السبت، 31 مايو، 2014

الكاتب والمؤرخ الاستاذ فيصل غازي الميالي ......محاولة استذكار بقلم : أ.د. إبراهيم خليل العلاف

الكاتب والمؤرخ الاستاذ فيصل غازي الميالي ......محاولة استذكار

أ.د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ متمرس –جامعة الموصل
عرفتُ الكاتب والمؤرخ الاستاذ فيصل غازي الميالي (رحمه الله ) 1941-2013 منذ سنوات طويلة، باحثا ليس مهتما بتاريخ الديوانية فحسب بل بالعراق وحضاراته، وبالمدن وتركيبتها السكانية، والاهم من ذلك أنه يعد من أبرز الكتاب الذين اهتموا بالفلاح العراقي، وبجهده في حرث الأرض، وزراعتها ، والعناية بها. ومما ساعده على ذلك، انه قضى معظم سنوات خدمته الوظيفية في " قسم الأراضي بدائرة الإصلاح الزراعي في لواء الديوانية" حيث عين سنة 1959 وتقاعد في سنة 1987.. كان من الرعيل الأول الذي نفذ قانوني الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 و117 لسنة 1970 ، وتولى مهاما عديدة في دوائر الإصلاح الزراعي منها عضويته في لجان إدارة الأراضي والتعاقد في لواء الديوانية . وقد تولى سكرتارية المجلس الزراعي للواء الديوانية لفلاح طويلة، وسكرتارية لجنة النظر في الاعتراضات الخاصة بالمنازعات الزراعية . وقد تجمعت لديه، عبر عمله هذا، خبرة جيدة بل ومتميزة في شؤون الأراضي وما طرا عليها من أحكام وتشريعات..
ولد الأستاذ فيصل غازي الميالي في قضاء الحمزة الشرقي بمحافظة الديوانية سنة 1941، ودرس في مدارسها ثم حصل على شهادة الدراسة الإعدادية في العام 1966-1967 ، واكتفى بذلك حيث عين سنة 1959 موظفا في مديرية الإصلاح الزراعي للواء البصرة ، ولم يبق في هذه المديرية الا بضعة أشهر ، إذ نقل منها إلى المديرية ذاتها ولكن في الديوانية في 11 آب 1959.
بعد تقاعده وحتى اللحظات الاخيرة من حياته ، لم يتوقف عن العمل بل كان دؤوبا كعهده، ولكن في ميدان آخر، وجده يلبي طموحاته في تقديم ما يفيد مدينته ووطنه .. ومثل مجايليه اهتم بالتاريخ ، وصار له ولع شديد في مطالعة كتب التاريخ والتراث والآثار . ومما اهتم به التثبت من الأنساب حتى انه صار متخصصا بالنسب العلوي، ونال شهادة من قبل شيخ النسابين والمحقق المرحوم السيد صادق عبد الحسين الحلي .. وفي ضوء ذلك أصبح الأستاذ الميالي خبيرا في تاريخ ونسب عشيرة السادة الأميال في العراق..
من كتبه المنشورة : " القول الجميل في ذكر ذريه السيد علي الميل.. نسب وتاريخ قبيلة السادة الاميال في العراق :دراسة تاريخية نسبية " " و "شذرات وسوانح عن السياح الذين مروا بسنجق (لواء) الرحمانية" وبلداته الثلاث لملوم والحسكة والديوانية " ومباحث فراتية في الجغرافية والتاريخ والآثار- الجزء الأول " و"الحضارات العراقية القديمة.. نهر الفرات في طوره الأول" و " القول المعلوم في تاريخ حمزة لملوم" و" حمد آل حمود الخزاعي الأمير العربي الثائر" و " النبي نوح ومعجزة الكون" و "الانتفاضات الفلاحية بوجه الإقطاع في محافظة القادسية خلال العهد الملكي في العراق"، و" تغيرات حدثت على مجرى نهر الفرات في محافظة الديوانية" و" تاريخ قبيلة البو سلطان الزبيدية " و" تاريخ عشيرة ال حجي محسن الخزاعية " و " السيد حبيب حسين وادي الميالي أحد زعماء ثورة العشرين المجيدة " و"صفحات من تاريخ اليهود في الديوانية".وكان اخر كتبه هو عن "الاقلية اليهودية في الديوانية " .
كما كتب سلسلة من الدراسات والمقالات نشر معظمها في صحف ومجلات عراقية عديدة كما ضمت بعضا كتبه ومن هذه البحوث والدراسات : "ضحايا قراصنة اللاقانون" و"استخدام الثروة المائية بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي" و"أهمية النسب ومكانته" و" دراسة سياسية لعشائر محافظة القادسية" و" الفريضة في المجتمع العشائري وجه للمصالحة والمعالجات الودية "و" من رجال الديوانية الأحرار.. سيد رجب الميالي " و" مجرى نهر الفرات في طوره الأول ضمن بادية كربلاء العربية حتى النجف الاشرف " و" انتفاضة فلاحي الشامية 1954" و" ثورة الديوانية على الحكم العثماني في العراق 1732م بقيادة السيد شبر بن ثنوان الحويزي الموسوي" و " الأسباب والعوامل التي أدت إلى تحويل مجرى نهر الفرات من الرملة الأعمى إلى نهر العوجة الحالي ضمن قاطع لملوم (الحمزة الحالية) و "القبائل والعشائر العراقية ومنصب باب العرب في العهد العثماني" و"آراء في الثقافية ومنهجيه التكفير" و"صفحات من تاريخ مدينة الشامية بمحافظة القادسية " و"لفظة روبيانة او ربيانة في ناحية المدحتية في محافظة بابل ماذا تعني ؟ " ولمحة تاريخية عن عشيرة العواتي إحدى عشائر بني حسن الهلالية العدنانية والتي تقطن قضاء الرميثة بمحافظة المثنى " و" السلطان العثماني عبد الحميد الثاني اكبر الإقطاعيين في الديوانية خاصة والعراق عامة للفترة من 1882 ولغاية 1909 " و"آراء وملاحظات حول كتاب دراسات وثائقية وبحوث تحليلية عن حياة إبراهيم بن عبد الله شهيد باخمري (ع) " و " المرادية الوحدة الإدارية والمرادية القلعة والمرادية القرية " .
حظي الأستاذ فيصل غازي الميالي بالعديد من التكريمات، وحصل على كتب شكر وتقدير من جهات رسمية وأهلية، كما انه واحد من الذين يضعون خبرتهم تحت تصرف طلبة الدراسات العليا التاريخية في العراق، وخاصة أولئك الذين يكتبون في موضوعات تتعلق بالتاريخ الحديث. ولقد قدم الرجل الكثير من الاستشارات لطلبة الدراسات العليا الذين كتبوا في موضوعات مختلفة دارت حول " الديوانية في ظل الاحتلال البريطاني 1917-1921" و"الحياة الثقافية في الحلة 1958-1968"، و"امارة الخزاعل في العراق : نشأتها وتطورها وعلاقاتها المحلية والاقليمية 1640-1864 " و " الحلة في القرن الثامن عشر :دراسة تاريخية في الاحوال السياسية والادارية والفكرية " .
كتب عدد من الباحثين عنه في كتبهم وأشادوا بجهوده ، ومن هؤلاء صاحب كتاب " دراسات تاريخية عن العشائر والأعلام العراقية" ، وصاحب كتاب " موسوعة انساب العشائر العراقية" ، وصاحب كتاب " أبجدية عشائر الديوانية" ، وصاحب كتاب " الدليل اليسير عن الجواسم وال الظفير " وصاحب كتاب " خواطر وذكريات من تاريخ النجف الاشرف " . لذلك فان " مركز الفرات الأوسط للبحوث والدراسات والتوثيق " في جامعة القادسية قد اختاره خبيرا وباحثا .. كما أطلق عليه المجلس البلدي في قضاء الحمزة الشرقي لقب " العلامة" ، وسارعت الصحف والمجلات العراقية المهتمة بالتراث والآثار إلى استكتابه وطلب مشورته .. ويعد ماقدمه في مجال تحديد موقع مدينة (أليس) ضمن محافظة القادسية وليس ضمن محافظة المثنى فتحا علميا يعتد به، كما نجح في تحديد موقع مدينة (امغيشيا )الأثرية والتي كانت مندرسة لفترة طويلة وموقعها غير معروف.. وقد حدد موقعها الكائن في تل الكحيفي الواقع في القطعة 218 مقاطعة 58 حمام جعب- غماس ، وقال أن تاريخ هذه المدينة يعود إلى سنة 52-80 ميلادية وسميت ابتداء( اولغاشية ) نسبة الى الملك الفرثي (اولغاشي أو لجش الاول) عندما اعتلى عرش الإمبراطورية الفرثية 247ق. م -266م والتي كان العراق تحت سيطرتها آنذاك وقد أمر ببنائها ووضع بذلك حدا لتوسع مملكة ميسان العربية الصاعدة في عهد ملكها (تامبليوس الثالث) الذي أمر بتأسيس مدينة باسمه على نهر الفرات بالقرب من بابل..
إن ماقدمه الأستاذ الميالي يعد منجزا علميا إبداعيا يعكس اهتمامه وولعه بالتاريخ والآثار والانساب والبلدانيات ، ويأتي ذلك - باعتقاده - أن توثيق اللمحات التاريخية والاجتماعية وخاصة في بيئة (منطقة الفرات الأوسط) والديوانية بشكل خاص يعد ضرورة ((لتجذير الانتماء إلى الأرض حبا وإخلاصا)). كما أن اهتمامه بالانتفاضات الفلاحية في منطقة الفرات الأوسط يعكس آراءه ومبادئه في التاريخ للقوى الاجتماعية الحقيقية الفاعلة، وكثيرا مانجده يلهث وراء كلمة أو معلومة علها تكون له (( ملاذا من مبهمات الأسئلة التي تثيرها كتابات المؤرخين)).
ان الأستاذ الميالي كان يبحث ويجهد نفسه ويقدم ماله رخيصا من اجل " معلومة ربما تكون صغيرة في عدد حروفها ، ولكنها كبيرة في دلالتها التاريخية والعلمية" . والى شيء من هذا القبيل يشير الأستاذ الميالي فيقول :" لقد بذلت مااستطعت من جهد حسب طاقتي"، ويستشهد بما قاله العماد الاصفهاني من " انه لايكتب الإنسان كتابا في يوم، إلا وقال في غدا لو غير هذا لكان أفضل".. وهذا دليل على استيلاء النقص في جملة البشر.
لقد سلط الأستاذ الميالي الضوء على تعسف الإقطاع وجوره على الفلاحين عند دراسته للانتفاضات الفلاحية في منطقة الفرات الأوسط بدءا من فلاحي آل بدير والشامية والرميثة والحمزة .وقد ذكر الكثير من الاهزوجات الشعبية التي تصح بان تكون مصادر تاريخية معتمدة من قبيل (يأكل عنبر وأنا اتحسس الماي) و (يو بالنص يو زرعه يفوته) .. كما أسهب في ذكر تفاصيل دور الحزب الشيوعي العراقي في تبنيه لمطالب الفلاحين وخاصة فيما يتعلق بالمناصفة وقسمة الحصة المائية ودور النظام الملكي الهاشمي الإقطاعي وتنفيذ المزاعم حول شيوعية المنتفضين الفلاحين . وتعرض الاستاذ الميالي إلى العصيان المسلح ضد مرسوم سنة 1954 القاضي بقسمة المناصفة ودور الفلاحين في التهيئة لثورة 14 تموز 1958 والتي أسقطت النظام الملكي وأقامت جمهورية العراق..
يؤكد الأستاذ الميالي – وهو يوثق لكثير من أحداث منطقة الفرات الأوسط - إن التاريخ العراقي " ارتبط بنهر الفرات ارتباطا وثيقا ..فعلى هذا النهر قامت أشهر حضارات العراق بل العالم كله على الإطلاق ،وأثر كثيرا على جغرافية العراق وبيئته وتكوينه الجيولوجي " .ويضيف كذلك بأن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل" ارتبط الفرات بضمير الإنسان العراقي منذ الازل وعلى شواطئه وسهوله ارتسمت جل ملامح هذا البلد وتاريخه وثوراته واحداثه المفصلية ، ومن مياهه ارتوى رجال غيروا تاريخ العراق " .
يقينا أن الأستاذ الميالي، يعد مؤرخا وطنيا تقدميا، وخاصة في تركيزه على تاريخ الانسان العراقي وارتباطه بالأرض وإيمانه بمبادئ الحرية والعدالة والوقوف ضد الاستبداد والظلم فاستحق لذلك منا كل التقدير والاحترام.
توفي في يوم 8تشرين الثاني سنة 2013 رحمه الله وجزاه خيرا على ماقدم لوطنه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق