الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

المراكز الثقافية العراقية في الخارج ذكريات الاستاذ سامي مهدي

المراكز الثقافية العراقية في الخارج
ذكريات الاستاذ سامي مهدي
لم يكن عمل المراكز الثقافية العراقية في الخارج قبل الإحتلال عملاً دعائياً للنظام الحاكم يومئذ ، كما يظن بعض من لا معرفة لهم بعملها وبطبيعة نشاطها ، بل كان عملاً ثقافياً خالصاً . وإذا كان في هذا العمل الثقافي ما هو دعاية ، حسب هؤلاء ، فهي دعاية للثقافة العراقية وموروثها ، وإذا كان في هذه الدعاية ما هو دعاية للنظام نفسه فهي ليست سوى ما تعكسه برامج هذه المراكز ونشاطاتها من ازدهار الثقافة أو تراجعها في تلك الحقبة .
لقد كان للعراق يومئذ سبعة مراكز ثقافية ، حسب علمي ، ثلاثة منها في أوربا (لندن ، باريس ، مدريد ) وأربعة في الوطن العربي (القاهرة ، بيروت ، تونس ،الدار البيضاء ) . وكان لكل مركز من هذه المراكز برامجه الثقافية الخاصة ، وكان غنى كل برنامج يتوقف على مدى أهلية مدير المركز ، وحدود أفقه الثقافي . وكان كل مديري هذه المراكز ومعاونيهم من المثقفين الشباب في واقع الأمر ، ولكنهم نجحوا في عملهم بدرجات متفاوتة ، وهذا من طبائع الأمور .
ذلك لأن تجربة المراكز الثقافية كانت جديدة كلياً على العراق ، فلم تكن له أية تجربة سابقة فيها ، ولم تتوفر لمديري هذه المراكز خبرة متراكمة يبنون عليها في إدارتها ، ولم يكن للمديرية العامة التي كانت ترتبط بها هذه المراكز ، وهي مديرية الإعلام العامة في وزارة الثقافة والإعلام ، لم تكن لها خطط أو توجيهات بشأنها ، وهذا يعني أن برامج كل مركز ونوعيتها كانت تتوقف على مدى مبادرات مديره واجتهاداته وصلاته بالبيئة الثقافية في ميدان عمله .
ولست هنا في معرض تقويم أداء هذه المراكز ، ولذا سأكتفي بذكر نماذج مما قدمه المركز الثقافي العراقي في باريس من نشاطات بوصفي مديراً له من نيسان 1977 حتى تموز 1980 :
- معرض الحلي العراقية الأثرية ، وقد رافقت هذا المعرض حراسة أمنية عراقية مشددة جيء بها من بغداد مع الحلي واستمر وجودها طوال أيام العرض ، وعادت إلى بغداد معها .
- معرض الفن العراقي ، وقد صاحبه الفنان فائق حسن .
- معرض للسيراميك العراقي .
- معرض للأزياء العراقية التي كانت تنتجها دار الأزياء .
- معرض لزخارف المخطوطات العربية ورسومها ، ومنها على سبيل المثال رسوم الواسطي .
- أمسية موسيقية للفنان منير بشير .
- أمسية موسيقية للفنان سلمان شكر .
- أمسيتان موسيقيتان في مدينتي ( باريس ) و ( آرل ) للفنانة مائدة نزهت والجالغي البغدادي .
- أمسية عن الشاعر بدر شاكر السياب وقراءات من شعره بالفرنسية بترجمة المستعرب أندريه ميكيل .
- أمسية شعرية فرنسية .
- أماس سينمائية لعرض الأفلام العراقية الطويلة .
- أماس ثقافية عامة .
هذا بعض ما أتذكره من فقرات برامج المركز الثقافي العراقي أيام كنت مديراً له .
وقد كان أغلب هذه الفعاليات يجتلب جمهوراً غفيراً ( من الفرنسيين ومن العرب المقيمين في فرنسا ) أكثر بكثير جداً مما تجلبه ندواتنا وأماسينا الثقافية والأدبية هنا في بغداد ، ليس في أيام الإفتتاح فقط بل كذلك في سائر الأيام . ولا يعرف القيمة النوعية لهذه النشاطات ومدى الجهد المبذول فيها إلا من كان قريباً من المركز ومطلعاً عليها . وكانت للمركز هيئة استشارية من بعض المثقفين العرب المقيمين في باريس ، وهم كل من : الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي ، والكاتب المصري أمير اسكندر ، والناقد السينمائي اللبناني وليد شميط ، والفنان العراقي وضاح فارس . وكنا نعلن عن كل فعالية بملصقات كبيرة ( بوسترات ) ملونة ومتقنة الطبع في أماكن مختارة من المدينة وفي عقد محطات المترو وأحياناً في بعض الصحف . وكان بعض فعالياتنا ينقل إلى مراكز أخرى من مراكزنا . وقد عمل في مركزنا كل من الشاعر والفنان محمد سعيد الصكار والفنان صبيح كلش . وكانت كل هذه الفعاليات مستقلة عن أي نشاط سياسي أو دبلوماسي ، وكان المركز نفسه مستقلاً عن السفارة ونشاطاتها . وأذكر للتاريخ أن وزارة الثقافة والإعلام لم تبخل علينا قط في التمويل .
غير أن هذه المراكز تراجعت كثيراً وخبا بريقها بعد اندلاع الحرب بين العراق وإيران ، ولا أعرف اليوم ما شكلها وما برامجها ، وأي منها اختفى وأي منها بقي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق