة من دكان ( حسن البايسكلجي ) .
قرأت الكثير من الشعر والقصة والرواية والنقد والقليل القليل من المسرح . وتوقفت عند شعراء معينين ، وأعجبت ببعضهم وميّزتهم عمن سواهم : أحمد شوقي ، وعلي محمود طه ، ومحمود حسن إسماعيل ، من المصريين ، وإلياس أبي شبكة ، وسعيد عقل ، وبشارة الخوري ، وصلاح لبكي ، وفؤاد الخشن ، من اللبنانيين ، وبدوي الجبل ، وعمر أبي ريشة ، من السوريين ، والجواهري فقط من العراقيين . الآخرون الذين قرأتهم ، أو قرأت لهم ما تيسر لي من أشعارهم ، لم يعجبوني . فمثلاً لم يعجبني الرصافي ، ولا الزهاوي ، ولا الشرقي ، ولا الشبيبي ، ولا النجفي . ربما استحسنت لهم هذه القصيدة أو تلك من قصائدهم ، ولكنني لم أعجب بهم ، وبدا لي في الحقبة اللاحقة أنهم شعراء إحيائيون ، شأنهم شأن محمود سامي البارودي ، بغض النظر عن ادعاءات الزهاوي وغيره .
قرأت أيضاً الكثير من الأدب المهجري ، ولكنني لم أتوقف إلا عند إيليا أبي ماضي ، وميخائيل نعيمة ، ونسيب عريضة ، وفوزي المعلوف . أما جبران خليل جبران فقرأت أغلب مؤلفاته ، غير أنني لم أجد عنده ما يجتذبني ، بما في ذلك كتابه : النبي ، ولم يغير وجهة نظري فيه ما قيل ويقال عن مكانته الأدبية وعن دوره التحديثي .
وقرأت في ما قرأت أغلب مسرحيات أحمد شوقي وتوفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير ، والعراقي محمد الهاشمي . وتابعت بحرص ما كان ينشر فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري وشاكر خصباك من القصص . وقرأت من أعمال نجيب محفوظ روايتيه : بداية ونهاية والقاهرة الجديدة ، كما قرأت مجموعة يوسف إدريس : أرخص ليالي وبعض قصص محمود تيمور ويوسف الشاروني ، وبعض روايات إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله ، على ما لي من رأي سلبي في أدبهما .
 أما على صعيد المؤلفات الفكرية والكتابات النقدية فقد غلب على قراءاتي التنوع في الأفكار والاتجاهات والمواقف ، وأهم ما قرأته إبان تلك الحقبة : أغلب أعمال طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد أمين ، وقرأت بتفاوت لكتاب آخرين أهمهم : أحمد حسن الزيات وعلي أدهم وأمين الخولي ومصطفى الرافعي ومحمد مندور وعائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطيء ) ومحمود شاكر ومحمد عبده وسلامة موسى والكواكبي والمودودي والقصيمي وحسن البنّا وسيد قطب وزكريا إبراهيم وجورج حنا وعلي الوردي ومحمد مهدي البصير وروفائيل بطي ونهاد التكرلي ، وبعض ما كانت تنشره دار المعارف في مصر ، ودار العلم للملايين ودار المكشوف ودار الحكمة في لبنان ، ودار اليقظة العربية في سورية ، لغير من ذكرت ، وكذلك الكثير مما كان يصدر في سلاسل أدبية في القاهرة مثل : إقرأ ، وكتابي ، والكتاب الذهبي ، والكتاب الفضي ، وكتب للجميع ، وغيرها . وعدا ذلك قرأت الكثير من الروايات البوليسية ، وخاصة روايات أغاثا كريستي ، وأغلب ما ترجم إلى العربية من مؤلفات سارتر وألبير كامو ، وقادني ما قرأت لهذين إلى قراءة ما وجدت لغيرهما من الفلاسفة والأدباء الوجوديين .
وبعد هذا كله أعترف بأن معرفتي بالتراث العربي في تلك الحقبة لم تكن تتجاوز حدود ما جاء في كتابات من ذكرت ، ولم أقرأ من الأدب العالمي ، وخاصة الشعر ، إلا ما وجدته مترجماً ومنشوراً في كتب أو مجلات . وأعترف أيضاً بأنني سحرت بلغة طه حسين وخاصة لغته في كتابه : الفتنة الكبرى ، وتأثرت كثيراً بما قرأت من الأدب الوجودي وعنه ، وشغفت بالقصص والروايات الروسية : جيخوف وترغينف وتولستوي وغوركي ، ولكنني لم أقرأ دستييفسكي قراءة كاملة إلا بعد أن قام سامي الدروبي بترجمتها . وأضيف إلى اعترافاتي أنني وجدت في نفسي منذ وقت مبكر عزوفاً كبيراً عن كل أدب فيه ميوعة عاطفية من قبيل رواية : آلام فيرتر وأشباهها من القصص والروايات العربية كمؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي وعبد الحليم عبد الله ، وللسبب نفسه عزفت نفسي عن الكثير من شعر تلك الحقبة .
لا أدري كم كان في ميولي تلك من الموضوعية والاتزان أو المزاجية والاعتباطية ، ولكن هذا ما كان .



ذكريات (11 )
عن الشعر الحر
قلت في إحدى الذكريات السابقة : إن أول قصيدة كتبتها كانت قصيدة عمودية ، خرجت مني وهي منظومة تلقائياً على  البحر السريع ، وكانت رائية ، موحدة القافية ، تجاوز عدد أبياتها الثلاثين بيتاً ، أخبرني مدرس اللغة العربية الأستاذ عباس علي القرغولي بأنها خالية من أي خطأ نحوي أو عروضي ، ولكن ما لم اقله : إنه نصحني يومها بتعلم الأوزان الشعرية ، وأشار علي باقتناء كتاب : ميزان الذهب في صناعة شعر العرب لهذا الغرض ، وهو ما فعلته دون تردد ، ورحت أدرس فيه بحور الشعر وأتعلم منه بصبر ، دونما مشرف أو دليل .
كان ذلك عام 1954 ، ولم يكن عمري يزيد عن أربعة عشر عاماً ، فتعلمت من هذا الكتاب ما تعلمت ، وتطورت معرفتي بالأوزان بمرور الأيام والأعوام ، ورحت أكتب مقطعات شعرية وقصائد لا يزيد عدد أبياتها عن عشرين بيتاً ، وأنشر بعضها في صحف ومجلات عراقية وعربية . غير أنني انحزت منذ البداية إلى حركة الشعر الحر ، وإلى الشعر الحر ، متأثراً بما كنت أقرؤه من هذا الشعر ، ومن المناقشات التي تدور حوله ، في المجلات ، وخاصة مجلة الآداب ومجلة الأديب ، وكتبت يومها عدداً من القصائد الحرة ، ونشرت بعض ما كتبت هنا أو هناك .
وفي الوقت نفسه رحت أتابع بشغف ما ينشر رواد هذه الحركة من القصائد في هاتين المجلتين ، وأقتني ما يصدر من دواوينهم ودواوين زملائهم العرب ، وكذلك دواوين من تأثروا بهم ، وفي مقدمتها جميعاً دواوين : شظايا ورماد لنازك الملائكة ، وأساطير لبدر شاكر السياب ، وأغاني المدينة الميتة لبلند الحيدري ، وأباريق مهشمة لعبد الوهاب البياتي . وقد احتل كل ديوان من هذه الدواوين منزلة ما عندي ، ولكنني فضلت عليها جميعاً ديوان الأخير ، أعني أباريق البياتي ، حتى قمت بتجليده بجلد سميك لدى بائع للقرطاسية يدعى  ( ذيبان الغبّان ) وصرت أصحبه معي حيثما ذهبت . ومن أكثر ما أعجبني في هذا الديوان قصائد : الملجأ العشرون ، وريح الجنوب ، والأفّاق ، وذكريات الطفولة ،  والظلال الهائمة ، حتى لقد حفظت بعضها .
لم أنحز اعتباطاً لهذا الديوان ( الذي صدر في مطلع عام 1954 ونشر الكثير من قصائده في مجلة الأديب خلال الأعوام 1951 – 1953 ) ، بل انحزت إليه بدافع من شعور كان يخامرني ، شعور لا يخلو من بعض الوعي ، بأن شعره جديد / حديث حقاً ، شعر مختلف عن غيره ، مختلف حتى عن شعر نازك وبدر وبلند ويتفوق عليه . وكان هذا الشعور هو الأساس الذي انطلقت منه دراستي المطولة عنه بعد أكثر من نصف قرن على صدوره ، وهي إحدى الدراسات التي ضمها كتابي الجديد المنتظر : في الطريق إلى الحداثة .
لا أبالغ إذا قلت : إنني صرت يومها من غلاة الداعين المتعصبين للشعر الحر ، ودخلت مع زملائي في ثانوية الكرخ ، وخاصة إبراهيم الزبيدي وعدنان خير الله ، في مساجلات مطولة حول هذا الشعر ومستقبله ، وكان يؤيدني بحماسة زميل آخر هو المرحوم الشاعر مثنى حمدان العزاوي ، الذي كان يكتب الشعر الحر أيضاً وكانت لديه نسخة خاصة من ديوان ( الأباريق ) مهداة ( بتوقيع البياتي ) إلى أخيه حاتم . ( رأيتها بعيني ) .
بل بلغت بي حماستي لهذا الشعر حد التصدي لمن يهاجمونه في الصحف والمجلات بغض النظر عن أعمارهم ومنزلاتهم الأدبية . ومن ذلك مقال كتبته في الرد على كاتب كانت له صولاته الأدبية في صحافة تلك الحقبة هو : المرحوم مهدي القزاز . فقد حمل الرجل على ديوان نازك الملائكة ( قرارة الموجة ) الذي صدر في حينها ، وشملت حملته الشعر الحر ، فقال في ما قال ( إن الشعر  الحر لا حياة فيه ولا روح ) وإنه ( بلا موسيقى ) ، فحاولت تفنيد أقواله هذه ، والكشف عن مزايا الشعر الحر وصلته بعصرنا وواقعنا ، وعما حققته القصيدة الحرة من وحدة عضوية افتقر إليها شعرنا الموروث ، ثم أوضحت ما في هذه القصيدة من وزن ، ومن موسيقى تجاهلها القزاز ، وختمت مقالي بأن نازك إن أخفقت في قصيدة فهذا لا يعني أنها أخفقت في جميع قصائدها ، وهي إن أخفقت في جميع قصائدها فإن إخفاقها هذا لا يحسب على الشعر الحر ، بل عليها وحدها .
نشر مقالي في مجلة الأسبوع ( الملحق الأسبوعي لجريدة الشعب ) العدد : 2869 الصادر في 29 / 6 / 1957 وهي المجلة التي نشرت مقال القزاز ، وكنت يومئذ ما أزال طالباً في الصف الرابع الثانوي .



ذكريات (12)
ما أنا بناقد !
لي في حقل الدراسات الأدبية والنقدية عشرة كتب منشورة ، وثمة كتابان قيد النشر ، وآخران يبحثان عن فرصة ، ولكنني ، رغم ذلك ، لا أعدّ نفسي ناقداً ، ولا أحب أن أحسب في النقاد ، لأنني مجرد شاعر صاحب أفكار وآراء في الشعر والقصة والرواية والنقد والمناهج النقدية يحب أن يجهر بأفكاره وآرائه ويضعها موضع الاختبار ، لتكون له مشاركة إيجابية في الحياة الثقافية التي يعدّ نفسه لولباً من لوالبها . لذلك يفاجئني أن يصفني أحد بأنني ناقد ، فأجفل وأنكمش ، وأشعر بالارتباك كما لو أنني اقترفت شيئاً محرجاً على مرأى من الناس .
أول من وصفني بهذه الصفة هو الصديق الناقد الفلسطيني فخري صالح ، عندما بدأت أنشر ، قبل سنوات ، دراسات ومقالات أدبية ، في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الأردنية ، أيام كان مديراً للقسم الثقافي في هذه الجريدة ، فحرت كيف أتصرف . فكرت بالكتابة إليه ولكنني ترددت فلم أفعل ، ثم تقبلت الأمر بعد تكراره وكأنني استمرأته . وحين فعل الشيء نفسه الشاعر الأردني الأستاذ أمجد ناصر ، المشرف على ثقافية صحيفة القدس العربي التي تصدر في لندن ، هان الأمر وتقبلته تقبل الأمر الواقع . وشيئاً فشيئاً بدأ آخرون يطلقون علي هذه الصفة حتى رضخت ، وأنا غير راض في قرارة نفسي .
بدأت أدلي بآرائي وأفكاري حول الشعر والشعراء منذ أواسط عام 1957 . كنت في عامي السابع عشر ، وكنت قد قرأت العديد من الكتب ، والكثير من المقالات ، التي تتناول الشعر وجمالياته ، والشعراء ومنجزاتهم ، ولي عدا ذلك مزاجي وذوقي ، فصار لي ، في ضوء هذا وذاك ، أفكار ورؤى ومعايير ، وتفتحت حواسي النقدية ،  ومن يومها صرت أنظر إلى كل ما أقرأ من أدب وفكر ، وكل ما أرى وأسمع من فن ، نظرة نقدية ، ثم بلغت بي الجرأة حدّ أن أخذت أدون أفكاري وآرائي ، وأصوغها في مقالات وأنشرها في مجلات ذلك الزمان .
عام 1957 كان الجدل ما يزال يدور حول الشعر الحر ، وكان هناك من ينكر عليه أن يكون شعراً ، فأسهمت في هذا الجدل بمقال قصير نشر في مجلة الأسبوع ( ملحق جريدة الشعب ) كما بيّنت في ذكرى سابقة . وصادف في ذلك العام أن أصدرت نازك الملائكة ديوانها ( قرارة الموجة ) فكتبت عنه خلال العطلة الصيفية مقالاً أرسلته بالبريد إلى زميلي وصديقي القاص موفق خضر فلم يتسنّ لي نشره في حينه . ونشر بلند الحيدري ديوانه ( أغاني المدينة الميتة وقصائد أخرى ) فكتبت عنه مقالاً نشرته مجلة الورود اللبنانية ( أيلول / 1957 ) . وقد كشفت في هذا المقال عن مدى تأثير قصيدة الشاعر ت. س. إليوت ( أغنية العاشق بروفروك ) في قصيدة بلند ( كبرياء ) المنشورة في نهاية ديوانه . ونشر أدونيس ( الذي لم يكن قد عرف واشتهر بعد ) قصيدته ( البعث والرماد ) فكتبت عنها مقالاً نشر في المجلة التي نشرت فيها القصيدة ، وهي مجلة ( المجلة ) في الأرجح ، وأوضحت في هذا المقال مدى تأثر أدونيس بطريقة السياب في استخدام الأسطورة في بناء القصيدة ، فهي ، كما رأيت ، محض قصيدة سيابية . وكان مما كتبته في ذلك العام مقال بعنوان ( الكلمة في الشعر ) نشرته ( المجلة ) نفسها في تموز من ذلك العام .
وما زلت حتى اليوم أكتب الدراسات والمقالات الأدبية والنقدية ، وأجد متعة في كتابتها وإن قل نشاطي في هذا الحقل . وأعرف أن الأكاديميين لا يرتاحون لما يكتب الشعراء من نقود ، وأعرف أن النقاد المحترفين يعدون نقود الشعراء هوامش على متونهم الشعرية ، وأنا نفسي لا أعد نفسي ناقداً ، ولا أطمح إلى أن أحسب في عداد النقاد ، ولكنني ماض في سبيلي ، وها هو الزمن يمر ، والعمر يتآكل ، والصحة تتراجع ، والله المستعان .


ذكريات (13)
في الوسط الأدبي
لم تنشأ لي صلة مباشرة بالوسط الأدبي حتى عام 1957 . كنت أتابع أخبار هذا الوسط ونشاطاته من خلال ما ينشر في الصحف والمجلات ، فعرفت أسماء كثيرة ، وتعرفت على نتاجاتها الأدبية ، ومنزلاتها ، ولكنني لم أعرف أي أديب معرفة مباشرة ، عدا من ذكرت من زملائي في ثانوية الكرخ : موفق خضر ، وسامي حنا ، وعبد الأمير الأعسم ، ومثنى حمدان ، وهم مثلي : أدباء ناشئون ، لا أكثر .
صلتي المباشرة بالوسط الأدبي بدأت في ذلك العام ، واقتصرت على مجموعة أخرى صغيرة من الأدباء الناشئين ، فيهم من يكتب الشعر ، ومن يكتب القصة ، ومن يكتب المقالة ، وكان صاحب الفضل في تحقيق هذه الصلة صديقي القاص والروائي الراحل : موفق خضر . فهو من طالبني بالخروج من ( قوقعتي ) وألح علي حتى استجبت ، فذهبت معه إلى مقهى يقع في منطقة حافظ القاضي كان يلتقي فيه بمجموعة من أصدقائه الأدباء مساء كل يوم جمعة .
كانت هذه المجموعة تتكون من : القصاصين غازي العبادي وخضير عبد الأمير وباسم عبد الحميد حمودي ، والشعراء سلمان الجبوري وعبد اللطيف إطيمش وجواد البدري وصلاح نيازي ، وهاويي الكتابة : أسعد محمد جعفر وحامد طالب ، وهم جميعاً بين طالب جامعي أو ثانوي أوموظف صغير ، وكلهم كان في بداية حياته الأدبية ، لم ينشر له من نتاجه سوى مادتين أو ثلاث ، ولكن الشاعر صلاح نيازي كان أكثرهم رسوخاً وأقلهم حضوراً في لقاءاتهم الدورية الأسبوعية .
ويبدو أن الراحل العزيز موفق كان يحدث أفراد المجموعة عني ، فرحبوا بي حين التحقت بهم أحسن ترحيب . كانوا جميعاً ، بمن فيهم موفق ، يكبرونني بعام أو عامين أو ثلاثة ، ولكنني لم أجد بينهم غير الألفة والمحبة . وكانت أحاديثنا في اللقاءات تدور حول الأدب والإصدارات الجديدة ، والصفحات الثقافية في الصحف والمجلات ومحرريها وما ينشرونه فيها ، وكان كل منهم يتابع ما ينشر له وللآخرين ، فإن وجد لأحدهم شيئاً في صحيفة أو مجلة اشترى له نسخة منها ، وكان أكثرنا دأباً وحرصاً على ذلك الشاعر الراحل سلمان الجبوري . وكان الشعراء منا ممن يكتبون الشعر الحر ، عدا جواد البدري ، وكان القصاصون من المعجبين بأدب نجيب محفوظ وقصص عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ، وكنا جميعاً من المؤمنين بضرورة تحديث الأدب ، ولكننا كنا مختلفين حول استخدام العامية في كتابة القصة .
كان لقائي بهذه المجموعة مفيداً لي على أكثر من صعيد ، فقد أكسبني أصدقاء اتسع بهم أفقي ، وأتاح لي أن أختبر نفسي بوجودي بينهم ، فاتضح لي مكاني وحدوده ، وعرفت الكثير مما لم أكن أعرفه عن الأدباء والحياة الأدبية ، وعن النشر وعالمه ، وبقي بعضهم صديقاً لي حتى رحل عن عالمنا ، وبعضهم ما يزال صديقي حتى اليوم ، وهذا ما جعلني في ما بعد أحرص على أن تكون صلتي بالوسط الأدبي مباشرة وحية ودائمة .
بعد ثورة 14 تموز 1958 بمدة قليلة اقترح الشاعر سلمان الجبوري علينا إصدار مجموعة شعرية مشتركة ، وتولى هو بنفسه جمع القصائد ومتابعة طبعها في كتاب لم يصدر إلا بعد شهور . ولست أعرف كم كانت تكاليف طبع هذه المجموعة ولا كيف سددت ، ولكنني لم أتحمل منها فلساً واحداً . كان عنوانها ( كلمات طيبة ) والشعراء الذين شاركوا فيها هم كل من : جواد البدري ، وسامي مهدي ، وسلمان الجبوري ، وصلاح نيازي ، وعبد اللطيف إطيمش ، ومحمود الريفي .
صدرت المجموعة في أواخر عام 1958 ، بعد أن فرقتنا السياسة بين شيوعيين وقوميين ومستقلين ، وعصفت بما كان بيننا من تآلف جميل . وقد كان لي فيها ثلاث قصائد من الشعر الحر ، أفسد الرقيب اثنتين منها بحذف ما خشي أن يفسر بأنه تعريض بالجيش ، حذف أشطراً كاملة منهما وأجزاء من أشطر وشوّههما أيما تشويه . وما زلت أستغرب حتى اليوم كيف رضي سلمان بذلك ، وكيف تقبّل إبقاء القصيدتين في المجموعة  دون علمي وموافقتي ، وهو الإنسان الحساس الودود .
يؤسفني أن أعترف اليوم بأنني لا أعتد بهذه المجموعة ، ولا بقصائدي التي نشرت فيها ، وأتجنب ذكرها في قائمة إصداراتي ومشاركاتي ، ولا أتحدث عنها إلا إذا سئلت ، أو كانت هناك ضرورة أدبية  للحديث .



ذكريات (14)
الاقتصاد بدلاً من الأدب
أحياناً تلعب المصادفة دورأ مصيرياً في حياة الإنسان . أما أنا فتبدو لي حياتي وكأنها سلسلة من المصادفات ، وهذه واحدة منها .
كان عام 1958 عام تحول ليس في حياة العراق فقط ، بل في حياتي أنا كلها . فهو العام الذي وقعت فيه ثورة 14 تموز ، وكذلك هو العام الذي أنهيت فيه دراستي الثانوية ، ودخلت كلية الآداب .
في الواقع لم أكن أفكر بدخول هذه الكلية ، بل فكرت بدخول دار المعلمين العالية ، والدراسة في قسم اللغة العربية ، مأخوذاً بشهرة هذه الدار التي تخرج فيها كبار شعرائنا المحدثين . غير أن طالباً من طلاب الآداب ، كان يدرس معنا في مقهى البيروتي الشهير في الكرخ ، نصحني بدخولها ودراسة علم الاقتصاد فيها .
كان اسم هذا الطالب محمد الهاشمي ، وكان هو نفسه  قد أنهى سنته الدراسية الأولى في قسم الاقتصاد في هذه الكلية ، ولم يكن لقائي به في المقهى وحديثي معه إلا محض مصادفة ، ولكنها مصادفة غيرت مجرى حياتي كلها .
قال لي : ماذا تنتظر من الدراسة في قسم اللغة العربية غير أن تصبح من مدرسيها في إحدى المدارس الثانوية ، سواء أدخلت دار المعلمين أم غيرها ؟ أتروقك مهنة التدريس ؟ لم لا تدخل كلية الآداب وتدرس فيها علم الاقتصاد مثلي ، وهو من علوم المستقبل ؟
حين فكرت بما قاله محمد وجدته معقولاً جداً ، فأنا لا تروقني مهنة التدريس على جلالها وقيمتها الأخلاقية الرفيعة ، وحديثه عن الاقتصاد بوصفه من علوم المستقبل ألهب خيالي ، خاصة ونحن درسنا أوليات هذا العلم في الثانوية ، وكنت يومها من محبيه ، ومن المعجبين بمدرسه الأستاذ صبري محمد حسن .
المهم أنني اقتنعت بنصيحة محمد الهاشمي فقدمت طلبي إلى كلية الآداب ، وحددت في استمارة القبول قسم الاقتصاد ، فقبلت في هذا القسم ، وفيه تخرجت عام 1962 . وبرغم أنني لم أزاول بعد تخرجي عملاً يتصل بهذا العلم ، بل جرفتني الصحافة ، لم أندم قط على الدراسة فيه . فقد فتحت لي آفاقاً فكرية وثقافية رحبة ، وجذبتني إلى ارتياد حقول معرفية عدة لولاها ما كنت لأرتادها في ذلك الزمن المبكر من حياتي . جذبتني إلى الفكر والفلسفة والتاريخ والنظريات الاقتصادية والتاريخ الاقتصادي وغيرها . فقد كنا ندرس في هذا القسم الاقتصاد النظري ، بخلاف طلاب كلية التجارة ، وكان أساتذتنا بين مؤيد للاقتصاد الرأسمالي ، كالدكتور عبد الرحمن الحبيب ، ومؤيد للاقتصاد الاشتراكي ، كالدكتور خزعل البيرماني ، وكان كل منهم يزين لنا على طريقته ما يؤيده ، في حقبة اشتد فيها الصراع السياسي والفكري في البلاد وفي أغلب الأقطار العربية .
قرأت في تلك الحقبة لكل من يخطر في الذهن من أعلام الفكر الاشتراكي من كل الشعوب ، وأعلام الفكر القومي على اختلاف اتجاهاتهم السياسية ، وكل ما وقع بين يدي من مؤلفات عن تاريخ العراق وتاريخ العرب قبل الإسلام ، وعن الفلسفة اليونانية والفلسفة الوجودية ، دون أن أنقطع عن القراءات الأدبية في الشعر والقصة والنقد . وأظن أن هذه القراءات مكنتني من مواكبة تلك الحقبة وتفهم أحداثها والصراعات التي دارت خلالها ، وجعلتني أقدر في التعرف على طبيعة عصرنا وصراعاته السياسية والآيديولوجية ، وكان لابد لهذا من أن يؤثر في تكويني الثقافي وفي اختياراتي .
محمد الهاشمي أحدث دون أن يدري تحولاً عميقاً في حياتي ، رغم أن علاقتي به ظلت فاترة وعابرة ، ولم أره منذ أن أنهى دراسته في الكلية حتى اليوم ، ولست أعرف في أي أرض هو الآن ، ولا ماذا يعمل ، أو كيف يعيش .

ذكريات ( 15 )
شعر باللغة الإنكليزية
كانت لغتي الإنكليزية ممتازة منذ البداية . تعلمتها على أيدي أساتذة كفوئين . في الفيصلية الابتدائية التي قضيت فيها عاماً دراسياً واحداً علمونا هذه اللغة منذ الصف الرابع . كان الأستاذ إبراهيم ( نايلون ) يعلمنا إياها في ساحة المدرسة وكأننا نمارس لعبة من الألعاب .
الأستاذ نديم ، مدرسنا في المتوسطة ، كان ضيق الصدر ، سريع الغضب ، ولكنه كان قديراً ، وكان أول من التفت إلي وشجعني على تعلم هذه اللغة ، وأهداني في نهاية العام الثاني من دراستنا نسخة مبسطة من رواية مارك توين الشهيرة ( توم سوير ) .
ولكن ألمع من درسنا الإنكليزية وأكفأهم أستاذ أنيق ، هاديء ، ودود ، هو : بديل حَمّو . درّسنا في ثانوية الكرخ . ولما رأى مني حرصاً ودأباً على تعلمها راح يتابعني ، وأهداني نسخة من مسرحية ( تاجر البندقية ) ونصحني بأن أقرا ما أستطيع من مسرحيات شكسبير وبرنارد شو ، وقال لي : اقرأ هذه المسرحيات ولا تبال بالصعوبات التي تواجهك ، فقراءة مسرح قوم من الأقوام من أفضل السبل لتعلم لغتهم . وبناء على نصيحته اشتريت من مكتبة مكنزي مسرحيتين أخريين من مسرحيات شكسبير هما : حلم ليلة صيف ، والملك لير ، ثم اشتريت مسرحية ثالثة هي مسرحية برناردشو : بيغماليون . وعملت بهذه النصيحة حين تعلمت اللغة الفرنسية بعد عقدين من الزمان . 
والأستاذ حمّو هو من أخبرني بأن في أورزدي باك ( وهو أول " مول " حقيقي عرفه العراق ) جناحاً صغيراً لبيع الكتب ، وأن هذا الجناح يعرض كتباً ومجلات وصحفاً إنكليزية في وسعي أن أقتني منها ما أشاء . ومنذ ذلك الحين أخذت أقوم بجولات أسبوعية راجلة في شارع الرشيد تأخذني إلى مكتبة مكنزي ، ثم إلى أورزدي باك ، وتنتهي بفنجان قهوة في المقهى البرازيلي أحتسيه وأنا أتلفت من حولي بحثاً عن وجوه أدباء كبار قيل لي إنهم من رواده . وبقيت هذه الجولة عادة من عاداتي حتى أوائل السبيعينيات .
حين أنهيت دراستي الثانوية ودخلت كلية الآداب كان اثنان من أساتذتنا من الإنكليز هما : السيد بنروز Pinrose والسيد هينز Hainze . كان الأول يدرسنا التاريخ الإقتصادي ، وكان الثاني يدرسنا اللغة الإنكليزية . وكان كلاهما يلقي دروسه ويمتحننا فيها بهذه اللغة ، وكانت هي لغة كل مراجعنا في الدروس الأخرى ، وخاصة دروس الدكتور عبد الرحمن الحبيب ،  ولم أجد في ذلك أية صعوبة ، بل صرت أقرأ وأكتب بهذه اللغة بيسر وطلاقة . وهذا ما شجعني على خوض مغامرة غير محسوبة ، فكتبت إحدى عشرة قصيدة باللغة الإنكليزية .
كتبتها خلال العام الدراسي 1958 – 1959 وكانت أولاها قصيدة تحيي جمال عبد الناصر دون أن تصرح باسمه ، عنوانها : Our generous father . كتبتها بعد أن قرأت لعبد الوهاب البياتي قصيدة يحيي فيها هذا الرجل في ديوانه ( المجد للأطفال والزيتون ) . كتبت قصيدتي وقهقهت ، وقلت للبياتي في سري : ها أنا اكتب قصيدة عن عبد الناصر خيراً من قصيدتك !
كان ذلك غروراً مني دون ريب ، ولكن هذا ما كان . وحين عرضت قصائدي الإحدى عشرة على مستر هينز أعجب بها حد الدهشة ، وكتب لي عنها رسالة إعجاب طويلة ، حتى أنني لم أصدق أن قصائدي كانت من الجودة والإدهاش بالمستوى الذي تحدث عنه في رسالته .
ولكن المفارقة الكبيرة هي أنني كنت قد توقفت تماماً عن كتابة الشعر باللغة العربية في تلك الحقبة ، ولم تكن كتابتي الشعر باللغة الإنكليزية إلا مغامرة ، أو نزوة ، عابرة .


ذكريات (16)

كيف حصل ما حصل ؟

    لا أعرف كيف حصل ما حصل . لا أعرف لم توقفت عن كتابة الشعر بعد دخولي كلية الآداب بشهور . وكل مسعى مني لمعرفة سبب هذا التوقف اليوم ليس سوى محاولة متأخرة للبحث عن تفسير أقنع به نفسي قبل أن أقنع غيري .

    لماذا توقفت ؟ أهي الانشغالات الدراسية الجديدة في شكلها ومحتواها ، أم الاستغراق في قراءة الكتب الفكرية والتاريخية والفلسفية ، أم الأجواء السياسية الخانقة التي سادت في تلك الحقبة والشعور بلا جدوى الكتابة الشعرية في تلك الأجواء ؟  ربما كل ذلك معاً ، وربما كانت هناك دوافع غامضة أخرى ، ولكن الحقيقة الثابتة هي أنني توقفت عن كتابة الشعر في بداية عام 1959 ومزقت أغلب ما كنت كتبته ، ثم ألحقت به ما كنت كتبته باللغة الإنكليزية ، ورحت أكتب أشياء أخرى : دراسة مطولة عن المسألة الزراعية في الصين الشعبية مثلاً !

    أظن أن حلماً رومانسياً اسمه ( الثورة ) هو ما أخذني وشغلني عن الشعر ، حتى صرت أرى هذا الحلم أكبر من الشعر وأهم . هذا ما كنت أقوله لصديقي موفق خضر في الأقل . موفق كان هو الوحيد من يلومني على توقفي ويحثني على العودة إلى الكتابة ، إذ يومها لم يعد لي من صديق أديب سواه . زملاؤنا في الثانوية تفرقت بهم سبل الحياة ، والمجموعة الأدبية الصغيرة التي كنا ننتمي إليها فرقتها السياسة ، وموفق نفسه صار يلتقي في الكلية بمجموعة من طلبة قسم الاجتماع لا يجمعني بهم جامع . ولكنني صرت ألتقي به في أصائل بعض الأيام في محل كبير لبيع الكماليات افتتحه له أبوه في شارع قريب من منطقة سكناي .

    كان موفق يقول لي وهو محق : تستطيع أن تواصل حلمك هذا في الشعر نفسه ، ولكنني لم اقتنع بقوله . غير أنني ، وإن توقفت وانهمكت في القراءات الفكرية والفلسفية والتاريخية ، لم أترك الأدب والقراءات الأدبية ، وواصلت اقتناء الدواوين الشعرية ومتابعة المجلات الأدبية بانتظام ، ولاسيما مجلتا الآداب وشعر اللبنانيتان .

    في أية حال كان إصراري على التوقف قراراً ساذجاً ، وكان يجب أن تمر ست سنوات أو سبع لأكتشف سذاجته ، فقد تدفقت مني على غير ما توقع أو تحضير قصيدة هنأني عليها كل من قرأها من أصدقائي ، وحثني على مواصلة الكتابة ، فواصلتها وأنا فرح سعيد بعودتي إلى الشعر وعودته إلي ، وهذا هو المقطع الأول من تلك القصيدة :

    عدْ بنا ، عدْ بنا ، إن خبز القناعهْ

    كان سمّاً ، وكانت حكاياتنا في الشجاعهْ

    سكرةً وانتهت بالدوارْ ،

    ثمّ لمّا صحونا وجدنا الحقيقهْ

    خرقةً ملَّ منها شيوخُ الطريقهْ

    عندما جرّبوا بؤسَ هذي القفارْ .



    يا زمانَ الهوى ليس ثَمَّ انتظارْ

    أو بقايا شجاعهْ ،

    يا زمانَ الهوى ، أتعبتنا دروبُ الفرارْ

    واختنقنا من الخوفِ ، قئنا لبانَ الرضاعه .

    لم أشعر عند عودتي إلى كتابة الشعر بأن توقفي عنها كان خسارة ، بل كان ، على نحو ما ربحاً كبيراً ، ولعله كان توقفاً ضرورياَ ، فقد عدت إليها وأنا أكثر نضجاً وامتلاء وتدفقاً ، فلم يكد يمضي عام حتى أنجزت كتابة قصائد ديواني الأول : رماد الفجيعة ، وقمت بنشره .





ذكريات (17)

رماد الفجيعة

هذا هو عنوان مجموعتي الشعرية الأولى التي صدرت في منتصف عام 1966 ، ولكنني ندمت في ما بعد على صدورها بهذا العنوان . كنت أتمنى أن تصدر بعنوان آخر أجمل منه أو أفضل ، غير أنني تعجلت فندمت .

تضم المجموعة أربع عشرة قصيدة ، كتب كلها بين نيسان 1965 وحزيران 1966 ، و كان منها قصيدة طويلة عنوانها ( من سيرة أبي ذرّ الغفاري ) مرت من بين يدي الرقيب بعد أن أساء تأويل مقطع صغير من مقاطعها وطالبني بحذفه ، وهي ما كانت لتمر لولا تدخل المدير العام للثقافة يومذاك ، الشاعر طيب الذكر : خالد الشواف . فقد كان هذا الرجل النبيل متنوراً ، واسع الأفق ، رغم تدينه الأصيل وورعه ، فأجاز النص حالما اطلع عليه وعلى تأويله .

لكن الغريب أن أحد المشايخ كان سيطلع على النص نفسه مصادفة بعد عشرين عاماً ، فيؤوله كما شاء له فهمه الضيق ، ويهاجمني في خطبة من خطبه العصماء ، بلغت مسامع صديقي الشاعر عبد الرحمن طهمازي فجاء إلى مكتبي في جريدة الجمهورية صباح اليوم التالي فزعاً ، فحكيت له الحكاية ، وأخبرته كيف أن هذا الرجل لم يكتف بما قاله في خطبته ، بل كتب رسالة تحريض علي وطالب بمعاقبتي ، ولكن تأويله رفض وسفّه ومرّ الأمر بسلام . ومع ذلك اضطررت إلى رفع القصيدة من المجموعة عند نشر الجزء الأول من أعمالي الكاملة عام 1986 تجنباً للتقولات .

طبعت ( رماد الفجيعة ) على نفقتي الخاصة . يومها كنت مفصولاً من عملي لأسباب سياسية ، فدفعت تكاليف الطبع من قرض حصلت عليه أم نوار من مصرف الرافدين ، عندما كان هذا المصرف يقرض موظفي الدولة العاملين على الملاك الدائم مبالغ مالية يستردها بأقساط شهرية تستقطع من رواتبهم .

كانت ( رماد الفجيعة ) أول ، أو ثاني ، مجموعة شعرية يصدرها شاعر من شعراء الستينيات . ربما صدرت قبلها مجموعة الشاعر عمران القيسي ( الصمت لا يتعب الموتى ) . لا أذكر . ولكن صدور مجموعتي قوبل بحفاوة واسعة لم أتوقعها ، حفاوة لم تقتصر على أصدقائي المقربين ، بل شملت مساحة مهمة من الوسط الأدبي والثقافي ، فكُتِب عنها أكثر بكثير مما كُتِب عن غيرها ، حتى بلغ ما كُتِب ثماني عشرة دراسة ومقالة ، وكان أول من كتب عنها الشاعر الموصلي الراحل : سالم الخباز ، ثم تبعه آخرون ، نقاد وكتاب وشعراء أذكر منهم عبد الجبار داود البصري وموسى العبيدي وعيسى العيسى ورشدي العامل وقيس الياسري .

الشاعر فاضل العزاوي كتب عنها هو الآخر مقالاً في جريدة ( الثورة العربية ) ولكن ما كتبه لم يكن نقداً أدبياً بريئاً ، بل هجوم شخصي عدواني مباشر ، انطلق فيه من الإهداء الذي تصدّر المجموعة ليستخلص منه أخيراً أن شعري ( شعر نفعي ) . أما لماذا هو ( شعر نفعي ) فلأنني أهديت المجموعة إلى زوجتي ! يومها لم أكن أعرف العزاوي إلا بالاسم ، فلم أكن قد التقيت به ، ولم تكن بيني وبينه أية صلة من أي نوع ، وكان مقاله هجوماً على شخصي أكثر مما هو هجوم على شعري ، وهو ما أثار استغرابي ، وجعلني أحس بشيء من الإهانة ، فأخذتني حميّة الشباب وعنجهيته ورددت عليه التحية بأحسن منها !

المهم أن المجموعة نالت استحسان النقاد والكتاب والشعراء ، وراجت في السوق رواجاً جيداً ، واستعدت كل ما أنفقته على طبعها خلال أقل من أربعين يوماً .



ذكريات (18)

برعاية جواد سليم

في حوار مطول أجراه معي الشاعر الفلسطيني هشام عودة ، وصدر في كتاب عنوانه ( الكتابة بلا انقطاع ) سألني المحاور : ما مصادرك المعرفية الأولى عدا القراءة ؟ فأجبت دون تردد : هي الفنون التشكيلية .
كان الرسم من هواياتي الخاصة منذ أيام فتوّتي ، وعندي من تلك الحقبة رسوم مائية متواضعة تحتفظ بها ( أم نوار ) حنى اليوم . وقد دفعتني هذه الهواية إلى متابعة المعارض الفنية التي كانت تقام في بغداد أيام لم تكن فيها قاعات خاصة لهذه المعارض ، فكان بعضها يعرض في معهد الفنون الجميلة ، وبعضها في قاعات صغيرة ، مثل قاعة جمعية الفنانين ، وقاعة متحف الأزياء العسكرية ، وقاعة جمعية أصدقاء الشرق الأوسط ( وهي جمعية أمريكية مشبوهة الغايات ) ، وربما في بيت من البيوت مثل بيتي : محمد علي مظلوم والدكتور خالد القصاب .
شاهدت في هذه القاعات أعمال الفنانين العراقيين الذين برزوا في خمسينيات القرن العشرين ، وفي مقدمتهم أكرم شكري وعطا صبري وجواد سليم وفائق حسن ومحمد غني حكمت وخالد الرحال وحافظ الدروبي وشاكر حسن آل سعيد واسماعيل الشيخلي ومحمود صبري وعامة فناني جماعة بغداد للفن الحديث ، وجماعة الرواد ، وجماعة الفنانين الإنطباعيين . وبدافع من هوايتي هذه صرت أشتري من ( أورزدي باك ) خلال خمسينيات القرن وستينياته ما أجد من كتب فنية مصورة بقي عندي منها كتب عن : دي لاكروا ، ورامبرانت ، وغويا ، وفان غوغ ، وأخرى عن فنون ما قبل التاريخ ، والفن الإغريقي ، والفن الروماني ، وفن عصر النهضة ، والفن الكلاسيكي وغيرها . وبقيت في الحقب اللاحقة أتابع المعارض وأحرص على مشاهدتها كلما سمحت الظروف .
وخلال مدة إقامتي في باريس ( أكثر من ثلاث سنوات ) حرصت على زيارة المعارض الفنية المهمة ، لا سيما تلك التي كانت تقام في ( مركز جورج بومبيدو ) وسائر القاعات الفنية الكبرى . ومن أهم ما شاهدت هناك : معرض شامل لأعمال سلفادور دالي ( صحبتني في زيارته أم نوار ) ، وآخر مثله لأعمال بيكاسو زرته وحدي ، وثالث مثله لتخطيطاته ( زرته بصحبة الدكتور كاظم المقدادي أيام كان ما يزال طالباً هناك ) واطلعت على الكثير من الأعمال الأصلية لفناني العصر الحديث . واقترنت زيارة المعارض عندي بزيارة المتاحف ، فزرت كلاً من متحف اللوفر ومتحف الإنسان عدة مرات ، وزرت مرتين متحف النحات رودان ، فضلاً عن متاحف محلية وقصور وقلاع وشواخص أثرية في بعض المقاطعات الفرنسية .
وكنت إذا زرت بلداً وأتيحت لي زيارة متاحفه لا أكسل ولا أتردد . ومن أهم المتاحف التي حالفني الحظ في زيارتها : المتحف البريطاني في لندن ، ومتحف برلين( في برلين الشرقية ) ومتحف الأرميتاج في لينين غراد ( بطرس بيرغ ) ومتحف آخر في موسكو لا أذكر أسمه . ولكن من سوء الحظ أنني زرت القاهرة عدة مرات ولم تتيسر لي زيارة المتحف المصري العظيم . وقد يبدو مستغرباً لبعضهم إذا قلت اليوم : إن اهتمامي بالفنون التشكيلية قادني إلى الاهتمام قليلاً بفن العمارة وتحولات طرزه على مر العصور . والمهم أن الاهتمام بهذه الفنون وتذوقها والتفاعل معها والإلمام العام بتاريخها ومراحل تطورها أضاف إليّ معرفة ورؤى وأفكاراً ما كنت لأحصل عليها من كتب الأدب .
أول معرض فني زرته في حياتي كان معرضاً عراقياً ، معرضاً للراحل العظيم : جواد سليم . كان ذلك أواخر عام 1953 ولم يكن عمري يزيد عن ثلاثة عشر عاماً . كنت قد قرأت في مجلة ( الآداب ) مقالاً للفنان شاكر حسن آل سعيد عن عمل جواد النحتي المشهور ( السجين السياسي المجهول ) فعلق اسمه في ذاكرتي . ولما قرأت خبر إقامة معرضه في إحدى الصحف ( ربما جريدة الأهالي ) عزمت على زيارته بعد تردد . فقد أقيم المعرض في بيت ( وليس في قاعة ) هو بيت الفنان الدكتور خالد القصاب . وكان علي أولاً أن أستدل على مكان البيت ، وأن أختار عندئذ أفضل ما لدي من قمصان وسراويل ، وأكوي ما أختار كياً جيداً ، وأصبغ حذائي ، ثم أشحن نفسي بقدر من الشجاعة الأدبية حتى أزوره . وفعلت ، وذهبت وكأنني مدعو إلى حفل عظيم .
ولكن ما أن هممت بالدخول إلى حيث المعرض حتى باغتني رجل وهو يقول : إلى أين ؟ إلى أين يا ولد ؟ ماذا تريد ؟ قلت : زيارة المعرض . فقهقه وطلب مني الانصراف وهو يلوّح بيده . غير أن شاباً رقيقاً مهذباً ، قصيراً أو أميل إلى القصر ، استوقفني وهو يبتسم ويقول للرجل بتعجب : ماذا تفعل ؟ دعه يدخل .. دعه يرَ ويتعلم . ثم وضع يده على كتفي وأدخلني معه وهو يقول لي ضاحكاً : ها .. خو ما زعلت ؟ كان ذلك الشاب جواد سليم بنفسه !
استمتعت بزيارة المعرض ، وتجولت فيه قليلاً وأنا أتلفت بين اللوحات المعروضة ووجوه الزوار من الرجال والنساء ، ولكنني شعرت بالغربة بينهم . كانوا يبدو على كثير منهم علامات الثراء والترف ، وكان بينهم بعض الأجانب ، أما البقية فكانت من الفنانين والمثقفين ، كما أظن اليوم ، ولم يكن بينهم من هو في عمري أو قريب منه ، وكان علي أن أعود إلى بيتنا البعيد قبل أن يتقدم الليل ، فمكثت هناك نحو نصف ساعة ، ثم عدت وأنا أشعر بزهو عظيم ، وتصميم عال على زيارة المعارض الفنية كلما استطعت .
غير أن تلك كانت أول مرة أرى فيها جواد سليم بشخصه .. وآخر مرة .
ذكريات (19) كافيه لا تريوم كنت من رواد المقاهي المزمنين ، وكان ارتيادها لازمة من لوازم حياتي اليومية حيناً من الزمن ، وفقرة من فقرات برنامجي الأسبوعي حيناً آخر ، وأظنني لا أغالي إذا قلت : إنها أصبحت في ما بعد شأناً من شؤوني الشعرية . لا أعني هنا مقاهي الأدباء التي ترددت عليها في بغداد ، لا أعني مقاهي : البلدية ، والبرلمان ، وحسن عجمي ، والزهاوي ، وياسين ، والبيضاء ، وقد ترددت على كل منها حقبة من الزمن وكتبت عنها في كتابي : الموجة الصاخبة ، بل أعني مقاهي أخرى كنت أذهب إليها وحدي لأتابع حركة الحياة والناس : أرى ، وأسمع ، وأتأمل ، وأقرأ في بعض الأحيان ، وأكتب في أحيان أخرى . كنت أصادق السقاة في هذه المقاهي ، وأتابع الآتين والغادين ، وأراقب الباعة المتجولين ، وأتلصص على هذا أو ذاك من الناس بأدب وحذر ، وأتنصت بفضول ، ولكنني لا أتدخل في حديث إلا إذا بادرني أحد به ، وإن تدخلت فبلباقة وكياسة واقتضاب . وقد ألهمني هذا بالكثير الكثير من القصائد ، وكتبت العديد منها في حينها . وهكذا أصبح ارتياد المقاهي عادة من عاداتي ، ولازمتني هذه العادة حتى في أيام إقامتي في باريس ( 1977 – 1980 ) . ولم لا والمقاهي الباريسية أرقى من مقاهينا وأنظف وأزهى وأفضل في الخدمة ؟ غير أنني كنت أنأى بنفسي عن المقاهي التي يقبل عليها السياح كمقاهي الشانزلزيه ومونمارت ومونبرناس والأوديون ، وأختار تلك التي ترتادها عامة الباريسيين ، حتى عثرت ذات يوم من أيام عام 1978 على مقهاي الأثير . يقع هذا المقهى في أواسط الشارع الباريسي المعروف ( سان جيرمان دو بريه ) ويدعى ( كافيه لاتريوم ) . لا أعرف معنى كلمة ( لا تريوم ) هذه ، ولم أسأل أحداً عنها ، ولم أجد لها في المعاجم المتوفرة لدي أي أثر . ربما هي كلمة لاتينية ، وقد يعرفها واحد من أصدقائي ، لا أدري ، ولكن هذا ليس بالأمر المهم . كان المقهى صغيراً نسبياً ، يعمل فيها ساقيان يتناوبان ، وأصبح هذان الساقيان صديقيَّ بمرور الأيام ، وصار الحديث بيني وبينهما يجري بصيغة المفرد ، وبالأسماء المجردة ، تعبيراً عن الألفة ، ولكن الساقي ( ميشيل أوفروا ) كان أقرب إلى نفسي من صاحبه ( جاك بولان ) لأنه أكثر منه بشاشة ، وقد ذكرته ، أعني ميشيل ، في أكثر من قصيدة . بقيت أتردد على هذا المقهى نحو ثلاث سنوات ، كنت أذهب إليه مرة في الأسبوع في الأقل ، وقد كتبت فيه أكثر قصائد ديوانيّ ( الأسئلة ) و( الزوال ) . وبعض قصائد ديوان ( أوراق الزوال ) كانت من إلهاماته . وغالباً ما كنت أصحب إليه من يزور باريس من أصدقائي ومعارفي الشعراء : مرة اصطحبت خالد علي مصطفى مثلاً ، ومرة كمال سبتي ، ومرة الشاعر أدونيس . ولم أنقطع عنه حتى عودتي إلى بغداد ، وبعدها كنت أعود إليه بحنين لا يوصف كلما زرت باريس ، حتى اكتشفت في آخر زيارة لها أن ( عصر الزوال ) قد أدرك ( كافيه لاتريوم ) هو الآخر ، وحل محله معرض تجاري ، فحزنت كثيراً كما لو أنني فقدت بزواله صديقاً عزيزاً . كافيه لاتريوم من أهم ذكرياتي الباريسية ، وربما أهمها !
ذكريات (20 )

حين وقعت معلمتي في غرامي

وصلت باريس في السابع من نيسان عام 1977 ، وكان علي أن أتعلم اللغة الفرنسية في معهد من معاهد تعليم هذه اللغة في أقرب وقت ، فتعلمها كان واجباً رسمياً مطلوباً مني تنفيذه ، وكنت أنا نفسي على شغف بتعلمها ، وهذا ماكان . فبعد أيام قلائل التحقت بمعهد مختص بتعليم هذه اللغة للأجانب في مدينة فيشي يدعى كافيلام CAVILAM وهذه هي الحروف الأولى من اسمه الطويل .
كان الدوام في هذا المعهد يومياً ، يبدأ من الساعة التاسعة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً ، ومن الساعة الثانية بعد الظهر حتى الرابعة عصراً ، أي بمعدل خمس ساعات يومياً عدا أيام الآحاد . أما طلاب المعهد فكلهم من الأجانب : ذكور وإناث ، عرب وألمان وإسبان وأفارقة ولاتينيون ويابانيون وغيرهم وغيرهم . وكانت مدة الدورة ثلاثة أشهر يتقدم فيها الطالب من مستوى إلى آخر .
في الشهر الأول من التحاقي بهذا المعهد كنت الطالب الوحيد في صفي ، وكانت معلمتي شابة جميلة ممشوقة القوام اسمها " كريستين بونفوا " . وكانت بونفوا هذه قد جاوزت الثلاثين من عمرها ، وبدا لي أنني أكبر منها بعدة سنوات ، ربما بأربع سنوات أو خمس . وكنت أقضي معها في الصف خمس ساعات مرهقة يومياً ، فقد كانت حريصة على تعليمي ومخلصة فيه ، لا تكاد تضيع دقيقة من وقت الدرس ، فما أكاد أجيبها على سؤال من اسئلتها حتى تلحقه بآخر . وكنت أتعلم منها بسرعة ، وأحضّر دروسي يومياً كأي تلميذ حريص نشيط .
لم يكد الشهر ينتهي حتى أحسست من تصرفاتها معي في سفرة طلابية من سفرات المعهد بأن كريستين صارت تحبني بالمعنى الذي نعرفه عن الحب . " وقعت في غرامي " كما تقول أم نوار . ولكنني أفهمتها بلباقة قبل أن تتمادى ، بأنني رجل متزوج ، ولي من زوجتي ثلاث بنات ، وأنني سعيد في حياتي الزوجية ومخلص لها وأمين عليها . وعنئذ كفّت عني ، وصار كلانا يتحفظ في كلامه ويحذر في تصرفاته ، حتى إذا التحقت بي أم نوار بطلب مني ، وسجلت معي طالبة في المعهد ، عرّفتها بكريستين ، فابتعدت هذه عني وقنطت ، ومضى كل شيء بسلام .
ولكن حدث بعدها حادث لم يكن في الحسبان . ذلك أن أم نوار جلبت معها بعض الهدايا بناء على توصية مني ، وكنت أنوي إهداء كريستين إحداها لفضلها الكبير علي ، فكان نصيبها حلية ذهبية تتكون من سلسلة يتدلى من وسطها تمثال " أسد بابل " فأخذتها فرحة شاكرة . غير أنها جاءتني في اليوم التالي وفي يدها الحلية وسألتني بانزعاج عن مغزاها ، فاتضح لي من كلامها أنها أوّلت وضعية الأسد وهو يجثم على إنسان تأويلاً جنسياً . فكان عليّ أن أشرح لها المغزى في رأي الآثاريين ، وأريها صورة للأثر لأقنعها بحسن نيتي وسلامة موقفي . وعندئذ اقتنعت واعتذرت ، وصرنا بعد هذا الحادث نتبادل تحايا عابرة نادراً ما تقودنا إلى ما هو أكثرمنها .
حين عدت في إجازتي السنوية للتسجيل في دورة أخرى متقدمة والحصول على شهادة DELF لم أجد كريستين هناك ، وأخبرتني زميلة لها بأنها تزوجت ووجدت عملاً آخر .
إنني أدين للآنسة كريستين بونفوا بالأساس القوي الذي وضعته لي في تعلم اللغة الفرنسية .
ذكريات ( 21 )

تجربة في تعلم لغة أجنبية

حين كنت أتعلم اللغة الفرنسية في معهد كافيلام CAVILAM في مدينة فيشي ، وهو معهد متخصص بتعليم الأجانب هذه اللغة ، كنت أشعر بأنني أمام تحد ينبغي لي مواجهته والتغلب عليه بأي ثمن ، ولذا كنت أحرص على تحضير دروسي وكتابة واجباتي بهمة ونشاط ورغبة ، وعملت بنصيحة معلمتي " كريستين بونفوا " ، فرحت أحاول قراءة الصحف والمجلات ، أياً كانت ، ومتابعة برامج التلفزيون الفرنسي بقنواته الثلاث ، وحفظ الأغاني ، لا سيما أغاني جاك بريل وإديث بياف وشارل أزنافور ومغنية جميلة صاعدة اسمها ميراي ماتيو ، وكان هذا كله يغني حصيلة مفرداتي المتواضعة ، ويعلمني نطق الكلمات ، وييسر لي قراءة النصوص وفهمها ، ويعوضني إلى حد ما عن الاختلاط المباشر بأهل اللغة من سواد الناس ، على ضرورته .
تذكرت في هذا الخضم بعد حين ، نصيحة مدرس اللغة الإنكليزية في ثانوية الكرخ الأستاذ " بديل حمّو " في تقوية معرفتي بهذه اللغة عن طريق قراءة مسرحيات شكسبير دون اكتراث للصعوبات التي تواجهني عند قراءتها ، فاشتريت من صاحبة محل قرب المعهد تبيع فيه الكتب القديمة والحديثة نسختين قديمتين من مسرحيتي ألبير كامو : كاليغولا ، وسوء تفاهم ، ومنها صرت أتردد على هذا المحل أسبوعياً لأشتري ما يهمني من الدواوين الشعرية والمسرحيات وغيرها . وكانت صاحبة المحل ، وهي سيدة جميلة ، تتعجب من إقبالي على شراء هذه الكتب وهي ترى أن حديثي الركيك المتعثر معها لا يكشف عن مقدرة على قراءة ما أشتريه منها . فلم تمنع نفسها ذات يوم من أن تسألني عن ذلك ( قل لي : هل تستطيع قراءة ما تشتريه ؟! ) فقلت لها ضاحكاً : إنني أشتريه للمستقبل ، فصارت تتعاطف معي وتبيعني بسعر مخفض ، وتنبهني إلى كتب تعتقد أنها تهمني ، ومنها دواوين شعرية زهيدة الثمن لشعراء فرنسيين شبان لم أسمع بهم .
بقيت أعاني من صعوبة في التكلم بالفرنسية . كنت أفهم ما يقال لي وما أسمعه بسهولة ، ولكنني كنت أتلكأ كلما هممت بالتكلم . كانت مفردات اللغة تهرب مني حتى لينتابني بعض الخجل أحياناً . غير أن أغلب الناس هم من اللياقة والتهذيب واللطف بحيث يحاول فهمك ويعيد عليك الجملة التي نطقتها بعد تصحيحها دون أن يخجلك أو يحرجك أو يضيق بك ذرعاً ، ربما لتعودهم على السياح الأجانب والمهاجرين الجدد ، وربما لسرورهم بأن هناك من يريد تعلم لغتهم .
لازمتني هذه الصعوبة مدة عام تقريباً ، فكنت أستعين في اللقاءات والمناسبات المهمة بمترجم من العاملين معي في المركز الثقافي ، ولكن هذه الصعوبة كانت تتضاءل بمرور الأيام ، بالاختلاط بالناس ، والاستمرار في متابعة الصحف اليومية والمجلات الأدبية وبرامج التلفزيون ، وقراءة الدواوين الشعرية والمسرحيات ، حتى صرت أعتمد على نفسي في كل شؤوني ، فاستغنيت عن أية مساعدة .
لم أنقطع عن القراءة بالفرنسية بعد نقلي إلى بغداد ، بل واصلتها بالهمة نفسها . فقد اصطحبت معي ما كنت اشتريته من الكتب والمجلات الأدبية في فيشي وباريس ، وهي تعد بالعشرات ، وكان صديقي وزميلي جليل العطية يزودني بالصحف والمجلات الأدبية مثل : مغازين ليترير ولير ، وببعض الكتب أحياناً ، مع بريده الإسبوعي بوصفه مراسلاً لجريدة الجمهورية في باريس . وكنت كلما أحظى بسفرة إلى باريس أعود بشيء من الإصدارات الجديدة . وكانت آخر سفرة لي إلى هناك عام 2000 ، كنت مدعواً للمشاركة في مهرجان شعري ، وكان سعدي يوسف مدعواً هو الآخر غير أنه لم يحضر . حتى إذا وثقت بنفسي وعدّتي رحت أترجم مختارات من شعر جاك بريفير وهنري ميشو وألان بوسكيه وباول تسيلان وغيرهم ، ولهذا حديث آخر .

ذكريات ( 23 )

قصة كتاب

كان ذلك في ربيع عام 1994 وكنت يومها بلا عمل تقريباً ، ولكنني كنت أصحو مبكراً كل صباح ، وأتناول فطوري كالمعتاد ، وأحلق لحيتي ، ثم أحمل حقيبتي وأمضي في طريقي بهمة موظف نشيط يحرص على أن يصل إلى دائرته قبل بدء الدوام الرسمي . كنت أذهب إلى المكتبة الوطنية في باب المعظم ، لأراجع أعداد المجلات العراقية ، الثقافية والأدبية والفنية ، التي صدرت بين عام 1945 وهو العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية ، والعام 1958 وهو العام الذي وقعت فيه ثورة 14 تموز ، وكان هدفي من هذه المراجعة البحث عن الإرهاصات المبكرة والتباشير الأولى لحركة تحديث الأدب والفن في العراق كما تجسدت على صفحات هذه المجلات ، وتأليف كتاب عنها .
مجلات كثيرة ، شهرية وأسبوعية ، صدرت خلال تلك الحقبة ، وكان نصيبها من إجراءات الغلق والتعطيل والمصادرة والمضايقة والحرمان من الإعلانات الرسمية وتقليل حصة الورق أو إلغائها كنصيب الصحف السياسية ، ولهذا ، ولأن أغلبها مشروعات فردية محدودة الإمكانات كانت ما تكاد تظهر حتى تختفي ، فهي إن لم يُلغَ امتيازها لأسباب سياسية أفلست لقلة مبيعاتها وشحة إعلاناتها واضطر صاحبها إلى إيقاف صدورها ، وهذا ما جعل إصدار أية مجلة مغامرة أقدم عليها كثيرون وتحاشاها كثيرون .
مجلات كثيرة ، قلت ، وهي : المجلة ، والرابطة ، وعالم الغد ، والفكر الحديث ، والبيان ، والجزيرة ، والرحاب ، والفنان ، والهاتف ، والأسبوع ، والثقافة الجديدة ، والملحق الأدبي لصوت الأهالي ، والقلم ، والفن الحديث ، والرسالة الجديدة ، والكاتب العربي ، والفصول الأربعة ، والمثقف ( وهي غير مجلة جمعية الخريجين ) والملحق الأسبوعي لجريدة الشعب ، والسينما ، والفنون ، وكان علي أن أراجعها كلها ، وأتصفح كلاً منها صفحة فصفحة بحثاً عن بغيتي ، ولم تكن بغيتي سوى اكتشاف الإرهاصات المبكرة والتباشير الأولى لتحديث الأدب والفن في بلادنا ، فلم أجدها إلا في ستّ منها هي : الفكر الحديث ، والوقت الضائع ، والأسبوع ، والثقافة الجديدة ، والكاتب العربي ، والفصول الأربعة .
كانت هناك مجلات أخرى مهمة دون ريب كالرابطة ، وعالم الغد ، والبيان ، والجزيرة ، والهاتف ، وملحق جريدة صوت الأهالي ، ولكنها لم تكن تنطوي على ما كنت أبحث عنه ، لم تكن ريادية في ما قدمته من فكر وأدب وفن ، بل كانت تجتر القيم والأفكار والمفهومات التي سادت قبل الحرب العالمية الثانية في الشعر والقصة والنقد والفن وغيرها ، ولذلك لم أدرسها في كتابي هي الأخرى ، بل اكتفيت بالإشارة إليها ، والتنويه بما يستحق التنويه منها .
أما المجلات الست فقد قرأتها كلها ، حرفاً فحرفاً ، حتى توصلت إلى ما أبتغيه ، وخرجت من كل ذلك بحصيلة كتابي ( المجلات العراقية الريادية ، ودورها في تحديث الأدب والفن 1945 – 1958 ) . ولم أكتف في تأليف هذا الكتاب بحصيلة قراءاتي ، بل قصدت من بقي على قيد الحياة من أصحاب تلك المجلات وهما : الفنان جميل حمودي صاحب مجلة " الفكر الحديث " والإعلامي الأستاذ خالص عزمي صاحب مجلة " الأسبوع " وأجريت مع كل منهما حواراً مباشراً حول مجلته ، واستحصلت منه شهادة مكتوبة عنها ، وكان كلاهما غاية في اللطف والكرم والود ، وعززت ذلك كله بثلاث وثائق هن ثلاث دراسات قصيرة .
وقد كان تصفح كل هذه المجلات وقراءتها ، ودراسة ما درسته منها وتأليف كتاب عنها ، رحلة ممتعة في حقبة مهمة من تاريخنا الأدبي والفني ، اكتشفت خلالها شخصيات مهمة وطموحة ، وريادية حقاً ، كان لكل منها دور طليعي مرموق في تلك الحقبة ، يوم كانت كلها ما تزال في أوج شبابها ، ومن أبرز هذه الشخصيات : الفنان جميل حمودي ، والناقد نهاد التكرلي ، والأكلديمي الدكتور صلاح خالص ، والشاعر بلند الحيدري ، والإعلامي خالص عزمي ، والكاتب عدنان رؤوف ، والكاتب ( اليهودي ) نعيم قطان .
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1995 ولكنها نفدت في حينها ، ورأت دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر إصدار طبعة ثانية منه تلبي حاجة الأجيال الجديدة إلى التعرف على تلك الحقبة من تاريخنا الأدبي والفني ، وعلى الإرهاصات المبكرة والتباشير الأولى من حركة تحديث الأدب والفن في بلادنا ، انسجاماً مع دورها المشهود في خدمة ثقافتنا الوطنية ، والكتاب الآن تحت الطبع .
ذكريات ( 24 )

لكي لا تفسده الدروب

بعد يومين من بدء العطلة الصيفية سمعت أمي تقول لأبي : ها هي العطلة قد بدأت ولا يصح أن نترك الولد يسرح في الدروب . فقال لها : إنه ولد عاقل لا خشية عليه . ولكنها ردت عليه قائلة : الدروب تفسد حتى العاقلين . وعندئذ قال : إذن أصحبه معي إلى الدكان . فوافقته وقالت : لعل هذا أفضل له ولنا . وهكذا فرض علي ، دون تعسف ظاهر ، أن أذهب معه ، وأجلس على صفيحة عند باب دكانه ، متفرجاً على المارة في السوق ، أو ملبياً له طلباً من طلباته القليلة البسيطة . 
كان ذلك عام 1952 ، وكان أبي سمكرياً متواضعاً ، فتح دكانه هذا بعد فصله من عمله في شركة الزيوت النباتية ، لأنه دعا ( وكان عضواً في حزب الاستقلال ) إلى الإضراب عن العمل في الشركة ، ولم يمض على وجودي معه في الدكان سوى يومين أو ثلاثة ، حتى جاءه صديق من أصدقائه وطلب أن يساعده في البحث عن فتى نشيط وأمين ( وإبن أوادم ) يساعده في دكانه . وتمنيت في اللحظة أن أكون أنا هذا الفتى ، فقد كنت ضجراً من هذا القيد الذي قيدت به وشعرت بالضيق منه . كنت أشعر وكأنني سجين ، رغم محاولات أبي في إلهائي واصطحابي معه بعد الظهر لنسبح في دجلة ، ولكنني لم أكن أجرؤ على الاحتجاج والتملص .
بعد ذهاب صديقه ، قال أبي وكأنه يحدث نفسه : ومن أين آتيه بمثل هذا الفتى : نشيط وأمين وإبن أوادم ؟ فأجبته دون تردد : أنا يا أبي ! فبهت ونظر إلي بعينين مستغربتين : أنت ؟! بلى ، قلت ، أنا وماذا في ذلك ؟! أليس هذا العمل أفضل من هذه القعدة المضجرة ؟! فضحك وقال : إن أنا وافقت فإن أمك لن توافق ، ومع ذلك دعنا نسألها . وسألها في المساء فقالت مستنكرة : أتريده أن يعمل الولد ( صانعاً ) عند رجل غريب ؟! وماذا نقول للعالم وهو إبننا الوحيد ؟! فرد عليها : نقول أن يعمل إبننا خير من أن يسرح في الدروب بلا رقيب . وفي صباح اليوم التالي صحبني إلى دكان صديقه وسلمني إياه وهو يقول : خذ ، هذا ابني يمكن أن يعمل معك حتى تجد بديلاً له قبل نهاية العطلة ، ففوجيء الرجل ، ولكنه سرّ ورحب بي أحسن ترحيب .
كان الرجل يكنى بـ ( أبي رضيّة ) . ورضيّة هي ابنته الكبرى ، عمرها في مثل عمري ، وهي جميلة جداً مثل وردة في بواكير تفتحها . قال لي بعد ذهاب أبي : أريدك أن تتعلم العمل في هذا المحل ، تجلس هنا ، وأشار بيده إلى كرسي ، وتراقب كيف أعمل ، كيف أساوم ، وأبيع ، وأزن ما أبيعه ، وأعبيء ما أزنه في أكياس . وتعلمت ، تعلمت بسرعة : عرفت الأوزان ( العيارات ) بنوعيها ، والحدود الدنيا لأسعار بيع البضائع ، فقد كان الدكان متخصصاً ببيع الحاجات المنزلية المتنوعة : الرز بأنواعه ، والسمن بأنواعه ، والسكر والشاي والقند بأنواعها ، والقدور والصينيات المصنوعة من القصدير ، والقواري والإستكانات ، وغيرها ، وغيرها . وقبل أن ينتهي الأسبوع الأول من عملي في الدكان كلّفني بالمساومة والبيع والوزن تحت إشرافه ، حتى إذا وثق من كفاءتي صار يتركني وحدي في الدكان ويذهب هو إلى البيت ليتغدّى ويستريح وقت القيلولة ، ويذهب مرة في الأسبوع إلى الشورجة للتسوق .
كان المحل قريباً من مدخل سوق الشواكة ومن علوة بيع الأسماك قبل انتقالها إلى مبنى جديد في شارع الجصّاصة ( صنّاع الجص وباعته ) . كان بين بين . وكثير من زبائنه كانوا من أرياف هور رجب واللطيفية والمحمودية ، ولكل منهم يوم يأتي فيه إلى بغداد ليبيع منتوجاته ويتسوّق من محلاتها ويعود بما تسوّقه إلى أهله ، فعرفني أبو رضيّة بهم واحداً فواحداً ، وصرت ألبي طلباتهم في غيابه . وخلاصة الأمر أن الرجل كان فرحاً بعملي معه ، وكان كثير الثناء عليّ في حضوري وغيابي ، ولم أسمع منه كلمة توبيخ أو لوم طوال مدة عملي معه ، وكان يعطيني في نهاية كل يوم مبلغ خمسين فلساً ( درهماً ) حتى تركي العمل في نهاية العطلة . أما أنا فكنت أنفق في كل يوم جزءاً من ( يوميّتي ) هذه في شراء إحدى جريدتين : الأهالي ، أو لواء الإستقلال ، وأحياناً كنت أشتري جريدة الجبهة الشعبية إن كان فيها مقال للراحل الفذ : محمد رضا الشبيبي ، فقد سمعت أبي وهو يثني عليه . وأما بقية المبلغ فكنت أوفره لشراء كتابين أو ثلاثة في كل شهر . وكانت هذه هي العتبة الأولى لدخولي عالم الأدب وعالم السياسة .

ذكريات ( 25 )

مجلة الأديب

ذات يوم من أيام عام 1979 اتصل بي هاتفياً رجل عرفت من لهجته أنه لبناني ، وطلب مني بكل تهذيب أن أسمح له بزيارتي في مكتبي في المركز الثقافي العراقي في باريس . ولما سألته عن الغرض من هذه الزيارة قال : لا غرض عندي سوى السلام عليك ، ألست مدير المركز ؟ قلت : بلى ، فقال : وأنا أريد أن أزورك وأحييك لأنني معجب بنشاط مركزكم ، فرحبت به واتفقت معه على موعد ، وجاءني فيه .
كان مركزنا يحتل مبنى كاملاً من تلك المباني الفخمة المطلة على ساحة النجمة الشهيرة ( Place de l Etoile ) . وكان مالك هذا المبنى داسو ( Dassault ) صاحب الشركة التي تنتج الطائرة الفرنسية المقاتلة المعروفة : ميراج ( Mirage ) فتساهل معنا في مبلغ الإيجار لما بينه وبين الحكومة العراقية من تعاملات . وكان للمركز يومئذ برامج موسمية زاخرة ومتتابعة ، وله أصدقاء وجمهور واسع من الفرنسيين والعرب المقيمين : معارض وفعاليات ثقافية وأدبية متنوعة ، وكنا نعلن عنها بشتى وسائل الإعلان . ولم يكن للأقطار العربية الأخرى يومئذ مراكز ثقافية باستثناء المركز الثقافي المصري ، وكان مركزنا يتفوق عليه كثيراً بنوعية برامجه ، لأن الطابع السياحي كان هو الغالب على المركز المصري .
قلت ، جاءني الرجل اللبناني ( نسيت اسمه مع الأسف ) في الموعد المحدد ، وكان يحمل بيده مجلدأً كبيراً ، وجلس وهو يضع المجلد على ركبتيه ، ثم راح يثني على المركز ونشاطه وفخامة مبناه وسعته وحسن إدارته بما أسعدني وأراحني ، وقال : هذه أول مرة أرى في باريس مركزاً ثقافياً عربياً بهذه الفخامة وهذه النوعية من النشاط ، ونسب فضل ذلك إلي بوصفي مديره ، وهو في الواقع ليس لي وحدي بل لكثيرين من زملائي أيضاً ، مساعدين وستشارين . وما إن أكمل الرجل ارتشاف قهوته حتى نهض ونهضت معه فقدم لي المجلد الذي كان يحمله وهو يقول : هذا المجلد هدية لك ، وهو أفضل ما أستطيع تقديمه احتراماً لجهودك في إدارة هذا المركز ، فأخذته منه وشكرته ورافقته حتى الباب الخارجي تقديراً لمبادرته ، وبقيت أحتفظ بهديته حتى اليوم .
كانت مظاهر القدم بادية على المجلد ، ولما فتحته وتصفحته وجدته يضم الأعداد الستة الأولى من مجلة ( الأديب ) اللبنانية ، واكتشفت أن العدد الأول من هذه المجلة صدر في كانون الثاني من عام 1942 ، أي أنه صدر ونيران الحرب العالمية الثانية في أوج اشتعالها واتساع رقعتها ، وظهر أن المجلة ليست معنية بالأدب وحده ، بل بالسياسة أيضاً ، فقد كانت ، بما تنشره من مقالات وتقارير سياسية وعسكرية ، منبراً من منابر الدعاية للحلفاء ضد ألمانيا النازية . ولاحظت أن خيرة أدباء لبنان وشعرائها وكتابها ، في تلك الحقبة ، كانوا ينشرون فيها ومنهم ألبير اديب صاحب المجلة ، وعمر فاخوري ، وجبران ثويني ( والد غسان ثويني ) وصلاح الأسير ، وإلياس أبو شبكة ، وكرم ملحم كرم ، ونقولا فياض ، ورشدي المعلوف ، وعيسى المعلوف ، ويوسف غصوب ، وقسطنطين زريق ، ومارون عبود ، وميخائيل نعيمة ، وآحاد من السوريين ، ولا أحد من الأقطار العربية الأخرى ، بما فيها العراق .
ومما لاحظته أن المجلة لم تغير شكل غلافها وألوانه منذ عددها الأول حتى آخر أعدادها . ولم يطرأ أي تغيير جوهري على تقاليدها ، وربما كان التوقف عن نشر زاويتها الطبية ، ومقالاتها السياسية وتقاريرها العسكرية ، أهم تغيير طرأ عليها . ولست أدري متى بدأ الأدباء العراقيون النشر على صفحاتها ، ربما في أواخر أربعينيات القرن العشرين ، ولكنهم أكثروا من النشر فيها ابتداء من مطلع عام 1950 ، حتى أصبحت مجلتهم المفضلة بعد احتجاب مجلة ( الرسالة ) المصرية ، وأبرز من نشر فيها ، بحسب متباعاتي ، الناقد والمترجم نهاد التكرلي ، والشعراء : عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري ومحمود البريكان ( كان ينشر قصائد عمودية ) والقاص عبد الملك نوري ، ولكن التكرلي والبياتي كانا الأكثر نشراً من بقية زملائهم .
بدأ نجم هذه المجلة يخبو بعد صدور مجلة ( الآداب ) في كانون الثاني من عام 1953 ، وزاد أوضاعها صعوبة صدور مجلات أخرى في مختلف الأقطار العربية ، ولكنها ظلت تقاوم الظروف الصعبة وتتشبث بالحياة حتى عام 1983 ، أي قبل وفاة صاحبها ألبير أديب بسنتين . ولد البير أديب عام 1908 وتوفي عام 1985 ، وكان ممن خدموا الأدب العربي خدمة جليلة في تلك الحقبة .
                            

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق