الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

عامر عبد الله والحزب الشيوعي العراقي بقلم : زيد الحلي

عامر عبد الله والحزب الشيوعي العراقي
بقلم : زيد الحلي
قليل من تجلس معهم، ويضيفوا اليك معلومة ثقافية او سياسية او اجتماعية، ومن القلة التي لفتت انتباهي، حين جالستهم، وخرجت بانطباع شبيه بضياء الفجر، هو الصديق العزيز المفكر د. عبد الحسين شعبان .. فهذا الانسان النابه، اتابع احاديثه، لاسيما استذكاراته كالبحر، موجة وراء موجة، وليس مثل البعض، يتحدثون في مواضيع، هي نسخ مكررة .. أشباح وظلال لأصوات الآخرين، والكثير من كلماتهم التي نسمعها او نقرأها، هي سطور مسلوبة الروح والجسد!

وتأكدت من خلال صداقتي ونقاشاتي مع اخي د. شعبان، ان الكاتب لا يُعطى الحرية، بل يأخذها، وهو حين اكتشف قوانين الحرية، ازداد حرية.

نعم، لقد نسيّ، بعضنا (كتابا وقراء) اننا كالحبر والورق .. فلولا سواد الحبر لكان البياض أصم، ولولا بياض الورقة، لكان سواد الحبر .. اعمى، فالحبر والورق، صنوان في الصدق، والصدق صنو الحرية!

اعتدت في جلساتي ولقاءاتي مع ابي ياسر د. شعبان، سواء في اروقة المؤتمرات التي نشترك فيها محليا او خارجياً، او الجلسات الخاصة، ان احفز ذاكرته على استذكار بعض ما يستهويني من محطات سياسية مر بها العراق، لاسيما ان الرجل يتحدث بلغة الأرقام المغمسة بالأسماء، ولا تحتاج كلماته مني إلى خرائط خاصة لفك رموزها أو حل الغازها وتفسير إيماءاتها المدهشة!

وقد يعجب القارئ الكريم، حين اقص عليه، حكاية ما سيطالعه عن رجل، حَمل جسده المنهك بالأوجاع والألم والفقد والغياب على كاهل الحزب الشيوعي العراقي حتى الاستغراب. إنه القيادي الشيوعي البارز عامر عبد الله. ففي جلسة عادية، ضمتني مع د. شعبان حضرها شقيقه صديقي حيدر شعبان في صالة الاستقبال بفندق الميرديان في 15 من الشهر الماضي، وكان في ذهني ان اللقاء لن يطول، لاسيما ان للدكتور في اليوم التالي على لقائنا مشاركة مهمة في المؤتمر الذي يقيمه مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، حول واقع العنف والإرهاب في العراق، وله فيها محاضرة بعنوان (ثقافة اللاعنف: آلة التدمير وآفاق التغيير) لكن، مسار الحديث المتشعب، دار مثل، خيط دخان، دون انذار، ليكون المحور "عامر عبد الله " وانثالت الذاكرة الحبيبة لأبي ياسر لتحلق في فضاء الذكريات.

يقول د. شعبان: تعرفت مباشرة على عامر عبد الله بعد أن أصبح وزيراً بنحو أسبوعين (أبريل/نيسان 1972) وكان قد قام بزيارة إلى براغ، وكنت حينها رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين (عندما كنت أحضّر للدكتوراه) ونظّمنا له فرصة لقاء بالطلبة العرب وبعض العاملين في براغ، ويومها حضر ممثلون رسميون عن السفارة العراقية لأول مرّة وكان اللقاء مثيراً حقاً.

كنت في صراع مع نفسي: كيف سأقدم أحد أقطاب اليمين إلى الجمهور، هل سيكون تقديمي بصفته الحزبية أي عضويته في اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي العراقي رغم أنه كان خارجها أو أعيد احتياطاً إليها أم بصفته الوزارية (وزيراً للدولة) أم بصفته النضالية (المناضل)، وأخيراً حسمت أمري حين اخترت الصفة الأكثر انطباقاً على عامر عبد الله، وهي صفة المفكر الماركسي، وكنت رغم تحفظاتي المسبقة أشعر ان عامر عبد الله من خلال كل ما قرأت عنه وسمعت حوله، هو مجتهد حتى وإن اختلفت معه، أو بالأحرى اختلفت مع ما أشيع حوله، ولذلك اخترت صفة المفكر، وهو بحق أحد أبرز المفكرين الماركسيين العراقيين والعرب.

واستمر متحدثاً عن صديقه ورفيقه عامر عبد الله، بحزن شفيف، فما انبل القلب الحزين الذي لا يمنعه حزنه من ان ينشد أغنية مع القلوب الفرحة التي تنبض بمحبة التاريخ الصادق. وتحدث عن حالة غريبة في حياة عامر عبد الله، جديرة بالاشارة، وهي: "بعد وصول عامر عبد الله إلى لندن قدّم طلباً للحصول على اللجوء السياسي، وكنت قد كتبت له رسالة باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي كنت رئيسها في لندن، وكان أخي حيدر شعبان هو من ذهب معه الى وزارة الداخلية في منطقة كرويدن، وجاءه الرد من وزارة الداخلية بالموافقة، وأُرخت الرسالة يوم 14 يوليو/تموز، وكان (أبو عبد الله) يتندّر عندما يذكر هذا التاريخ بالقول يريدون أن يذكرونني بهذا اليوم على طريقتهم، ولعلها مفارقة أن تضطر الظروف من هيأ لثورة 14 تموز (يوليو) 1958 أن يتقدم بطلب لجوء إلى الدولة التي فك العراق ارتباطه بها وثار الشعب ضد التبعية لها.

لعل تلك واحدة من مرارات عامر عبد الله التي كنت أدركها وأعرف ما تعني بالنسبة إليه، وبغض النظر عن مواقفه «اللندنية» والمتعلقة بشأن تسفيه فكرة السيادة وتبرير القرارات الدولية المجحفة والمذلّة، لاسيما استمرار الحصار الدولي الجائر والتعويل على العامل الخارجي، فقد تميّز عامر عبد الله على أقرانه بنزعته العروبية، وبمواقفه من القضية الفلسطينية

واستمرت استذكارات شعبان عن صديقه الذي سبقته شهرته، وقبل أن يتعرّف عليه الكثيرون كانوا قد سمعوا عنه أو قرأوا له أو جاءوا على ذكره في إحدى المناسبات، فهو الحاضر دائماً الذي لا يملأ المكان فحسب، بل يفيض عليه، نظراً لما يتركه حضوره من إشكاليات وجدل واختلاف وعدائية «مستترة» أحياناً.

ويقول د. شعبان "لم أجد شخصاً اختلف حوله رفاقه قبل خصومه مثلما هو عامر عبد الله الشيوعي العراقي المخضرم، الذي ملأ الأسماع مثلما شغل أوساطاً واسعة من الشيوعيين وأعدائهم، وهو المثقف الماركسي البارز الذي تعود أصوله إلى مدينة عانة المستلقية على نهر الفرات غرب العراق، وكان قد ولد في العام 1924 لأسرة متدينة ومُعدمة، وهو ما يرويه بتندّر شديد وألم كبير، لاسيما حالة الفقر وسوء التغذية والتراخوما، خصوصاً بعد أن تركهم والده الحاج عبد الله ليقرر الرحيل لجوار قبر الرسول في مكّة".

وفي اثناء حديثه الممتع، اشار د. شعبان الى ان عامر عبد الله لم يسلم من الحسد والغيرة التي شنّها ضده رفاقه أولاً، بل نسجوا حوله حكايات لها أول وليس لها آخر، رغم أن بعضهم كان يتملّق له، لاسيما عندما أصبح وزيراً في العام 1972، ورغم أن مواقفه بحاجة إلى نقد وتقييم موضوعي، بما لها وما عليها، إلاّ أن قصصاً كثيرة بعضها من صنع الخيال رافقت مسيرته كشائعة زواجه من البلغارية وحفل الاستقبال الذي أقامه بهذه المناسبة في بغداد، تلك التي كانت «فاكهة الشتاء» في بعض المجالس، حيث يتم تغذيتها يوماً بيوم بل ساعة بساعة كي لا تنطفئ وهكذا سرت تلك الإشاعة مثل النار في الهشيم.

ولم يكن يمرّ يوم إلاّ وتسمع مثل تلك الدعايات السوداء عن البذخ والحفلات والعبث، تلك التي التقطها الأعداء والخصوم، ليؤلفوا منها قصصاً وحكايا أكثر خبثاً عن علاقات سرية مع أجهزة ومخابرات دولية، مشككين كيف كان عامر عبد الله يستطيع الإفلات من قبضة الأجهزة الأمنية طيلة حياته، في حين كان رفاقه يزجّون بالسجون والمعتقلات لسنوات طويلة، وهو يغادر العراق سرًّا ويعود إليها سرًّا، ويسافر ويلتقي مسؤولين وكأنه يلبس طاقية الإخفاء.

ولعل هناك من نسب إليه إصدار «تعليمات» بقتل حفصة العمري وتعليقها على عمود الكهرباء في الموصل خلال أحداثها المأسوية العام 1959. وهو خبر كان قد شاع عشية قبوله عضوية المجلس التنفيذي للمؤتمر الوطني العراقي في لندن، ممثلاً عن «السنّة»، كما تمّ تداوله في حينها!.

ولأن صديقي د. عبد الحسين شعبان، يدرك ضرورة مغادرتي الفندق لظرف خاص بيّ، قال إنه سيرسل لي ما يكفي شهيتي من ذكريات عن صديقه عامر عبد الله، فودعني على آمل حضوري صباح اليوم التالي للمؤتمر آنف الذكر، ويأتي الغد، لأهاتفه معتذرا لعدم حضوري المؤتمر، وبعد يومين يُشارك طلبة الصحافة "المرحلة الثالثة" بكلية الاعلام بدعوة من استاذهم الدكتور احمد عبد المجيد، في ندوة حوارية كان سعيدا بها .. وبانتهاء الندوة، يغادر مساء الى بيروت بعد خمسة ايام من زيارة لبغداد، ومن هناك يهاتفني ليلا، ليجدني طريح الفراش نتيجة انفلونزا حلت ضيفة ثقيلة عليّ، فيتحدث مع زوجتي، متمنيا الشفاء، واصفاً علاجا طبيعيا كان قد جربه!

وبعد يوم على مهاتفته عائلتي، فتحت بريدي الالكتروني، وانا كسول، فوجدت رسالة من ابي ياسر، فيها من السطور ما يبهج، ويزيح المرض، وفيها تنفيذ وعد للوليمة التي تكفي شهيتي، وتزيد. كانت تتضمن فصلا مهما، من كتاب عن "عامر عبد الله والحركة الشيوعية العراقية"، اظنه سيحدث جدلاً في الاوساط السياسية لاسيما في صفوف وكوادر الحزب الشيوعي العراقي لما فيه من اسرار وخفايا، استطاع د. شعبان الحصول عليها، وتثبيتها بأمانة نادرة.

وحتى لا افسد متعة قراءة الاصدار الجديد، الذي سيرى النور قريبا، اشير الى مقتطفات سريعة، لا تخل في جوهر الكتاب، وكم المعلومات فيه.

كان عامر عبد الله متفوقاً دراسياً ما مكنّه من دخول كلية الملك فيصل العام 1941 في عهد الدكتور محمد فاضل الجمالي وزير المعارف في حينها، وكان مرشحاً في العام 1943 للقبول في جامعة كامبريدج، لكن مشاركته في الإضراب مع مجموعة من زملائه أدّى إلى طردهم وإلغاء سفرهم كما يذكر.

انتسب إلى كلية الحقوق في القاهرة وساكن طلعت الشيباني (الوزير بعد الثورة) وأكمل دراسته بعد أن انتقل في السنة الثانية إلى بغداد، ومارس المحاماة والصحافة لفترة قصيرة ومتقطعة، منذ أواسط الأربعينيات، حتى اضطّر للعمل السري بقرار من الحزب في العام 1952، ويقول بمرارة عن سنوات اختفائه التي دامت بمجموعها 11 عاماً، كانت سنوات حرمان وفقر.

قرّر عامر عبد الله الانتماء إلى الحزب الشيوعي أواخر العام 1949 عقب إعدام أمين عام الحزب الشيوعي فهد (يوسف سلمان) ورفاقه حازم وصارم (حسين محمد الشبيبي، ومحمد زكي بسيم) في 13/14 شباط (فبراير) 1949، بعد جولة أجراها في بعض البلدان العربية، التقى فيها عدداً من الماركسيين والشيوعيين، وواصل رحلته إلى باريس متطلعاً إلى أفق إنساني لأممية ماركسية إنسانية رحبة، لكنه اصطدم هناك بالبيروقراطية كما يقول، لأنه لم يكن بعد قد انتمى إلى الحزب.

لعل الدور القيادي والمؤهلات الريّادية الشخصية لعامر عبد الله جعلته مبرّزاً بين أقرانه ورفاقه أينما عمل وحيثما كان، لدرجة أنه حتى عندما كان يُستبعد أو يُقال من مواقعه القيادية، كان الآخرون يحسبونه القائد الفعلي للحزب الشيوعي ومنظّره، نظراً لما تركه من تأثير فكري وسياسي على مجمل عمل الحزب. صاغ عامر عبد الله لنحو 3 عقود أهم وثائقه النظرية وقد يعود السبب في ذلك أيضاً إلى أنه تجاوز الحقل الحزبي ليشتغل بالفضاء السياسي بعد أن تعرف على عدد من الشخصيات السياسية العراقية.

وكتب عامر عبد الله، قبيل ثورة 14 تموز (يوليو) ببضعة أشهر في جريدة البرافدا، السوفيتية الشهيرة (وهو امتياز لم يسبقه إليه أحد من شيوعيي العراق ولم يلحقه إليه أحد من الشيوعيين العرب إلاّ على نحو محدود) مقالتين باسم خالد محمد، فيهما إشارات تحليلية إلى أن الخيار العنفي هو الغالب، ملمّحاً للتحضير للثورة، لاسيما بعد أن غيّر الحزب توجّهه السلمي الذي تبنّاه في الكونغرس الحزبي الثاني في العام 1956 بعد توحيده، مقدّماً خياراً جديداً وتكتيكات نضالية جديدة.

وقد كانت أهم وثيقة صدرت عن الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العراقي التقرير الذي كان قد كتبه عامر عبد الله حول «مهماتنا في التحرر الوطني والقومي في ضوء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي»، والذي يتلخّص استنتاجه الأساس بالنضال السلمي الجماهيري، في حين أن سلطات العهد الملكي بقيادة نوري السعيد، كانت قد أغرقت التظاهرات السلمية المناصرة للشقيقة مصر والمندّدة بالعدوان الثلاثي الانكلو- فرنسي – الإسرائيلي، بالدم، وهو الأمر الذي استوجب تغيير تكتيكات الحزب بشأن وجهة النضال وأسلوبه الرئيس، حيث تبنّى الأسلوب العنفي، طالما أن السلطات الرجعية هي التي اختارت هذا الأسلوب، غالقة جميع الأبواب أمام أساليب النضال السلمية، لاسيما بعد قيام حلف بغداد واستخدام أنيابه للتضييق على الحريات وإصدار عدد من القوانين تحت باب مكافحة الأفكار الهدّامة، ومن ثم قمع الانتفاضة الجماهيرية الشعبية السلمية، الأمر الذي اقتضى الاستعداد لكل الطوارئ وحشد كل الإمكانات لمنازلات كبرى.

وتنفيذاً لخط الحزب الجديد، الذي رجّح الخيار العنفي أشرف سلام عادل (حسين أحمد الرضي) الأمين العام للحزب بنفسه على تنظيم الخط العسكري وتنظيم الخلايا للضباط وضباط الصف والجنود، كما أفرد بعض الحلقات لقيادة مجموعات الضباط الأحرار، وأصدر نشرة حزبية موجهة للجنود والضباط تحثهم على الوقوف صفاً واحداً لإنقاذ البلاد وتطهيرها من ربقة المستعمرين وأتباعهم.

يقول د. شعبان: سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينات، إضافة إلى مقابلات لم تنشر بعد، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عقد العام 1956 كان قد أتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب؛ كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد، وكانت انتفاضة العام 1956 التي شارك الحزب بقيادتها بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لاسيما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو) أي قبل يومين من اندلاع الثورة.

ويقول د. شعبان: ترسّخ في أذهان جيلنا منذ أواخر الخمسينيات اسم عامر عبد الله باعتباره رمزاً للاتجاه اليميني المساوم، والأكثر من ذلك شاع اعتقاد مفاده بأنه كان يسرّب أسرار الحزب إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، لاسيما وأنه كان يحمل بطاقة خاصة تسمح له بالدخول إلى وزارة الدفاع ساعة يشاء، حيث كان من أشد الداعمين لسلطة قاسم داعياً إلى لبس قفازات الحرير الدبلوماسية عند نقدها، كما أشيع في وقتها، ولذلك ركّزت عليه دعاية القيادة المركزية في هجومها بالقول أن كبيرهم علّمهم السحر، أي «سحر الدبلوماسية».

ويقول عامر عبد الله عن علاقته بعبد الكريم قاسم: «كان مولعاً بالسهر مما دفعني للتعود عليه أيضاً، لاسيما خلال فترات الاختفاء الطويلة، وهكذا كنّا نلتقي ليلاً ونتسامر ونتبادل الأحاديث حتى وجه الصباح (انبلاج الفجر)، خصوصاً في قضايا الاقتصاد والنفط والعلاقات الدولية».

تناقل الكثيرون روايات مفادها أن عامر عبد الله وبعض من رفاقه وقفوا حجر عثرة في طريق الاتجاه اليساري أو «الثوري» الذي كان يعمل على إزاحة قاسم من السلطة، لاسيما بعد محاولة اغتياله الفاشلة التي قام بها حزب البعث العام 1959.

وأتذكّر حواراً كان قد جرى في دمشق بين صالح دكله (سكرتير لجنة الحزب في بغداد) وعامر عبد الله عضو المكتب السياسي (آنذاك)، بشأن خطة السيطرة على بغداد، والتي كان قد خطط لها سلام عادل وجمال الحيدري، حيث أبلغ دكله بتنفيذها (ويبدو أنها كانت بمعزل عن المكتب السياسي أو دون معرفة بعض أعضائه، إضافة إلى بعض أعضاء اللجنة المركزية).

واقتضت «الخطة»: النزول إلى الشارع والسيطرة على المرافق العامة، وهو ما ألمح له صالح دكله في مذكراته، لكن عامر عبد الله أنكر ذلك وكثيراً ما جادل في أصل الرواية، لاسيما في ندوة أقيمت له في النصف الأول من التسعينات في الكوفة كاليري في لندن، في حين أن دكله يقول: «أن عبد الكريم قاسم أرسل عامر عبد الله ليستوضح الأمر ويحول دون تنفيذ الخطة – إن وجدت – وذلك بعد علمه بمحاولة «الانقلاب» والسعي لتسلّم السلطة وجعل الأمر الواقع واقعاً"، وباحتشاد الجماهير في الشوارع الذي استمر حتى ساعات الفجر الأولى، وتحرك بعض القطعات العسكرية واستنفار عدد من الضباط والجنود.

وكان عامر عبد الله يبحث كما يقول صالح دكله عن سلام عادل الذي بقي متوارياً عن الأنظار في عكَد (زقاق) الأكراد، حيث كان يرسل توجيهاته إلى لجنة بغداد من هناك، وعندما سألت عامر عبد الله عن الواقعة تساءل ساخراً: «إذاً لماذا لم يفعلها(الثوريون اليساريون)؟!»، لكن جواب الطرف الآخر كان مُبرراً أيضاً.

يبدو أن ثمة أسباب موضوعية وأخرى ذاتية دفعت سلام عادل إلى التخلي عن خطته «الانقلابية». وكنت قد سمعت عن خطة لم أتوثق منها بعد، قدمتها اللجنة العسكرية تقضي بإنزال تظاهرات حاشدة في باب الشيخ، فيرسل قاسم قوات عسكرية لقمعها، وعندها تتحرك القطعات إلى وزارة الدفاع لإلقاء القبض عليه، وتستولي على الإذاعة لتعلن خبر القضاء على المؤامرة الرجعية (المزعومة)، ويكون الحزب قد ظهر بصفة المدافع عن النظام واستلم السلطة بعد تنحية قاسم، وبصورة سلمية!

وإذا كان خبر نزول الجماهير إلى الشارع صحيحاً، فهل رواية صالح دكله صحيحة أم نفي عامر عبد الله؟ قد يكون سبب نزول جماهير الحزب الشيوعي إلى الشارع وبقائهم فيه إلى مطلع الفجر حيث وجهت إليهم التعليمات بالانسحاب هو لإحراج عبد الكريم قاسم الذي دلت مؤشرات كثيرة على تراجعه، لاسيما بعد أحداث الموصل، وعشية أحداث كركوك العنفية المأساوية التي اتهم قاسم الحزب بارتكابها، في محاولة غزل لأطراف الصراع الأخرى، خصوصاً بعد خطاب كنيسة مار يوسف (لاحقاً).

كما يمكن أن تكون رغبة الاستيلاء على السلطة قد خامرت سلام عادل أو داعبت مخيلته باستذكار نموذج كيرنسكي، لكن الأصح أن الحزب لم يكن لديه أية خطة لذلك، وأن إستراتيجيته حتى بعد أن انتقد نفسه وتراجع لم تبدِ أية ردود فعل كبيرة إزاء هجوم قاسم ضده واستمر شعاره: «كفاح، تضامن، كفاح» وهو شعار عائم ودون أي معنى سياسي. وعندما اندلعت الحرب ضد الشعب الكردي بضرب مناطق البارزانيين في أيلول (سبتمبر) 1961 رفع الحزب شعار «السلم في كردستان» وهو شعار بلا معنى وبلا مضمون، لغياب نقطة واضحة لتوجهاته المستقبلية وبالأخص في تحديد الموقف من حقوق الشعب الكردي.

وأغلب الظن أن نزول الجماهير إلى الشارع في التظاهرة المليونية الشهيرة كان يهدف إلى إبراز قوة الحزب الشيوعي وإظهار عضلاته على أمل الحصول على المزيد من المكاسب، لاسيما بعد ارتياب قاسم من رفع الحزب الشيوعي في 1 أيار (مايو) 1959 شعار المطالبة بالمشاركة في الحكم.

وكان اجتماع اللجنة المركزية لعام 1959 قد خطّأ سياسة الحزب، لاسيما مطالبة عبد الكريم قاسم بإشراك الحزب بالسلطة، ورفع بعض الشعارات المتياسرة، وهو الاتجاه الذي قاده عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وآخرون.

طالب عامر عبد الله في الاجتماع الموسع الذي عقد في (أيلول/سبتمبر) 1959 بإجراء النقد الذاتي وإعادة تصحيح العلاقة مع قاسم واستعادة العلاقات الايجابية مع القوى والأحزاب الأخرى، ولم يعترض أحد على ذلك، ثم حرر الوثيقة التي سمّيت بوثيقة «الجلد الذاتي» بالتعاون مع سلام عادل.

ونُسجت قصصاً أخرى حول يمينية عامر عبد الله ، لاسيما بعد تنحيته وإرساله إلى موسكو للدراسة الحزبية العام 1962 ومعه ثابت حبيب العاني الذي كان الأقرب في توجهه إلى عامر عبد الله، وقد تم توصيفه في أحد التقارير الحزبية «بالعبودية الفكرية» لعامر عبد الله، وكذلك أرسل بهاء الدين نوري للدراسة الحزبية في موسكو، في حين عوقب زكي خيري بنفيه إلى ريف الشامية لإعادة تثقيفه وتقويته بعد أن قدّم نقداً ذاتياً أكثر فيه من الجلد الذاتي والإدانة لشخصه، ولعل هذا النقد هو الأبشع في تاريخ النقد الحزبي للنفس في العراق، كما أثرت في كتابي «تحطيم المرايا: الماركسية والاختلاف».

وتكثر المعلومات ، لتسد شهية ملايين المتلهفين الى معرفة اخطر المراحل السياسية في العراق، مثل علاقة عبد الوهاب الشواف وناظم الطبقجلي بالحزب الشيوعي العراقي، واحداث الموصل وكركوك .

* المصدر : http://www.middle-east-online.com/?id=168554






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق